وماذا بعد أن تصمت البنادق؟!
قد يكون وقف إطلاق النار نهايةً للقتال، لكنه ليس بالضرورة نهايةً للحرب. فالحروب لا تُحسم عندما تصمت البنادق، بل عندما يتحدد شكل الواقع الذي تتركه خلفها. وقد تكون أخطر مراحلها هي تلك التي تبدأ بعد توقف القصف، حين تتحول نتائج الحرب إلى حقائق سياسية وجغرافية وديموغرافية يصعب تغييرها. فإذا بقيت غزة مدينةً من الخيام، وتعطلت إعادة الإعمار، واستمر الحصار، وتواصلت سياسات التهجير، وتسارعت عمليات الضم والاستيطان في الضفة الغربية، فإن الحرب تكون قد غادرت الميدان إلى السياسة، وانتقلت من تدمير الحجر إلى إعادة تشكيل الإنسان والمكان، محققةً أهدافاً استراتيجية قد تعجز القوة العسكرية وحدها عن فرضها. إن الخيمة ليست مجرد مأوى مؤقت، بل رمزٌ للخوف من أن يتحول المؤقت إلى دائم، وأن يصبح اللجوء قدراً جديداً. لذلك فإن معركة ما بعد الحرب تبدأ بإسقاط هذا الاحتمال، عبر إعادة الإعمار، وتثبيت الناس على أرضهم، ورفض تحويل المأساة الإنسانية إلى واقع سياسي دائم. لكن التحدي الأكبر يبقى فلسطينياً. فصمت البنادق يجب ألا يكون بداية صمت الإرادة الوطنية، بل بداية مراجعة شاملة وجريئة لمسيرة طويلة من الانقسام، واستنزاف السياسة، واستنزاف السلاح. فلا مشروع وطني يمكن أن ينهض بسلطة فقدت فاعليتها، أو بفصائل استنفدت أدواتها، أو بقرار وطني منقسم على نفسه، بينما تتغير الوقائع على الأرض كل يوم. إن المطلوب ليس إعادة إعمار الحجر فحسب، بل إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وتوحيد المرجعية السياسية، واستعادة الثقة بين مكونات الشعب الفلسطيني، ليصبح البقاء على الأرض خياراً قابلاً للحياة، لا مجرد شعار يُرفع في مواجهة الألم. ويبقى السؤال الحقيقي: أيُّ فلسطين ستولد بعد أن تصمت البنادق؟ فإن بقي الشعب على أرضه، واستعاد وحدته، وأعاد بناء مشروعه الوطني، فلن تكون الحرب قد حسمت الصراع، وسيبقى المستقبل مفتوحاً أمام حل عادل يضمن الحرية والاستقلال. أما إذا تُركت الخيام لتصبح بديلاً عن البيوت، والانقسام بديلاً عن الوحدة، وإدارة الكارثة بديلاً عن حلها، فإن الحرب ستكون قد حققت أخطر أهدافها، حتى وإن ساد الصمت ساحات القتال. فالتاريخ لا يكتبه من يربح جولةً عسكرية، بل من يملك القدرة على حماية شعبه، وصون أرضه، واستعادة وحدته، وتحويل الألم إلى مشروع وطني للمستقبل. ذلك هو التحدي الحقيقي... وذلك هو السؤال الذي سيبقى مطروحاً حتى بعد أن تصمت البنادق.