«المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني» و«منتدى العائدين الثقافي» في حمص يحييان ذاكرة النكبة بندوة حاشدة: فلسطين بين مطرقة الاستعمار ووعد الاقتلاع (1914 – 1948)

ضمن فعاليات الأسبوع الثقافي المتواصل تحت شعار «النكبة… ذاكرة وطن لا تموت»، وبمناسبة الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، نظم «المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني» بالتعاون مع «منتدى العائدين الثقافي» في مخيم العائدين بحمص، ندوة فكرية – تاريخية حملت عنوان «تطورات القضية الفلسطينية بين أعوام 1914 – 1948»، قدمها الباحث الفلسطيني الأستاذ ماجد دياب.

 
وشهدت الندوة، التي أقيمت يوم الأربعاء 20 أيار 2026، مشاركة لافتة من ممثلي الفعاليات الوطنية والمنتديات الثقافية الفلسطينية، إلى جانب حضور الدكتور عصام الكوسى، رئيس رابطة المنطقة الوسطى لاتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين – فرع سورية، وحشد من المثقفين والمهتمين بالشأن الوطني الفلسطيني.
 
وافتتح الفعالية الأستاذ أحمد سالم مرحباً بالحضور، داعياً للوقوف دقيقة تحية لأرواح الشهداء.
 
وفي محاضرته، قدّم الباحث ماجد دياب قراءة تاريخية معمقة للفترة الممتدة بين عامي 1914 و1948، متتبعاً التحولات السياسية والعسكرية التي مهدت لقيام المشروع الصهيوني على أرض فلسطين، ومبيناً كيف جرى توظيف التحالفات الدولية والإمبريالية الغربية لخدمة هذا المشروع منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وتوقف دياب عند اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 باعتبارها لحظة تأسيسية لتقسيم المشرق العربي وإعادة رسم خرائط النفوذ الاستعماري، قبل أن ينتقل إلى «وعد بلفور» عام 1917، الذي وصفه بأنه قرار استعماري بريطاني متكامل الأركان، لم يكن مجرد تعهد سياسي عابر، بل مشروعاً رسمياً تبنته الحكومة البريطانية وأُدرج لاحقاً ضمن صك الانتداب، لتصبح بريطانيا مسؤولة مباشرة عن تنفيذ إقامة «وطن قومي لليهود» في فلسطين.
كما تناول الباحث دخول القوات البريطانية إلى فلسطين عام 1918، ثم إقرار نظام الانتداب في مؤتمر سان ريمو عام 1920، موضحاً أن الانتداب شكّل غطاءً قانونياً وسياسياً للمشروع الصهيوني، عبر توفير الحماية العسكرية والإدارية للهجرة اليهودية والاستيطان المنظم، وصولاً إلى تثبيت هذا المسار عبر مصادقة عصبة الأمم على صك الانتداب عام 1922، بالتوازي مع الدعم الأميركي المبكر للمشروع الصهيوني.
وفي سياق تفكيكه للبنية السياسية والقانونية للانتداب، أكد دياب أن سلطات الاحتلال البريطاني عملت بصورة ممنهجة على تحويل فلسطين إلى قاعدة ارتكاز للمشروع الصهيوني، من خلال الاعتراف بالوكالة اليهودية ومنحها صلاحيات واسعة، وتسهيل الاستيطان والاستيلاء على الأراضي، وإقامة المؤسسات العسكرية والاقتصادية الصهيونية، مقابل حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في بناء مؤسساته الوطنية والإدارية المستقلة.
وأشار الباحث إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت، برعاية بريطانية مباشرة، بناء بنية عسكرية وتنظيمية متكاملة، تضمنت تشكيل العصابات المسلحة وإنشاء مصانع للأسلحة والذخيرة داخل المستعمرات، إضافة إلى مشاركة عشرات آلاف المقاتلين الصهاينة في صفوف قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، ما وفر لهم خبرات قتالية وتنظيمية متقدمة استُخدمت لاحقاً ضد الشعب الفلسطيني.
وفي المقابل، سلطت الندوة الضوء على المسار النضالي للشعب الفلسطيني، مؤكدة أن الفلسطينيين لم يتعاملوا مع المشروع الصهيوني كأمر واقع، بل واجهوه بسلسلة متواصلة من الهبات والثورات الشعبية، بدءاً من هبة عام 1920، مروراً بثورة البراق عام 1929، وصولاً إلى الإضراب الكبير والثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي شكلت واحدة من أبرز محطات الكفاح الوطني الفلسطيني في مواجهة الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية.
كما تناولت المحاضرة المواقف الوطنية والقومية التي عبّرت عنها المؤتمرات الفلسطينية والعربية، وفي مقدمتها المؤتمر السوري العام في دمشق عام 1919، الذي رفض وعد بلفور وأكد وحدة سوريا الطبيعية بما فيها فلسطين، وطالب بوقف الهجرة الصهيونية ومنع بيع الأراضي وتسليم الحكم لأبناء البلاد وتحقيق الاستقلال الوطني والوحدة العربية.
وأشار دياب إلى أن النخب الفلسطينية أدركت مبكراً الطابع القومي للصراع، وانفتحت على العمق العربي باعتباره امتداداً طبيعياً لمعركة التحرر الوطني، لافتاً إلى مشاركة مناضلين عرب في قيادة الثورة الفلسطينية، وإلى تأثير الأنظمة العربية في القرار الفلسطيني، خصوصاً في ما يتعلق بوقف الإضراب الكبير عام 1936 وإنهاء الثورة الفلسطينية عام 1939 استجابة للضغوط والوعود البريطانية.
وفي ختام الندوة، توقف الباحث عند قرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، وما تبعه من تصاعد العمليات العسكرية والمجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، موضحاً حجم الاختلال الكبير في موازين القوى آنذاك، حيث امتلكت الحركة الصهيونية أكثر من مئة ألف مقاتل مدربين ومنظمين ومدعومين بخبرات عسكرية متقدمة، مقابل قوات فلسطينية ومتطوعين عرب افتقروا للتسليح والتنظيم والقيادة الموحدة.
وأكد دياب أن العصابات الصهيونية استثمرت هذا الاختلال لتنفيذ عشرات المجازر وعمليات التطهير العرقي التي أدت إلى تهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، خاصة في المناطق المخصصة للدولة اليهودية وفق قرار التقسيم، مشيراً إلى أن الجيوش العربية لم تدخل فلسطين إلا بعد انتهاء الانتداب البريطاني رسمياً في 14 أيار 1948.
وشهدت الندوة نقاشات ومداخلات سياسية وثقافية أغنت المحاضرة، حيث أجمع المشاركون على أن النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل نتيجة مباشرة لتحالف استعماري دولي استهدف الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، مؤكدين أن الرواية الفلسطينية ستبقى حية ومتجذرة في الوعي الوطني والقومي، وأن حق العودة سيظل جوهر القضية الفلسطينية رغم كل محاولات التصفية والطمس.

قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏
قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏
قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يدرسون‏‏
قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏
لا يتوفر وصف للصورة.

المنتدى الثقافي الديمقراطي الفلسطيني/ سورية
المكتب الإعلامي
23أيار/2026
disqus comments here