تحقيق: شبكة تهريب روسية معقدة لنقل القمح الأوكراني "المسروق" إلى الأسواق الإسرائيلية
تعتمد روسيا مسارًا متشعبًا لتهريب القمح أوكرانية من مناطق خاضعة لسيطرتها إلى السوق الإسرائيلية، عبر عمليات بحرية معقدة تشمل نقل الشحنات في عرض البحر وإخفاء مصدرها، وفق تحقيق صحافي إسرائيلي، وسط تقديرات بأن هذه التجارة تُستخدم لتمويل الحرب الروسية على أوكرانيا.
وبحسب ما أفادت صحيفة "هآرتس"، يوم الإثنين، فإن سفينة شحن روسية تُدعى "أفينسك" رست في ميناء حيفا قبل نحو أسبوعين، محمّلة بالقمح الذي قالت الحكومة الأوكرانية إنه "مسروق من أراضٍ محتلة"، وتبلغ قيمته ملايين الدولارات، في واقعة أثارت احتجاجًا رسميًا من كييف التي كانت قد حذّرت إسرائيل مسبقًا من السفينة.
وأظهر التحقيق أن هذه ليست حالة منفردة، إذ تشير وثائق وبيانات ملاحة وصور أقمار اصطناعية إلى وصول سفينتين على الأقل تحملان حبوبًا مسروقة إلى إسرائيل خلال عام 2023، فيما تثير سلوكيات سبع سفن أخرى الشبهات بمحاولات لإخفاء مصدر الشحنات. كما تكشف سجلات من سلطات موانئ في مناطق أوكرانية محتلة عن أكثر من 30 شحنة قمح مسروقة كانت موجهة إلى إسرائيل.
وبحسب مصادر تحدثت للصحيفة، فإن النمط يتكرر، إذ تم تفريغ ما لا يقل عن أربع شحنات قمح مسروق في إسرائيل خلال العام الجاري، في حين وصلت سفينة إضافية إلى خليج حيفا مؤخرًا وتنتظر الدخول إلى الميناء.
وكانت أوكرانيا قد اعتبرت، في بيان رسمي، أن "من غير المقبول أن تسمح إسرائيل باستيراد سلع مسروقة"، مشيرة إلى أنها طلبت تعاونًا قانونيًا من تل أبيب، مضيفة: "من المقلق أنه رغم الطلب الذي قدمناه، سُمح للسفينة أفينسك بتفريغ حمولتها في حيفا".
ويستند جزء كبير من عمليات التهريب إلى آليات بحرية معقدة، حيث لا يتم تحميل الحبوب في موانئ روسية رسمية، بل تُنقل في عرض البحر الأسود عبر ما يُعرف بعمليات "النقل من سفينة إلى أخرى"، إذ تلتقي السفن على بعد نحو 10 كيلومترات من الساحل، ويتم نقل الشحنات بينها بعيدًا عن الموانئ.
وتُظهر المعطيات أن هذه العمليات تتم غالبًا جنوب مضيق كيرتش، وهو مضيق بحري بين روسيا ومناطق أوكرانية محتلة، حيث تقوم السفن بإطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بها أثناء التحميل، ما يمنع تتبع مسارها، في مخالفة للأنظمة الدولية للسلامة البحرية، قبل إعادة تشغيلها لاحقًا والتوجه نحو إسرائيل.
وأشار محلل في مجال الشحن البحري إلى أن "هذا السلوك يُعد مؤشرًا على محاولة إخفاء مصدر الشحنة"، موضحًا أن إطفاء أجهزة التتبع أثناء التحميل وإعادة تشغيلها لاحقًا بعد امتلاء السفينة يعزز الشبهات بأن الشحنة نُقلت من مناطق محتلة.
وتكشف تفاصيل التحقيق مسارًا محددًا لإحدى أبرز هذه العمليات، حيث قامت السفينة الروسية "ماتروس بوزينيتش" بتحميل القمح في ميناء سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، قبل نقل الشحنة إلى سفينة أخرى تُستخدم كمخزن عائم تُدعى "غرينديل"، ومن هناك جرى نقل القمح إلى سفينة "سانت أولغا".
سفينة "ساينت أولغا" خلال توجهها إلى إسرائيل، تموز/ يوليو 2023 (تصوير: Yörük Işık)
وأظهرت صور الأقمار الاصطناعية أن "سانت أولغا" أطفأت جهاز التتبع الخاص بها أثناء التحميل في عرض البحر، قبل أن تعود لتشغيله لاحقًا وهي محمّلة بالقمح، متجهة إلى إسرائيل، حيث رست في ميناء أسدود في تموز/ يوليو 2023، وعلى متنها نحو 27 ألف طن من القمح بقيمة تقارب 9 ملايين دولار.
ووفق التحقيق، جرى نقل هذه الحبوب عبر أنظمة حديثة في الميناء إلى صوامع التخزين، ومنها إلى مصانع الطحين في إسرائيل، فيما فرضت أوكرانيا لاحقًا عقوبات على السفينة بسبب دورها في "شبكة تهريب الحبوب".
كما برزت سفينة أخرى تُدعى "سورد ليون"، التي حمّلت الحبوب من نفس المخزن العائم، قبل أن تُحمّل شحنات إضافية من سفن صغيرة أطفأت بدورها أجهزة التتبع. وتشير وثائق تصدير إلى أن الشحنة كانت موجهة إلى شركة إسرائيلية تُدعى ADM Israel.
إلا أن هذه السفينة غادرت ميناء حيفا لاحقًا دون تفريغ الشحنة، بعد نشر تحقيق أوكراني حولها، واتجهت إلى تركيا حيث أفرغت حمولتها.
ويشير التحقيق إلى أن هذه العمليات تتم ضمن منظومة تهريب متكاملة طورتها روسيا منذ بدء الحرب، بعد أن فشلت محاولاتها الأولى لتصدير الحبوب عبر الموانئ المحتلة بسبب الرفض الدولي. وتشمل هذه المنظومة خلط الحبوب الأوكرانية بالروسية، واستخدام سفن صغيرة لنقل الشحنات إلى عرض البحر، حيث تُخزن في "مستودعات عائمة" قبل إعادة شحنها إلى وجهتها النهائية.
وتظهر وثائق رسمية روسية أن ما لا يقل عن 120 شحنة حبوب مسروقة نُقلت عبر موانئ القرم بين نهاية 2022 ومنتصف 2023، بينها 31 شحنة بوزن إجمالي يصل إلى 90 ألف طن كانت موجهة إلى إسرائيل.
وبحسب التحقيق، فإن نجاح هذه العمليات يعتمد على إخفاء مصدر الحبوب، حيث أظهرت مراسلات رسمية أن تجار الحبوب الروس شددوا على ضرورة الحفاظ على سرية المصدر، مع الإشارة إلى "رضاهم عن مستوى السرية" في عمليات التصدير من ميناء كيرتش.
وفي السياق ذاته، ادعى مشتري حبوب إسرائيلي أن الموردين الروس "يقدمون وثائق تفيد بأن الحبوب قادمة من سيبيريا"، مضيفًا أنه "لا توجد وسيلة للتحقق من صحة هذه الادعاءات"، وأن الشكوك بدأت فقط بعد تحذيرات رسمية من السفارة الأوكرانية.
من جانبها، اكتفت وزارة الخارجية الإسرائيلية بالقول إنها "نقلت ردودها إلى الجانب الأوكراني عبر القنوات الدبلوماسية"، دون توضيح ما إذا كانت ستتخذ إجراءات لمنع دخول شحنات مماثلة مستقبلًا