تقرير: سوق الزاوية يعود في رمضان بين الركام وحنين الذاكرة
غزة – شيماء أبو سعدة: بين أزقة البلدة القديمة في غزة، وتحت أضواء خافتة لا تشبه مواسم رمضان السابقة، عاد سوق الزاوية التاريخي ليفتح أبوابه مع أول أيام الشهر الكريم، متحديًا آثار الحرب والدمار.
قربه من "الخط الأصفر" شرقي المدينة لم يمنع التجار من رفع الأبواب المعدنية لمحالهم، ولا السكان والنازحين من التوافد إليه بحثًا عن احتياجاتهم، في مشهد بدا وكأنه إعلان جماعي بأن الحياة، مهما أثخنتها الجراح، لا تنكسر.
السوق، الذي يُعد من أقدم أسواق غزة وأعرقها، خرج من حرب الاحتلال الإسرائيلي مثخنًا بالأضرار، بينما مُحيت أسواق أخرى عريقة بالكامل مثل سوق فراس، وسوق اليرموك، وسوق الشجاعية، وسوق الشيخ رضوان. ومع ذلك، بقي سوق الزاوية واقفًا، ولو بملامح متغيرة.
لطالما كان السوق علامة مبكرة على اقتراب شهر رمضان؛ يكفي المرور بين دكاكينه لتشم رائحة البهارات، وتسمع ضحكات الأطفال بين محال الفوانيس والزينة، لتدرك أن المدينة بدأت استعداداتها للشهر الفضيل، منه تبدأ حكايات البيوت الغزية، من شراء التمر الأول إلى اختيار الفانوس الذي يعلّق على الأبواب.
إقبال رغم الجراح
المشهد هذا العام بدا استثنائيًا؛ مئات من السكان والنازحين تدفقوا بين المحال الضيقة، يبحثون عن احتياجات رمضان في ظل حصار مستمر وإغلاق للمعابر، الأضواء أقل حضورًا، والزينة محدودة، والبضائع ليست كما كانت، لكن الحركة لا تتوقف.
يقول محمد الحلو، أحد أصحاب المحال، إن البضائع متوفرة "نوعًا ما"، لكنها لا تقارن بما كان قبل الحرب، خاصة مع الاكتظاظ الكبير في المناطق الغربية من المدينة.
ويضيف: "الناس تحرص على المجيء إلى سوق الزاوية في رمضان تحديدًا، لأنه سوق أثري تراثي ارتبط بذكرياتهم وطقوسهم".
أما التاجر بلال العجلة فيصف السوق بأنه "أيقونة رمضانية"، موضحًا: "عندما يأتي رمضان يتذكر الناس سوق الزاوية".
ويشير إلى أن الأسعار ارتفعت مقارنة بما قبل الحرب، لكن الإقبال لا يزال موجودًا، قائلاً: "الناس مجروحة ومكلومة، لكنها لا تريد أن تبقى في الحزن… تريد أن تعيش".
ومن بين المتجولين، كان أحمد المدهون يوثق المشهد بهاتفه المحمول. يقول إنه اعتاد القدوم كل عام لشراء مستلزمات رمضان، معتبرًا زيارة السوق "طقسًا من طقوس الشهر"، لكنه يلفت إلى أن كثيرًا من المنتجات غير متوفرة هذا العام، خاصة فوانيس الأطفال، بسبب إغلاق المعابر واستمرار الحصار.
سوق بعد الحرب
يحل شهر الصيام هذا العام في ظروف استثنائية تلقي بظلالها الثقيلة على ملايين الغزيين، بين الحرب والمجاعة والنزوح وانهيار مقومات الحياة، وللمرة الثالثة منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، يستقبل الفلسطينيون رمضان وسط دمار غير مسبوق.
ووفق المكتب الإعلامي الحكومي، دمر الاحتلال الإسرائيلي 1015 مسجدًا خلال الحرب.
وخلال العدوان، تعرض سوق الزاوية لغارات جوية إسرائيلية أدت إلى تدمير وإحراق عدد من المحال والدكاكين، لا سيما في نوفمبر/تشرين الثاني 2024. اليوم، ما زال السوق قائمًا، لكن ملامحه تغيرت؛ محال أغلقت أبوابها، وأخرى بلا واجهات، وألوان اختفت من الذاكرة البصرية للمكان.
لم تعد الأجواء كما كانت في مواسم رمضان السابقة؛ لا ازدحام مبهج، ولا زينة تملأ الأزقة، ولا فوانيس تتدلى من السقوف الحجرية العتيقة، أصوات الباعة لا تزال حاضرة، لكنها أقل حماسة، والوجوه التي تتجول بين الدكاكين تحمل آثار تعبٍ طويل. السوق مفتوح، نعم، لكنه يفتقد تلك الحيوية الصاخبة التي كانت تسبق الإفطار بساعات، حين كانت العائلات تتزاحم لشراء مستلزماتها في أجواء يغلب عليها الفرح والترقب.
ذاكرة المدينة
يقع سوق الزاوية في قلب البلدة القديمة، ويشكل وحدة معمارية متكاملة تضم 65 مبنى وقرابة 1150 محلًا تجاريًا، ويمتد بطول 250 مترًا من مدخله الغربي حتى شرقه.
أنشئ السوق في العهد المملوكي، وظل على مدى قرون مركزًا تجاريًا وتاريخيًا مهمًا، يضم دكاكين العطارين وباعة الخضراوات واللحوم ومحال الملابس والأقمشة والسجاد والأدوات المنزلية.
وفي عام 2023، أعدّت بلدية غزة مشروعًا لتطويره بقيمة مليون دولار للحفاظ على طابعه الأثري، قبل أن تأتي الحرب فتغيّر المشهد بالكامل.
ورغم كل ذلك، يعود سوق الزاوية هذا العام ليفتح أبوابه حتى ساعات متأخرة من الليل، كأنه يصرّ على أن يكون شاهدًا على صمود المدينة.
ففي غزة، قد تتغير الواجهات وتُهدم الجدران، لكن الأسواق – كما أهلها – تعرف كيف تعود إلى الحياة، ولو بين الركام.
ومع أن السوق لم يستعد بعد صورته الكاملة ولا بهجته القديمة، فإن مجرد عودته للعمل يحمل رسالة أعمق من البيع والشراء، إنه محاولة جماعية للتشبث بالحياة، ولحفظ ما تبقى من ذاكرة المدينة وهويتها، ففي كل مصباح يضاء داخل دكان متضرر، وفي كل زبون يصرّ على شراء احتياجاته رغم ضيق الحال، تتجسد إرادة الناس في استعادة يوم عادي، ولو كان ناقصًا، وسط واقع لم يعد فيه شيء عاديًا.