مهرجان برلين السينمائي الدولي يواجه أزمة بسبب حرب غزة
برلين: أعلنت الكاتبة الهندية الحائزة العديد من الجوائز أرونداتي روي يوم الجمعة انسحابها من مهرجان برلين السينمائي الدولي بسبب تعليقات رئيس لجنة التحكيم فيم فيندرز التي قال فيها إن السينما يجب أن “تبقى بعيدة عن السياسة” عندما سُئل عن غزة.
وقالت روي في بيان أرسلته إلى وكالة فرانس برس إنها “صُدمت واشمأزت” من إجابات فيندرز وأعضاء آخرين في لجنة التحكيم على سؤال حول القطاع الفلسطيني في مؤتمر صحافي يوم الخميس.
وأُعلنت روي التي فازت روايتها “ذي غود أوف سمال ثينغز” بجائزة بوكر عام 1997، ضيفة في المهرجان لتقديم نسخة مرممة من فيلم “إن ويتش آني غيفز إت ذوز وانز” لعام 1989 الذي أدت دور البطولة فيه وكتبت السيناريو الخاص به.
لكنها قالت إن التصريحات “غير المعقولة” التي أدلى بها فيندرز وأعضاء آخرون في لجنة التحكيم دفعتها إلى إعادة النظر في الأمر “مع أسف عميق”.
فعندما سُئل فيندرز عن دعم ألمانيا لإسرائيل في مؤتمر صحافي يوم الخميس قال، “يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة”، واصفا صناع الأفلام بأنهم “الثقل الموازن للسياسة”.
وقالت المنتجة البولندية إيفا بوشتشينسكا، وهي عضو في لجنة التحكيم “من غير العدل بعض الشيء” التوقع من هيئة المحلفين اتخاذ موقف مباشر بشأن هذه القضية.
وقالت روي في بيانها إن “سماعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر مستغرب”.
وتابعت “ما حدث في غزة، وما زال يحدث هناك، هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني ترتكبها دولة إسرائيل (…) إذا لم يستطع أعظم المخرجين والفنانين في عصرنا أن يقفوا ويقولوا ذلك، فليعلموا أن التاريخ سيحاسبهم”.
وتُعد روي من أشهر المؤلفين الأحياء في الهند، وهي منتقدة لحكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، كما أنها داعمة قوية للقضية الفلسطينية.
كما أكد مهرجان برلين السينمائي الدولي سحب نسختين مرممتين من فيلمي “أغنية توحة الحزينة” للمخرجة المصرية الراحلة عطيات الأبنودي و”انتزاع الكهرمان” للمخرج السوداني الراحل حسين شريف.
وأوضح “سيماتيك – مركز الفيلم البديل” في القاهرة، و”عائلتا” المخرجَين في بيان مشترك على فيسبوك، أن هذا القرار “جاء استجابة للدعوة التي وجهتها "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" لصناع السينما بمقاطعة المهرجان”.
وردا على سؤال لوكالة فرانس برس عن تلك الانسحابات، قالت إدارة المهرجان مساء يوم الجمعة إنها “تحترم هذه القرارات” و”تأسف لعدم مشاركتها (الأفلام)، لأن وجودها كان سيثري … المهرجان”.
وهذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المهرجان جدلا بسبب حرب غزة.
فعام 2024، ذهبت جائزة الفيلم الوثائقي للمهرجان إلى فيلم “لا أرض أخرى” الذي يتناول تهجير إسرائيل المجتمعات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
وانتقد مسؤولون حكوميون ألمان تصريحات “أحادية الجانب” حول غزة أدلى بها مخرجو ذلك الفيلم وآخرون في احتفال توزيع الجوائز في ذلك العام.
خلافات في الصحافة الألمانية
وانقسمت صحافة الألمانية بين تيار يحذر من خسارة ألمانيا لمكانتها الثقافية العالمية، وتيار سياسي وإعلامي يضغط لفرض قيود صارمة على الخطاب السياسي داخل المؤسسات الممولة من الدولة.
صحيفة "دير شبيغل"
ركزت الصحيفة على أن المهرجان لم يعد "مكاناً آمناً للحوار" كما كان يدّعي، مشيرة إلى أن ألمانيا بدأت تفقد قوتها الناعمة في الأوساط الثقافية الدولية بسبب "المعايير المزدوجة". ونشرت تقارير تتحدث عن شعور متزايد لدى الفنانين الدوليين بعدم الراحة في برلين نتيجة الرقابة الضمنية.
شبكة " DW" الألمانية: "بين الفن والسياسة"
تناولت الشبكة الرسمية الجدل الدائر حول تصريحات "فيم فيندرز"، حيث تساءلت في مقال تحليلي: "هل يجب على المهرجان حقاً الابتعاد عن السياسة؟". وأشارت إلى أن محاولة المهرجان الوقوف على الحياد أدت لنتيجة عكسية، حيث تعرض لهجوم من كلا الطرفين: المتضامنين مع غزة الذين اتهموه بالصمت، والسياسيين الذين اتهموه بالسماح بـ "خطاب أحادي الجانب".
صحيفة "تاغس تسايتونغ"
الصحيفة اليسارية كانت أكثر انتقاداً لإدارة المهرجان، حيث وصفت انسحاب أرونداتي روي والمخرجين العرب بأنه "خسارة ثقافية لا يمكن تعويضها". واعتبرت أن صمت لجان التحكيم يساهم في عزل ألمانيا ثقافياً عن "الجنوب العالمي".
صحيفة "فرانكفورت"
في المقابل، تبنت بعض الصحف المحافظة نبرة تدافع عن ضرورة التزام الفنانين بالسياق الألماني تجاه إسرائيل، وانتقدت تحويل المهرجان إلى "منصة للنشاط السياسي" بدلاً من التقييم الفني الخالص، معتبرة أن بعض الشعارات التي رُفعت قد تقع تحت طائلة القوانين الألمانية المتعلقة بـ "معاداة السامية".
صحيفة "بيلد"
وصفت الصحيفة الشعبية الأكثر انتشاراً ما حدث بأنه "فضيحة"، لكن من زاوية مختلفة، حيث هاجمت المهرجان لسماحه بظهور الكوفية على المنصة وبث "رسائل معادية"، مطالبة وزيرة الثقافة "كلاوديا روث" بمحاسبة المسؤولين عن تنظيم المهرجان.
وأسفرت الحرب الإسرائيلية على غزة عن مقتل 71 ألف شخص على الأقل، وفقا للصحة في القطاع، والتي تعتبر الأمم المتحدة أرقامها موثوقة.