الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاثنين 17/8/2026 العدد 1688
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس 17/8/2026
إسرائيل تتصلب في المفاوضات وتساعد حزب الله على عرقلة الحل في لبنان
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
يركز الجنرال جوزيف كليرفيلد حاليا جهوده على اجراء المزيد من المحادثات. وما زال من الصعب التحدث عن نتائج عملية يمكن أن يقدمها هذا الشخص الذي يترأس آلية التنسيق والرقابة على وقف اطلاق النار بين اسرائيل ولبنان، والتي يمكن ان تساهم في دفع المفاوضات قدما بين الطرفين. وصل كليرفيلد الى بيروت في يوم الاربعاء الماضي بعد زيارة في اسرائيل، والتقى مع الرئيس اللبناني جوزيف عون وقائد الجيش اللبناني رودلف هيكل. وقد عاد الى تل ابيب في نفس اليوم، ومن هناك عاد الى بيروت في يوم الجمعة لعقد عدة لقاءات مع رئيس الوزراء نواف سلام ورئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري.
تتحدث التقارير في لبنان في اعقاب هذه اللقاءات عن اجواء ايجابية، و”تفهم الولايات المتحدة لطلبات لبنان” و”تقديرها لجهود الجيش اللبناني”. مع ذلك لم يتم تحديد حتى الان موعد لجولة محادثات بين الوفود السياسية والعسكرية من اسرائيل ومن لبنان. ولا يوجد اتفاق حول المناطق التي سينسحب منها الجيش الاسرائيلي ويسمح للجيش اللبناني بالانتشار فيها. ايضا لم يحسم بعد امر الدول المشاركة في الهيئة المكلفة بفحص وتاكيد قيام الجيش اللبناني بدوره في تطهير “المناطق التجريبية” من حزب الله.
وقال محلل لبناني لـ “هآرتس” في نهاية الاسبوع الماضي بان الشعور السائد في بيروت هو ان اسرائيل والولايات المتحدة تحاولان “كسب الوقت” حتى موعد الانتخابات في الدولتين. وقد قال “لا تشير التصريحات العلنية لاسرائيل الى نيتها بالانسحاب من لبنان، سواء جزئيا أو كليا، فالهجمات والاغتيالات لقادة حزب الله مستمرة وكأنه لا يوجد وقف لاطلاق النار؛ والولايات المتحدة نفسها تقدم الدعم لاسرائيل في هذه الاعمال، الامر الذي يقوض قدرة الحكومة اللبنانية على احراز تقدم في العملية. ان عدم الثقة بجدية الولايات المتحدة بدأ يزداد. ويبدو الان فجأة انه يوجد لواشنطن متسع من الوقت”.
وقد برزت ادعاءات رئيسية في المحادثات بين كليرفيلد ومحاوريه في لبنان. أولها هو ان اسرائيل تخرق وقف اطلاق النار بشكل منهجي، ولا تقدم لحكومة لبنان خطة عمل مع جدول زمني تساعدها في حملتها الداخلية ضد حزب الله. وثانيا، بدلا من الانسحاب توسع اسرائيل “الخط الاصفر”، ويستمر التدمير الممنهج للقرى بدون هوادة. ان اقامة شبكة طرق سريعة وقواعد ثابتة تشير الى نية تنفيذ تصريحات وزير الدفاع اسرائيل كاتس حول البقاء في لبنان لفترة طويلة، ويتم تفسير استمرار اغتيال قادة حزب الله في لبنان بانه نية لتجديد الحرب الشاملة ضد الحزب.
تجد حكومة لبنان، التي بادرت الى العملية الدبلوماسية، نفسها الان عالقة بين الاعتبارات السياسية لاسرائيل وللولايات المتحدة، وانتقادات داخلية لضعفها في المفاوضات. يأتي هذا بعد ان تبنت اسرائيل “احتكار الدولة للسلاح” كمبدأ استراتيجي. واعلنت عن نيتها انهاء الحرب مع اسرائيل وبعد ذلك التوصل الى اتفاق سلام وجردت حزب الله من مكانته كـ “درع لبنان” .
كان من المفروض ان تشكل ساحة لبنان، الى جانب قضية الحرب، طريق التفافي للنفوذ الايراني. من شأن ذلك ان يقطع الصلة بين الساحات ويقوض سيطرة طهران على اهم وكلائها، ويحول حزب الله الى منظمة تجبر على الاختيار بين ان تصبح منظمة سياسية أو ترسخ نفسها كمنظمة معادية للدولة. وبالتالي، تعتبر الحرب ضدها مشروعة. في البداية، رغم موقف اسرائيل، لم تعتبر واشنطن لبنان جبهة مستقلة فقط، حيث يمكن للرئيس ان يسجل اول انجاز دبلوماسي له، بل ايضا (وربما بشكل اساسي) ورقة مساومة سياسية في المفاوضات مع ايران. مع ذلك، عند ازدياد تعقد الحملة في الخليج في ظل غياب حل واضح لفتح مضيق هرمز، وتكثيف الفرع الايراني في العراق لنشاطاته، واستمرار الحوثيين في فرض حصار فعلي على الملاحة في البحر الاحمر، فانه يبدو ان ثقل لبنان كحاجز امام ايران يتضاءل في نظر الادارة الامريكية.
في الاسبوع الماضي صرح محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الايراني ورئيس وفد التفاوض، بانه “على اتصال مباشر مع حزب الله، بما في ذلك محادثات شخصية مع القادة والمقاتلين في خط المواجهة”. واشار الى انه “يعرف شخصيا كل شاب في خط المواجهة، وأنهم لن يكسروا خط المقاومة”. وفي تصريحات اخرى اكدت ايران على ان الجبهة في لبنان ما زالت جزءا من الشروط التي تطرحها لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. وحسب تقارير اعلامية عربية تحاول طهران ايضا تحويل الاموال للحزب عبر شبكة من مكاتب الصرافة تتجاوز الانظمة المصرفية، أو عبر تحويلات نقدية. وغير معروف اذا كانت ايران قد نجحت في تحويل الاموال للحزب أو حجمها، لكن التقارير الواردة من لبنان تشير الى ان الحزب يواجه صعوبة في دفع رواتب موظفيه المدنيين. ايضا التزامه بتعويض السكان الذين تضررت بيوتهم بسبب القصف الاسرائيلي واعادة تاهيلها، أو على الاقل دفع رسوم الايجار لهم، لم ينفذ. وفي هذه المرحلة رغم تهديد الامين العام نعيم القاسم، الا انه يواصل العمل بصورة محدودة، ويبدو ان قدرته على شن حملة واسعة النطاق محدودة.
قال مسؤول في معهد ابحاث في لبنان، طلب عدم كشف اسمه، لصحيفة “هآرتس” ان مساعي الحزب حاليا تهدف الى تقويض شرعية تحركات الحكومة، وتصويرها كخائنة للمصالح الوطنية وخاضعة لاملاءات اسرائيل والولايات المتحدة وعاجزة عن مواجهة التحدي الايراني. وقد تجلى هذا المسعى في الخلاف الحاد الذي نشب في الاسبوع الماضي بين وزير الدفاع اللبناني ورئيس الوزراء سلام حول مناقشة قانون العفو الذي اقره البرلمان. لقد عارض وزير الدفاع عدة بنود في القانون الذي يمنح العفو للارهابيين الذين قتلوا جنود لبنانيين، وطلب عرض موقف الجيش في البرلمان. ولكن رئيس الوزراء سلام منعه من المثول في البرلمان بحجة انه لا يجوز عرض موقف الجيش أو موقف وزير الدفاع بشكل منفصل عن موقف الحكومة.
اتخذ الخلاف العلني منحى طائفي، حيث تم الزعم بان سلام، السني، يدعم المسلمين السنة ولا يسمح لوزير الدفاع، المسيحي، بعرض موقف مختلف. وقد ادى ذلك الى توجيه اتهامات لرئيس الوزراء من قبل ممثلي حزب الله الذين غابوا عن جلسة البرلمان. وقالوا ان من يطلق سراح سجناء قتلوا جنود من الجيش اللبناني لا يحق له مطالبة الجيش بالعمل ضد حزب الله. ان مسالة ولاء الجنود الشيعة في حالة اجبارهم على مواجهة حزب الله مسألة حساسة جدا، ولا يتردد حزب الله في استغلال هذا التوتر وتاجيجه كتهديد يعرقل خطة نزع سلاحه. في مواجهة هذا التهديد ستسعى حكومة لبنان الى اقناع امريكا بالموافقة على عملية نزع سلاح بالتدريج، وفي خضم ذلك توسيع انسحاب اسرائيل من المناطق التي يتوقع ان يكون فيها الصراع المباشر محدود. مع ذلك، بسبب تصميم اسرائيل على ان يكون أي انسحاب مشروط بنزع سلاح حزب فانه مشكوك فيه التوصل الى اتفاق في المستقبل المنظور يؤدي الى انعطافة. ويبقى السؤال المطروح هو ما هو نطاق المرونة الذي سيمنحه ترامب للبنان، وما الذي سيمليه على اسرائيل – وما اذا كان الرئيس سيوافق على قبول صيغة مرنة بروحية الاتفاقيات التي تم التوصل اليها لنزع سلاح حماس في غزة، أو العملية التي تقوم بها حكومة العراق حاليا مع المليشيات، الامر الذي يسمح لحكومة لبنان بتنفيذ الاجزاء الاخرى في اتفاق الاطار.
------------------------------------------
معاريف 17/8/2026
ترامب يسعى لاستكمال التسويات ولبنان احدى الحلقات في خطوة إقليمية كبيرة
بقلم: آنا برسكي
وفر الحدث الشاذ في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع تذكيرا لما من شأنه ان يشوش الخطط الامريكية في المنطقة. فقد أصيب ثلاثة من مقاتلي الجيش الإسرائيلي بجراح خطيرة في هجوم لحزب الله، إسرائيل ردت بقوة، 11 لبناني قتلوا، بينهم مدنيون، وفي غضون ساعات اضطرت واشنطن لان تتصدى مرة أخرى للمسألة التي ترافق الاتصالات بين إسرائيل ولبنان: كيف نتقدم الى تسوية، فيما انه لا يزال تجري في الميدان حرب بقوى منخفضة.
قبل الامريكيون التفسير الإسرائيلي للرد، لكن في القدس يعرفون بان ليس في ذلك شيك مفتوح لما سيأتي. فحقيقة أن مكتب رئيس الوزراء سارع لان ينشر بالانجليزية أمر إصابة الجنود في اثناء السبت حتى قبل بلاغ الجيش الإسرائيلي في الموضوع، شهدت كم كان المكتب قلقا من رد فعل واشنطن على القتلى اللبنانيين. البلاغ بالعبرية لم ينشر الا مع خروج السبت. تسلسل الاحداث هذا لم يكن صدفة. ففي الساعات التي تعرضت فيها إسرائيل للنقد على قتل المدنيين، كان ملحا لنتنياهو ان تصل الرواية الإسرائيلية قبل كل شيء الى البيت الأبيض. بعد وقت قصير من ذلك تبنى سفير الولايات المتحدة مايك هاكابي التفسير الإسرائيلي.
يريد الرئيس ترامب نزع سلاح حزب الله وتعزيز حكومة لبنان بقدر لا يقل عن نتنياهو. الخلاف بينهما هو على الطريق وعلى تسلسل الاعمال. من ناحية إسرائيل فان تسوية لا تمنع حزب الله من العودة الى المنطقة هي وصفة للجولة التالية. بعد 7 أكتوبر من الصعب اقناع الجمهور الإسرائيلي بقبول وعود عن قوة محلية تدخل الى المنطقة رقابة دولية وتعهد منظمة مسلحة بالابتعاد عن الحدود. نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس يطالبان بان يكون تجريد السلاح مثبتا، ان يحكم الجيش الإسرائيلي بالفعل والا يتخلى الجيش الإسرائيلي عن قدرة العمل قبل أن يتبين بان النموذج ينجح.
اتخذ كاتس الأسبوع الماضي خطوة إضافية. ففي جولة الى مواقع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان اعلن بانه أمر الجيش بان يستعد لـ “تواجد طويل المدى” في المنطقة. وكان الرد الأمريكي شاذا في وضوحه: “تواجد عسكري إسرائيلي دائم في جنوب لبنان لا ينسجم والتعهدات التي في الاتفاق”. من خلف تبادل الاقاويل يختبىء خلاف جوهري على تسلسل الاعمال. إسرائيل تطالب بان ينشأ تقدم الانسحاب عن نجاح التجريد، بينما يرى الامريكيون الانسحاب جزء من مسيرة يفترض ان تسمح بالتجريد.
في واشنطن ينظرون الى الخريطة ذاتها ويرون مشكلة مختلفة. ترامب يريد أن يترجم الإنجازات العسكرية الى سياسية. في لبنان يوجد منذ الان اتفاق اطار: نزع سلاح حزب الله، نشر الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيلي تدريجي. بعد سبع جولات من المحادثات بوساطة أمريكية وجولة أخرى مخطط لها لبداية أيلول في روما، يريد الامريكيون أن يروا تنفيذا. مناطق التجربة مخصصة بالضبط لذلك – الفحص اذا كان الجيش اللبناني قادرا على أن يسيطر على المنطقة التي اخلاها الجيش الإسرائيلي. يفكك البنى التحتية العسكرية ولا يسمح لحزب الله بالعودة.
السياسة الداخلية الإسرائيلية هي جزء من المعادلة السياسية. تبقى لإسرائيل اقل من شهرين ونصف حتى الانتخابات. نتنياهو لا يمكنه ان يسمح لنفسه بان يظهر كمن يسلم ارضا على أساس تعهدات لبنانية فقط. من ناحيته، صورة دبابات إسرائيلية تخرج من جنوب لبنان قبل ان يكون ممكنا عرض تجريد حقيقي لحزب الله من السلاح، هي مادة سياسية متفجرة. أما ترامب فيصل الى هذه المسألة مع مصلحة أخرى. هو يسعى لان يستكمل التسويات ولبنان هو من ناحيته احدى الحلقات في خطوة إقليمية اكبر بكثير.
في قائمة اهداف ترامب يوجد أيضا الدفع قدما للخطة في غزة، اتفاق امني بين إسرائيل وسوريا، اخراج الازمة مع ايران من الجمود الحالي، وفوق كل هذا محاولة الوصول الى اتفاق تاريخي بين إسرائيل والسعودية. في البيت الأبيض يفهمون بان الانتخابات في إسرائيل من شأنها أن تجمد كل هذه المسارات. التخوف ليس نظريا. فرجال ترامب يذكرون جيدا الازمة السياسية في إسرائيل في 2019، التي أدت الى ثلاث حملات انتخابية متواصلة والى سنة ضائعة من الناحية الدبلوماسية الإقليمية. هذه الذاكرة ملموسة على نحو خاص لدى ترامب. في ولايته الأولى تأجلت خطته للسلام المرة تلو الأخرى على خلفية المتاهة السياسية في إسرائيل. هذه المرة لا توجد في واشنطن نية للسماح للسياسة الإسرائيلية بان توقف مرة أخرى جدول أعمال الرئيس.
ينشأ الموقف الأمريكي من نتنياهو في الفترة الأخيرة بقدر كبير عن التمييز بين احتياجات حملته الانتخابية وبين قراراته بالفعل. فبعد أن رفض نتنياهو علنا خطة مجلس السلام لتجريد حماس، فسر الامريكيون الامر بقدر كبير بالسياسة في فترة الانتخابات. والرسالة التي نقلت اليه كانت عملية اكثر بكثير. في واشنطن مستعدون لان يحتووا جزءا من الخطاب طالما كانت إسرائيل تلجم الهجمات وتسمح للمسيرة بالتقدم. وبالفعل، بعد حديث مع جاريد كوشنر وعد نتنياهو باعطاء الخطة فرصة وتقليص الاعمال في غزة.
لكن مجال الصبر هذا ليس غير محدود. في لبنان، في الضفة وفي سوريا تراكمت في الأيام الأخيرة احداث وتصريحات أحدثت انعدام راحة حتى لمحافل في الإدارة تعتبر قريبة جدا من إسرائيل. هاكابي، صديق معلن لمشروع الاستيطان، اضطر لان يتطرق لعنف المستوطنين في قصرة وللمعالجة الإسرائيلية له. بالتوازي، في واشنطن لم يستطيبوا سلسلة التصريحات في إسرائيل ضد الرئيس السوري احمد الشرع، الذي استثمر فيه ترامب مالا سياسيا. كل هذه الازمات تتراكم الى طلب واحد من الرئيس الأمريكي: لا تعرقلوا الخطوات التي يحاول هو الدفع بها قدما في المنطقة. وهكذا فان الفجوة في الجداول الزمنية هي فجوة سياسية داخلية أيضا. انسحاب اول، نقل منطقة للجيش اللبناني وبدء المشروع التجريبي كله كفيل بان يسجل في واشنطن كتقدم سياسي، وفي إسرائيل ان يستخدمه من يدعي بان نتنياهو انسحب في وقت مبكر اكثر مما ينبغي. إصرار إسرائيل للبقاء في المنطقة حتى التجريد الكامل سيخدم ادعاء التصميم لدى نتنياهو، لكن من شأنه ان يعتبر في البيت الأبيض كتأخير للاتفاق.
في بيروت أيضا توجد ساعة خاصة بها. الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام اخذا مخاطرة سياسية إذ وافقوا على التقدم في مسيرة هدفها استعادة الدولة للاحتكار على السلاح. لكن من الصعب عليهما أن يفككا حزب الله حين يواصل الجيش الإسرائيلي الاستيلاء على ارض لبنانية والهجوم في الدولة. كل هجوم يقتل فيه مدنيون يعزز ادعاء حزب الله: لماذا نسلم السلاح فيما لا تزال إسرائيل تهاجم؟
يفهم حزب الله جيدا هذا التناقض ويحاول استغلاله. من ناحيته، تسوية ينزع فيها سلاحه قبل انسحاب إسرائيلي هو هزيمة. ولهذا فهو يطلب قلب تسلسل الاعمال: بداية تخرج إسرائيل، بعدها يكون ممكنا الحديث عن السلاح. ايران، التي فقدت في السنوات الأخيرة جزء هاما من روافع القوة الإقليمية لديها غير معنية بالتنازل بسهولة عن الذخر اللبناني الوحيد، المتبقي لها في المنطقة. من ناحية طهران، فان تفكيك حزب الله سيمس بآلية الردع التي بنتها حيال إسرائيل على مدى عشرات السنين.
يعقد الوضع السياسي لنتنياهو الحساب الأمريكي اكثر فأكثر. ائتلافه الحالي يوجد بعيدا عن 61 مقعدا يحتاج لاقامة حكومة. من ناحيته، فان منع الأغلبية عن المعسكر الخصم كفيل هو الاخر ان يكفي. اذا لم ينجح احد في تشكيل حكومة، فانه سيبقى في منصب رئيس حكومة انتقالية حتى انتخابات أخرى. هذه الامكانية تقلق واشنطن على نحو خاص لان معناها اشهر أخرى من شأنها ان تجعل جدول الاعمال الاقليمين لترامب ينتظر السياسة الإسرائيلية.
لدى ترامب رافعة سياسية شخصية على نتنياهو. حتى الان امتنع عن منحه التأييد السياسي في الانتخابات، التأييد الذي امل به رئيس الوزراء. عندما التقيا في البيت ابيض قبل نحو أسبوعين، سأله ترامب مباشرة عن وضعه في الاستطلاعات. نتنياهو تلبث، وواحد من مستشاريه سارع لان يجيب الرئيس بانه “منتصر”. لكن المعطيات تروي رواية أخرى. في أربع فرص مختلفة في الأسابيع الأخيرة سئل ترامب اذا كان يؤيد نتنياهو، وفيها جميعها تملص من الاعراب عن تأييد صريح.
لهذا الامتناع يوجد معنى آخر بسبب التاريخ بين الرجلين. فقد سبق لترامب بان اثبت في الماضي بانه يعرف كيف يتدخل في حملة انتخابات إسرائيلية. قبل أيام من انتخابات نيسان 2019 اعترف بسيادة إسرائيل في الجولان، الخطوة التي هو نفسه تباهى بها لاحقا بانها ساعدت نتنياهو. اما هذه المرة، حاليا على الأقل، فهو يبقي هذه الورقة لديه.
المعارضة هي الأخرى تفهم قيمة هذه الورقة. فمحافل في محيط جادي آيزنكوت، نفتالي بينيت ويائير لبيد نقلت في الأشهر الأخيرة رسائل لرجال ترامب وطلبت منه أن يبقى حياديا في الانتخابات. ويدل هذا العمل على أي قدر اصبح فيه موقف ترامب عنصرا في حملة الانتخابات الإسرائيلية، حتى قبل ان يقرر اذا كان سيتدخل فيها.
لم تنقطع العلاقات الشخصية بين ترامب ونتنياهو. وحسب مسؤولين أمريكيين كبار، يستطيب ترامب نتنياهو. لكنه محبط اكثر فاكثر من قراراته. ومؤخرا اقتبس عنه في احاديث خاصة يقول ان نتنياهو هو “العدو الأكبر لنفسه”. بالتوازي، لترامب أيضا قيد سياسي خاص به: تدخل عنيف اكثر مما ينبغي في الانتخابات في إسرائيل من شأنه أن يمس بمكانته في أوساط جمهور منحه في الماضي تأييدا شبه تلقائي.
لبنان ليس الساحة الوحيدة التي تفحص فيها هذه الفجوة. في غزة يسعى البيت الأبيض لان يدفع قدما بخطة مجلس السلام؛ في سوريا تستثمر واشنطن في الرئيس احمد الشرع وفي إسرائيل تسمع ضده تصريحات حادة؛ وفوق ايران لا يزال يحوم السؤال هل ستنتهي الازمة في اتفاق ام في جولة أخرى. كوشنر، نيكولاي ملدنوف وطوني بلير يصلون هذا الأسبوع الى المنطقة كي يدفعوا قدما بالخطوة في غزة. من ناحيتهم ستكون هذه المسألة الأولى في جدول الاعمال حيال نتنياهو. عمل إسرائيل في واحدة من هذه الساحات من شأنه أن يعقد خطوة أمريكية في أخرى.
البلدتان في جنوب لبنان ستكونان الاختبار العملي الأول لهذه الفجوة. اذا دخل الجيش اللبناني الى المناطق التجريبية ففكك بنى تحتية لحزب الله وتأكد الامر بشكل يمكن إسرائيل من الثقة به، فان النتيجة ستخدم الزعيمين: ترامب يمكنه أن يعرض تقدما في التسوية ونتنياهو يمكنه أن يدعي بان الانسحاب لم ينفذ الا بعد ان التزم الطرف الاخر بالشروط. فشل المشروع التجريبي سيعزز الادعاء الإسرائيلي بان الحذر كان مبررا.
------------------------------------------
معاريف 17/8/2026
السياسة العسكرية في غزة ولبنان
بقلم: افي اشكنازي
في الولايات المتحدة يرون في هذه اللحظة بايران ساحة القتال المركزية. – وهم يحتاجون الان الى الهدوء في جناحي غزة ولبنان. وعليه فان الرئيس دونالد ترامب يقوم بعدة اعمال بالتوازي: يمارس الضغط واللجم على إسرائيل في الساحتين – ويرسل الى المنطقة الوسيطين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف بهدف الدفع قدما بخطوات دبلوماسية في غزة وفي لبنان.
توجد إسرائيل هنا في فترة انتظار وتصميم المجال. هذه فترة معقدة على نحو خاص للمنظومة العسكرية. من جهة الجيش الإسرائيلي ملتزم بحماية رجاله الى جانب حماية الإنجازات العسكرية التي حققها في نحو ثلاث سنوات من القتال. من الجانب الاخر هو مطالب بان يحمي مستوى اللهيب، مستوى لا يدهور المنطقة الى القتال. مثل هذا الوضع من شأنه يجر الأمريكيين الى العمل ضد إسرائيل في الساحة الدبلوماسية، بل وحتى الى اكثر من ذلك – حظر سلاح او أمور مشابهة.
هذا هو السبب الذي جعل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يطلب من المنظومة العسكرية ان يأذن المستوى السياسي في هذا الوقت بكل تصفية في غزة وكل عمل خلف الخط الأصفر. والتحفظ الذي قرره رئيس الوزراء هو أنه في حالة خطر فوري على جنود الجيش الإسرائيلي أو على بلدات غلاف غزة – يوجد لقوات الجيش الإسرائيلي الاذن بالعمل لإزالة التهديد.
في الأيام الأخيرة اذن المستوى السياسي بأربع تصفيات مبادر اليها من الجو لمخربين في قطاع غزة. وحسب الجيش الإسرائيلي، كل واحد منهم عمل على مخططات إرهاب. في الجيش وفي الشباك يشرحون بان التقنين هو في هذه اللحظة المفتاح لمنع تدهور الوضع في غزة. في إسرائيل لا يؤمنون حقا بان حماس والجهاد سينزعان سلاحهم، لكنهم لا يريدون أيضا ان يظهروا كمن حطموا أداة المفاوضات.
في لبنان الوضع اكثر تعقيدا. الجيش الإسرائيلي يوشك على أن يهزم قوات حزب الله في تلال علي طاهر. يدور الحديث عن خط الدفاع المركزي الأهم لحزب الله في جنوب لبنان. تفهم منظمة الإرهاب جيدا ما هو معنى استيلاء إسرائيل على هذه المنطقة – الطريق الى البقاع اللبناني، الى بيروت ومن غربها الى خط الشاطئ يكون شبه مفتوح بشكل كامل امام قوات الجيش الإسرائيلي اذا ما تقرر في المستقبل تعميق المناورة.
حزب الله وحماس يفهمان جيدا وضعهما العسكري ويحاولان تحدي الجيش الإسرائيلي. في ليل الجمعة كانت هذه الحوامة المتفجرة التي اصابت القوة من وحدة يهلوم من سلاح الهندسة القتالية وتسببت بالاصابة الشديدة لضابط ومقاتلين اثنين. يوم السبت كانت هذه عبوة ناسفة شديدة الانفجار هي التي استخدمت ضد دبابة للجيش الإسرائيلي في جنوب القطاع. في الساحتين يبلغ المقاتلون عن بضع حوادث كبيرة على أساس يومي. هدف حماس وحزب الله هو جر الجيش الإسرائيلي الى القتال بقوى عالية. أي التسبب له بـ “تحطيم الأدوات”. الواقع المعقد يتطلب من الجيش الإسرائيلي أن يدير قتالا بقوى تحافظ من جهة على سلامة المقاتلين وتحافظ على إنجازات إسرائيل. لكن من الجانب الاخر لا يرفع مستوى اللهيب مما هو كفيل بإخراج الخطوة الدبلوماسية من اللعب.
------------------------------------------
يديعوت أحرونوت 17/8/2026
هكذا أصبحت سوريا معضلة استراتيجية لإسرائيل
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب
في أعقاب المعلومات الغامضة – حيث لم يتضح من هم الأطراف المعنية، ومتى عُقدت المحادثات، وعلى أي مستوى وفي أي سياق، ومدى جديتها (مما أجبر الرأي العام على قبول المعلومات كـ”حقيقة”) – نشأت تكهنات محمومة: ففيما يتعلق بالدولة المُشيرة، دار نقاش حول ان تكون هذه السعودية ام مصر ام تركيا، أما فيما يتعلق بالدولة “المُشورة، فقد كان هناك إجماع: سوريا.
في الواقع، تُعدّ سوريا، بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، لغزًا يُشكّل معضلة استراتيجية لإسرائيل. فالزعيم ذو الجذور الجهادية، الذي سيطر على دمشق في كانون الأول 2024، منهيًا بذلك أكثر من نصف قرن من الحكم العلوي، يجعل من الصعب تحديد نفسه كعدو واضح يُوصى بمحاربته. سرعان ما تخلى الشرع عن زيه التقليدي ولباسه العسكري، وارتدى بدلة وربطة عنق، وتصرف في الغالب عكس ما يُتوقع من جهادي يستولي على السلطة، كما كان الحال، على سبيل المثال، في إيران وغزة: فهو يتحدث بلغة معتدلة، وأصبح شخصية مقبولة بل وشعبية في المجتمع الدولي، وخاصة في العالم العربي، الذي يراه وسيلة فعالة للحد من نفوذ إيران في المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها بعد عقدين مضطربين، ويرحب بعودة دمشق إلى كنف العالم السني.
ومن بين المعجبين، يبرز ترامب، الذي يُشيد بالشرع ويعمل على إزالة سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب. انعكس نهج الشرع الأكثر ليونة هذا الأسبوع في الاتفاق الذي أبرمه مع روسيا، حليفة الأسد والعدوّ اللدود للمعارضة السورية في عهده، على استمرار وجود عسكري، وإن كان محدودًا، في عدة مواقع بالبلاد، فضلًا عن تسليم مكونات من البرنامج النووي السوري – الذي دُمّر معظمه في هجوم إسرائيلي عام 2007 – إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة.
ويُظهر الشرع نهجًا حذرًا ومدروسًا في لبنان أيضًا، حيث يواجه ضغوطًا شديدة من ترامب لغزو البلاد ومواجهة حزب الله والمساعدة في “إرساء النظام” كبديل للحرب التي تشنها إسرائيل. وقد أوضح الشرع مرارًا وتكرارًا تقديره الكبير للرئيس الأمريكي، لكنه لا ينوي غزو لبنان، بل فاجأ الجميع بتصريحه أنه لا يستبعد إجراء حوار على طاولة واحدة مع حزب الله، العدو اللدود للمعارضة السورية منذ عهد الأسد. وفي الأيام الأخيرة، أرسل مستشاره فرح الأتاسي إلى بيروت. تُحاول عائلة الأتااسي، من خلال هذه الخطوة، إيصال رسالة إلى رؤساء الحكومة في لبنان مفادها “مد اليد وصفر مشاكل”.
وفي الداخل يسعى الشرع أيضًا إلى إظهار نهج أكثر ليونة، إلا أن هذا النهج محفوف بالعقبات في ظل التحديات الصعبة، ولا سيما التوتر مع الأقليات، التي كان بعضها يدعم نظام الأسد، وفي ظل وجود عناصر متطرفة داخل صفوفها تُحرض أحيانًا على أعمال عنف، مثل المجازر التي ارتُكبت العام الماضي ضد الدروز والعلويين والأكراد.
وفي الوقت نفسه، تستمر حملة تطهير فلول نظام الأسد، كما تجلى هذا الأسبوع في أحكام الإعدام الصادرة بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر (الموجودين في روسيا)، وعاطف نجيب. ونجيب هو أحد أقارب الرئيس السوري السابق وشقيقه، ومسؤول سابق رفيع المستوى في إدارة الأمن السياسي، مسجون في دمشق، وكان مسؤولاً عن “المعاملة” الوحشية لمجموعة من الصبية في محافظة درعا الذين كتبوا شعارات مناهضة للأسد. في عام 2011، وقع حدثٌ يُعتبر الشرارة التي أشعلت فتيل الحرب الأهلية المريرة التي استمرت 13 عامًا.
***
وكما يذُكر، يسعى كثيرون في إسرائيل إلى ترسيخ صورة نظام الشرع كإرهابي آخر في الشرق الأوسط يمكن بل ويجب القضاء عليه، لكنهم يواجهون جدارًا دوليًا، كما حدث العام الماضي عندما حظرت واشنطن شنّ المزيد من الهجمات على المنشآت الحكومية في سوريا ردًا على اضطهاد نظام الشرع للدروز في جنوب البلاد. ويكمن جوهر المعضلة الحالية في الشريط الأمني الذي سيطرت عليه إسرائيل قرب هضبة الجولان مباشرةً بعد سقوط نظام الأسد، حيث لا توجد تطورات أمنية مضطربة (باستثناء التوغلات العشوائية لـ”رواد الباشان”)، لكن الضغوط الخارجية تتزايد – وخاصة الأمريكية – للانسحاب والمضي قدمًا في المفاوضات مع دمشق بشأن ترتيب أمني، يُعدّ بمثابة تجديد لاتفاقية فصل القوات لعام 1974 (بعد حرب أكتوبر).
تتفاقم المعضلة الإسرائيلية بتصريحات الشرع، كما في مقابلة أجراها مؤخراً مع قناة الجزيرة، حيث أعرب عن دعمه لاتفاق أمني يُمكن أن يُمهد الطريق لسلام شامل بين البلدين، لكنه يزعم أن هذا لن يتحقق على حساب مطلب دمشق بالسيادة على مرتفعات الجولان، وهو مطلب أساسي منذ عهد أسرة الأسد، والذي يلتزم به الرئيس الحالي أيضاً.
“إنّ التهجير من الجولان متأصل في هويتي، نظراً لأصول عائلتي في المنطقة”، هكذا يُوضح الشرع في مقابلة غير تقليدية مع قناة الجزيرة، حيث يسافر سيراً على الأقدام مع المذيع علي الظفيري من منزل طفولته في حي المزة بدمشق (“بيت ناصري، وليس إسلامياً على الإطلاق”)، إلى المدرسة الابتدائية التي درس فيها والمسجد الذي كان يُصلي فيه، حيث بدأ يتقبّل الأفكار الإسلامية التي دفعته للانضمام إلى الجهاد في العراق، ويلتقي خلالها بسكان المنطقة، ويُعانق الأطفال، ويلتقط صوراً تذكارية مع الشباب. ويضيف: “لطالما كان الحديث في منزلنا يدور حول الأرض التي فُقدت لعائلتي، التي هُجّرت من الجولان عام 1967، وحلم العودة إليها”. وقد أثارت قضية الجولان جدلاً حاداً في سوريا هذا الأسبوع، عقب إعلان الرئيس الكولومبي الجديد اعتراف بلاده بالسيادة الإسرائيلية في المنطقة، وهي خطوة قوبلت بانتقادات من مختلف أنحاء العالم العربي.
يمكن استخلاص النهج المعقد الذي يتبناه الشرع تجاه إسرائيل من الكتب المدرسية الجديدة المنشورة في سوريا. فإلى جانب العداء الشديد لإيران، يتبنى هؤلاء موقفًا سلبيًا تجاه إسرائيل. إلا أن ثمة اختلافًا عن عهد الأسد: إذ تُذكر إسرائيل بالاسم، ولا يُعرّف الهدف من المواجهة معها بأنه تقدم نحو زوالها، أو تعبير عن دعم القضية الفلسطينية، بل تحقيق وحدة الأراضي السورية.
وتُلاحظ رسائل مماثلة في الخطاب الإعلامي وبين رجال الدين في البلاد: فمع أن أحدًا لا يتحدث عن السلام أو التطبيع، إلا أن الكثيرين يؤيدون تعزيز نوع من التسوية بين البلدين، مع تركيز الانتقادات الرئيسية الموجهة لإسرائيل على استمرار سيطرتها على القطاع الأمني في الأراضي السورية، فضلًا عن الغارات التي يشنها الجيش الإسرائيلي بين الحين والآخر في مناطق خارجه.
***
يثير هذا التناقض بشأن الشرع نقاشًا حادًا بين خبراء الشأن السوري. وفي حوار يوم الثلاثاء، تُسلط الدكتورة كارميت فالنسي الضوء على التعقيد الذي يميز الحاكم السوري. بحسب قولها، يركز الشرع حاليًا على ترسيخ حكمه الهش، ولا يرغب في مواجهة إسرائيل. من الواضح له أنه سيكون في وضع غير مواتٍ تمامًا أمام إسرائيل، وأن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى نهايته. “من المهم تجنب النظرة الثنائية الجامدة لـ”إما حرب أو سلام”، وفهم أن هذا حاكم يُظهر بعض التقلبات، وأنه ربما يمكن التوصل إلى نوع من الترتيب الأمني معه. من البديهي أن إسرائيل مطالبة بالتصرف بوعي وحذر، ولكن ليس الجزم بأن هذا “فخ”. يمكن دراسة ترتيب قائم على انسحاب إسرائيل التدريجي من المنطقة المحتلة، شريطة تجريد جنوب سوريا من السلاح، ومشاركة أمريكية في أي ترتيب مستقبلي، وتقديم ضمانات جدية لحماية الدروز في سوريا، والحفاظ على حرية التصرف في مواجهة التهديدات الناشئة في البلاد.”
… من جهة أخرى، يحذر باحثون وشخصيات إعلامية من “مؤامرة” ويزعمون أن “الشرع أخطر من إيران وحزب الله”، نظراً لـ”القناع الخادع” الذي يرتديه. ويزعم البعض أن التهديد الذي يشكله أشد خطورة من التهديد الذي شكله نظام الأسد، لكونه نظاماً ذا طابع ديني.
ومن الجدير بالذكر أن بعض من يطرحون هذه الحجج أيدوا بحماس المفهوم الذي سبق فشل السابع من أكتوبر، وصدقوا تماماً وعود السنوار بشأن جديته في تعزيز التسوية في غزة، لكنهم يدعون الآن إلى تجنب أي اتفاق مع الشرع، ويقدمون عموماً الادعاءات الحالية على أنها “تصحيح رصين” لأخطاء الماضي، ونقيض لتصورات “السذج الذين لم يتعلموا شيئاً من السابع من أكتوبر”. في هذا السياق، وفي توقيت مثير للريبة هذا الأسبوع، انتشرت “تقارير” حول إعادة بناء سلاح الجو السوري، الذي دمرته إسرائيل بشكل كبير مع سقوط نظام الأسد، وزُعم أن هذه الخطوة تتم بدعم تركي قوي.
أثارت الدكتورة رضوى منصور انتقادًا أكثر جوهرية في حوارٍ هذا الأسبوع، قائلةً: “إن نظام الشرع جهادي، وفي أفضل الأحوال سيتحول إلى نظام إسلامي. لكل جهة في العالم تتحاور معه حاليًا مصلحة فيه، على سبيل المثال، عودة ملايين اللاجئين من أوروبا إلى سوريا، وتخطيط دول الخليج لقيادة إعادة إعمار سوريا وتحقيق مكاسب مالية هائلة، فضلًا عن تركيا التي ترى في سوريا عنصرًا أساسيًا في المحور السني الذي تسعى لقيادته في المنطقة. أما إسرائيل، فبإمكانها السعي قدر الإمكان إلى اتفاق أمني، يُمكّن نظام الشرع من بناء جيش حديث وقوي تحت مظلته. مع ذلك، فإن الانسحاب المتسرع من جنوب سوريا والتخلي عن الدروز قد يؤدي سريعًا إلى وجود تركي على الحدود الشمالية لإسرائيل، وإلى فقدان الثقة في المنطقة بأسرها، ولا سيما بين الدروز”.
***
تتشابه “التقارير” التي نُشرت الأسبوع الماضي تشابهاً كبيراً مع قضية صحيفة “بيلد” (الادعاءات المنسوبة إلى السنوار والتي تهدف إلى إظهار معارضته لصفقة الرهائن خلال الحرب)، وكذلك مع “تقارير” العام الماضي – معظمها من المصادر نفسها وبنفس الصياغة – بشأن نوايا مصر أو تركيا شنّ هجوم. كل هذا يُعزز الشعور بوجود مصلحة خفية تُغذي الخطاب في إسرائيل بالمعلومات نفسها، والتي لا يُعرف ما إذا كانت موثوقة، أو مُحرّفة، أو مُبالغ فيها، أو كاذبة تماماً، وعادةً ما تكون مدفوعة بدوافع سياسية أو أيديولوجية، لا سيما تلك المتعلقة بالسيطرة على المزيد من الأراضي أو ترسيخ السيطرة على الأراضي التي تم الاستيلاء عليها في الحرب.
من الضروري التساؤل ليس فقط عن الأهداف والرؤية العالمية الكامنة وراء التسريب، بل أيضاً عن توقيته. بشكل عام، هذه “معلومات” تهدف إلى الحفاظ على صورة العدو الذي يجب محاربته، مع تعزيز الشك والعداء تجاه العرب أينما كانوا (صدمة السابع من أكتوبر التي يبدو أن البعض يحاول الحفاظ عليها بدلاً من معالجتها). قد يُسهم هذا في تعزيز الرسالة السائدة في معسكر اليمين قبيل الانتخابات، والمتعلقة بانعدام الثقة وإنكار أي صلة بالأحزاب العربية، والعزلة عن الرأي العام العربي.
كما يُمكن لهذا “التقرير” أن يُبرر فشل إسرائيل في تعزيز التطبيع مع السعودية (التي قد تكون الدولة “الاستشارية” التي تتصرف “بسوء نية”)، وحظر انسحابها من الأراضي التي احتلتها، لا سيما في سوريا. في غضون ذلك، برز العديد من الإعلاميين والسياسيين هذا الأسبوع كخبراء في الإسلام، مُرددين أن هذا “التقرير” يُمثل التزامًا مُشتركًا من جانب أعدائنا بنموذج “معاهدة الحديبية” التي وقّعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه في القرن السابع الميلادي، ثم نقضها، متجاهلين أنهم مُلتزمون بمعاهدات إبراهيم عليه السلام (بما في ذلك مع الإمارات) وأنهم في حالة سلام مع مصر. وقد استند القادة العرب إلى أحكام دينية تُذكّر بهذه السابقة التاريخية.
لقد كان “السبق الصحفي” لهذا الأسبوع مثابة تحذيرٍ ظاهريٍّ “للأبرياء الذين يؤمنون بالعرب”، ولكنه في الحقيقة إشارةٌ أكثر وضوحًا إلى جهود التلاعب بالعقول وعمليات التأثير التي رُوِّج لها في الخطاب العام منذ السابع من أكتوبر، والتي تُجبر الجمهور على إظهار نوعٍ من الرأي والشك لم يكن موجودًا عشية الانهيار. ما كان ينبغي أن يكون نقاشًا جوهريًا، أصبح خطابًا مدفوعًا ومبنيًا على مصالح وأوهام سياسية وأيديولوجية، مُثقلًا بالجمود وعدم القدرة على التعلم من الماضي.
هذا خطابٌ تُسبق فيه الاستنتاجات دائمًا التحليل، ولا تُعتبر فيه الحقائق ضرورية، ويُنظر فيه إلى النقد على أنه علامة ضعف أو ضعف (بل ويُعتبر أحيانًا مثابة “عدو في الداخل”)، أما إظهار نهجٍ مُعقد فهو من شأن “العالم قبل السابع من أكتوبر” (أو عند وصف قطر…).
أما بالنسبة للشرع، فمن الصعب الجزم ما إذا كان سياسياً انتهازياً لم يُعر أي اهتمام للأيديولوجيا، أو أنه جهادي متخفٍ، لكن من الواضح أنه من الضروري في كل الأحوال توخي الحذر والريبة تجاهه. ومع ذلك، وكما لا ينبغي النظر إليه على أنه “سادات جديد”، فليس هناك أيضاً حاجة للتخطيط لمواجهة استباقية ضده أو وصفه بأنه “قنبلة موقوتة”، كما ادعى كثيرون هذا الأسبوع.
يمكن النظر في خيارات مؤقتة، مثل الترتيب الأمني المطروح (والذي وصل النقاش بشأنه إلى طريق مسدود). إسرائيل، التي تُفضل الاعتماد على السيطرة على الأرض، والاستخدام المستمر للقوة، وتجنب العمل السياسي، لا تُحقق النصر على العدو في أي جبهة، لكنها في الوقت نفسه لا تتغلب على المعضلات التي أوجدتها. ويبدو أن ترامب سيُقرر مصير الوضع في سوريا أيضاً، كما حدث في لبنان ويحدث حالياً في غزة، وهذا أيضاً يتعارض مع مصالح إسرائيل.
------------------------------------------
هآرتس 17/8/2026
الشرطة تسمح لأول مرة لليهود بالحجيج الى الحرم مع ترتيبات صلاة
بقلم: نير حسون
لقد اقام اليهود الصلاة في الحرم صباح امس الاحد، وهم يحملون ادوات الصلاة في خرق لقواعد الوضع الراهن. ووفقا لاقوالهم فقد سمحت لهم الشرطة بالحجيج الى الحرم مع ادوات الصلاة، في خطوة تبدو وكأنها تقويض للوضع الراهن في المكان، بعد ان كانت الشرطة قد سمحت في السابق لهم بالصلاة والرقص والغناء هناك.
حسب الوضع القائم منذ العام 1967 يعتبر الحرم مكان مقدس ومكان عبادة للمسلمين وموقع للزيارة لغير المسلمين. ونتيجة لذلك يطلب من أي يهودي يريد زيارة الحرم عدم الصلاة فيه، وحتى الان منعت الشرطة ادخال أي ادوات مقدسة مثل كتب الصلاة والشالات.
في السنوات الاخيرة، حتى قبل تولي ايتمار بن غفير منصب وزير الامن الوطني، بدأت الشرطة في تخفيف القيود. في البداية سمحت لجماعات من اليهود بالصلاة في مكان معين في الحرم بهدوء وبدون استخدام ادوات الصلاة ودون الاجهار بالصلاة. وبعد تعيين بن غفير، لا سيما بعد استبدال قائد منطقة القدس وتعيين مفتش الشرطة افشالوم بيلد في هذا المنصب، تم ادخال تغييرات اخرى على هذه السياسة.
في الاشهر الاخيرة منحت الشرطة حرية شبه كاملة للجماعات اليهودية واصبح يمكنهم الرقص والغناء والصلاة علنا والسجود في كل باحات الحرم تقريبا. في كانون الثاني الماضي سمحت الشرطة بادخال ادوات الصلاة للمرة الاولى، وأمس حسب تقرير للناشط في مجال زيارة اليهود في الحرم، المراسل ارنون سيغال، فقد سمحت بادخال سجادات الصلاة.
في الشهر الماضي، في 9 آب العبري، وصل اكثر من 3500 يهودي لزيارة الحرم، بمن فيهم الوزير ايتمار بن غفير واسحق فاسرلاوف وعضو الكنيست عميت هليفي من حزب الليكود. سمحت الشرطة للزوار اليهود بالصلاة وقراءة الترانيم والسجود في كل باحات الحرم، بل ان بعض المصلين تمكنوا من وضع الشالات على ايديهم مخالفين بذلك الاجراءات المتبعة.
وصرحت الشرطة بان شرطة اسرائيل تعمل في الحرم حسب توجيهات القيادة السياسية والقواعد المعمول بها، واستنادا الى تقييم الوضع العملياتي للحفاظ على الامن والنظام العام.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 17/8/2026
الأبرتهايد خطوة حاسمة على طريق سحق ما تبقى من شرعية وجود إسرائيل
بقلم: عيناب شيف
في 23 أيلول، قبل شهر من نهاية العالم، فاجأ تمير باردو شريحة واسعة من الرأي العام عندما استخدم علنًا مصطلح “الأبرتهايد” (الفصل العنصري). قال الرئيس السابق للموساد، متحدثًا عن الوضع في الضفة الغربية: “في منطقة يُحاكم فيها شعبان بنظامين قانونيين، توجد هنا دولة فصل عنصري”. من الواضح أن هذا الحماس لا يعكس بالضرورة نبوءة غضب من شخص شغل منصبًا رفيعًا في المؤسسة الأمنية، بل هو استخدام مصطلح “الفصل العنصري” تحديدًا لتشخيص الهاوية التي حفرتها إسرائيل. حتى ذلك الحين، كان يُنظر إلى مصطلح “الفصل العنصري” على أنه أقل حدة من مقارنات مثل “خطاب السياقات” الذي ألقاه يائير غولان. لكن الانفجار السياسي الذي أعقب انتخابات 2022، والتغييرات التي طرأت على أرض الواقع فور إعلان النتائج، انتزعت كلمة “الفصل العنصري” من أيدي منظمات حقوق الإنسان وحركات اليسار الراديكالي، وأجبرت أشخاصًا مثل باردو على استخدامها لوصف الوضع.
بعد أربع سنوات، يمكننا القول بصمت وحزن عميقين إن باردو لم يكن محقًا فحسب: بل من المشكوك فيه أنه بالغ في تقدير مركزية مفهوم الفصل العنصري في النظام الحكومي والعسكري، وفي المقابل، عدم اكتراث المعارضة بالتهديد الاستراتيجي لشرعية وجود إسرائيل. فعلى سبيل المثال، جاء إعلان وزير الدفاع، وكأنه “أصدر تعليمات” للجيش بنقل صلاحيات إنفاذ القانون ضد اليهود في الضفة الغربية إلى الشرطة، مصحوبًا برفضه التوقيع على أوامر إدارية ضد مشتبه بهم يهود بالإرهاب. تُجسّد الفضيحة المستمرة في قصرة عجز النظام التام عن تطبيق القانون ضد اليهود، وهو أمرٌ ما كان ليحدث لولا مزيجٌ قاتلٌ من اللامبالاة والتغاضي والدعم السياسي. ويؤكد فخر الوزراء الحكوميين بالتحركات التي تُبطل فعلياً اتفاقيات أوسلو أن الأمر ليس من قبيل الصدفة: فعندما يتعلق الأمر بسياسةٍ تُعدّ مثابة فصلٍ عنصري، حتى أكثر المحافظين والمتدينين المتشددين يؤمنون بأهمية التظاهر.
يُضاف إلى ذلك اتجاهٌ جديدٌ يسعى إلى تشجيع التمييز المنظم والمؤسسي حتى داخل حدود الخط الأخضر. وهكذا، على سبيل المثال، يظهر هذا التوجه العنصري جلياً في جميع المسائل المتعلقة بالشكاوى ضد معاملة الفريق الطبي لمقاتلي الجيش الإسرائيلي. وعلى القناة 14، التي لا تُعدّ مجرد أداةٍ دعائيةٍ فحسب، بل مؤثراً أيديولوجياً أيضاً، سُمعت دعواتٌ من قبيل: “تهويد مهنة الطب”. كتب زيف مائور، الذي عيّنه وزير الاتصالات في منصب رئيس مجلس الكابلات والأقمار الصناعية، في العدد الأخير من صحيفة “بيشيفا” أن “فرق العمال العرب لا ينبغي تركها دون إشراف يهودي في المواقع الحساسة، ويجب تعديل الوضع العام للعمال وجداول الترقيات بما يسمح بذلك”.
إنّ كشف النقاب عن نظام الفصل العنصري ليس مجرد تطور هامشي آخر في المأزق العام الذي تعيشه البلاد منذ ثلاث سنوات، بل هو خطوة حاسمة على طريق سحق ما تبقى من شرعية وجود إسرائيل الأخلاقية. لذلك، كان من المتوقع أن تُدرك المعارضة اليهودية، التي تدّعي الدفاع عن إنقاذ الدولة، أن هذه القضية لم تعد تهمّ قلة من الطلاب المُملّين والمثقفين المُنافقين، وأنه لا يمكن التستر عليها بعد الآن. عمليًا، يُمارس ضغط فعّال على الحزب الوحيد في الكتلة الذي لا يزال منخرطًا في هذه القضية للتوقف، خشية أن تتبدد أوهام استقطاب أصوات “اليمين المعتدل”، الذي يُفترض أنه لا يقلّ انزعاجًا من هذه القضية. بالطبع، الواقع لا يهتم بهذه الاعتبارات، تماماً كما أنه لا يكترث بأن آذان الإسرائيليين مسدودة بشمع الصدمة والألم: فعندما يروج أحد الجانبين لنظام الفصل العنصري ويتصرف الجانب الآخر كما لو أن المشكلة غير موجودة، فإن حتى تغيير الحكومة لن يمنع الكارثة.
------------------------------------------
هآرتس 17/8/2026
يجب الاعتراف ان الجيش والحكومة يقفون من وراء زعران المستوطنين في الضفة
بقلم: عودة بشارات
في غضون ثلاث سنوات فقط، من أيار 1945 وحتى أيار 1948، انتقل اليهود من اسفل السلم الى قمته، من جحيم النازية الى موقع سيطرة في المنطقة، بعد هزيمة خمسة جيوش عربية، التي حسب التصور السائد هنا، ثارت ضد الدولة الوليدة للقضاء عليها. هكذا، اصبحت الدولة الفتية التي ولدت حديثا الى العالم هي القوة الرائدة في الشرق الاوسط.
يمكن القول ان هذا الواقع اوجد مشكلة نفسية، وهي حالة الذين ينتقلون من طرف الى آخر بسرعة البرق. عانت دولة اسرائيل (الجزء اليهودي بالطبع) من متلازمة “الدوار”: يبدو السقف في الاسفل والارضية في الاعلى.
هذا تحول مدهش. كيف يمكن للمرء التارجح بين الشعور بالفناء والشعور بالتفوق المطلق؟ هذا يشبه شخص اعطي مليون دولار، في حين انه لا يوجد في الثلاجة لديه رغيف خبز. بسرعة سيصاب بداء التبذير، فيسارع الى شراء سيارة فاخرة تقدر قيمتها بمئات آلاف الشواقل، لكنه في نفس الوقت يحذر اولاده من الافراط في التبذير ويذكرهم بضرورة التفكير بقسوة الحياة.
هذه الازدواجية في فهم الواقع مقلقة. يبدو ان عقل من يعانون من هذا التناقض مشوه. فأي شخص عاقل ينظر جيدا الى احداث 1948، عندما تم طرد مئات آلاف الفلسطينيين من اراضيهم وتم تدمير مئات قراهم على يد من وصلوا قبل يومين فقط، سيعرف ان هذا كان تطهير عرقي. ولكن دولة اسرائيل تصمم على تسمية ذلك “حرب التحرير”. التحرير ممن؟.
اضافة الى ذلك، يتم لوم العرب انفسهم في تهجيرهم وطردهم من وطنهم. كان التوقع الخاطيء هو انهم سيوافقون على اقتحام الاجانب لبيوتهم وترحيلهم وارسالهم الى مخيمات اللاجئين، واذا تجرأوا على الرفض فسيتم اتهامهم باللاسامية.
يشير المؤرخ ايلان بيبيه الى المنطق المعيب الذي يهيمن على الخطاب هنا. وحسب قوله فانه يلتقي مع اشخاص مثقفين يتعاملون مع كل قضية بموضوعية. ولكن عندما يتحدثون عن اسرائيل يصبح الخطاب غير عقلاني. بيبيه يصف ذلك بـ “الغباء الاخلاقي”. ويتساءل وبحق لماذا يهين المفكرون والعلماء والصحافيون والسياسيون انفسهم من اجل تبرير مظالم دولة اسرائيل.
وقد طرح البروفيسور امنون راز – كراكوتسكين هذا الامر غير المعقول عندما كتب ذات مرة “لا يوجد اله، لكنه وعدنا بالارض”. كان العلمانيون هم الذين قادوا الحركة الصهيونية، واعتمدوا على التراث الديني لتحقيق رؤيتهم. في الوقت الحالي، هذا تطور طبيعي، يعود التيار الديني المتعصب الى ما كان عليه، ليس فقط في مسألة “غزو الارض”، بل ايضا في تبني نمط حياة دينية.
بشكل منطقي هم على حق، ففي نهاية المطاف لا يمكن للمرء ان يكون انتقائي في اختياره بين “نعم” لهذا الجانب من اليهودية (غزو الارض) و”لا” للجانب الآخر (تبني نمط حياة دينية يشمل الفصل بين الرجال والنساء والحرمان من المواضيع التعليمية الاساسية وما شابه).
ها هو يئير لبيد، احد العلمانيين، يعارض الاكراه اليهودي، ولكنه في نفس الوقت يختار الانحياز للسفير الامريكي الذي يريد ان تمتد ارض اسرائيل من النيل الى الفرات، هذا دوار في أبهى صوره.
الدوار الذي تغرق فيه دولة اسرائيل يعمي العيون ويحطم المنطق ويفكك الصلة بين الحقائق والاستنتاجات، ويتم سحق الحس السليم وتغزو الاحداث المفاجئة البلاد وتسبب دوار تلو دوار. ها هو جيش قوي عاجز عن ردع الزعران في قرية قصرة، ويتحدث كبار المراسلين عن اخفاقات الجيش بدلا من الاعتراف بان الجيش والحكومة يقفون من وراء هؤلاء الزعران.
ان الدولة التي تعيش في الدوار والتي تغفل ذاتها، تصبح غريبة عن العالم وتثير النفور منها من قبل دوله.
أنا الان اشعر بالدوار ايضا، نعم، لقد اصبت بالعدوى.
------------------------------------------
هآرتس 17/8/2026
كتلة التغيير تخشى الاعيب بينيت وليبرمان، اذا صدقت الاستطلاعات لا يوجد مبرر للخوف
بقلم: رفيف دروكر
نشر يئير لبيد مؤخرا فيديو قصير يروي فيه قصة تبدو كترويج له: كيف اسس حكومة التغيير. لم تكن هناك أي فرصة، فقد استهزأ فريقه من الفكرة، لكن بعد انتهاء عملية “حارس الاسوار”، قال لهم: “خذوا طابق في قرية المكابية وسنقوم بدعوة الجميع. شخص مؤمن مقابل عالم متشكك”. يستحق لبيد الفضل في تشكيل الحكومة، لكن القصة مبالغ فيها. فقد تم طرح سيناريو حكومة التغيير قبل ذلك بكثير، حتى قبل الانتخابات، وقبل عملية “حارس الاسوار”، كان الامر قيد الاعداد، وكانت العملية هي التي دفعت نفتالي بينيت الى الاعلان عن تنازله عن هذا الخيار.
هذه القصة تحتوي على ما هم اهم. فقد اظهر كل اللاعبين السياسيين النضج الاستثنائي. في المقام الاول لبيد الذي عرض على بينيت رئاسة الحكومة. ايضا افيغدور ليبرمان الذي لم يكن يقدر بينيت في حينه ووافق على تولي وزارة المالية في حكومته. وبني غانتس الذي كان بالفعل من الاشخاص الذين يصعب عليهم التاثير بشكل كبير. اضافة الى حزب العمل وحزب ميرتس اللذان وافقا على قبول مناصب اقل اهمية لاعطاء مساحة سياسية لبينيت.
الان توجد فرضية جديدة تثير قلق مؤيدي كتلة التغيير. حسب هذه الفرضية سيلعب بينيت وليبرمان لعبة سياسية، ولن يوافقا على ترشيح غادي ايزنكوت لرئاسة الحكومة، بل سيتملقان الطرف الثاني من اجل ابتزازه، بهدف ابتزاز موضوع رئاسة الحكومة. وتتجه الشكوك بشكل رئيسي نحو ليبرمان، الذي يكرر بانه الاكثر جدارة لتولي منصب رئاسة الحكومة.
لقد انقطعت علاقتي مع عضو الكنيست ليبرمان منذ سنوات (بعد عدة تقارير في “مكور”). مع ذلك، اذا كانت نتائج الانتخابات مشابهة لما تتوقعه الاستطلاعات، فان ليبرمان لن يتجرأ على المناورة. أولا، لانه غير بعيد عن ضغوط قاعدته الشعبية، التي لن توافق على تاخير استبدال حكومة نتنياهو بدافع الطموح الشخصي. ثانيا، خلافا لبينيت في 2921، لا يستطيع ليبرمان تملق الطرف الثاني، لا يمكنه التفاوض على الانضمام لحكومة نتنياهو مع الحريديين. ايضا التهديد بعرقلة تشكيل الحكومة واللجوء الى انتخابات اضافية، ليس خيار وارد.
أما احتمالية اثارة بينيت لغضب ايزنكوت، معدومة. أولا، يعرف بينيت جيدا ما هو على المحك، ويصعب عليه تقبل فكرة ان يصبح رقم 2. ثانيا، حسب الاستطلاعات الحالية سيحصل على 7 مقاعد تقريبا في الكنيست القادمة والمتبقية للبيد. هؤلاء السبعة لن يوافقوا ايضا على ان يكونوا جزء من هذه اللعبة الخطيرة، ولن يساعد بينيت نتنياهو في تشكيل الحكومة. بهذا المعنى فانه لا حاجة حتى الى ان يطلب ايزنكوت موافقتهم على قبول حقه في رئاسة الوزارة. هذا سيحدث بشكل تلقائي اذا كانت هذه هي الارقام. لقد اظهروا المسؤولية في المرة السابقة وسيفعلون ذلك في هذه المرة ايضا.
ما زالت امام كتلة التغيير معضلة صعبة. فماذا ستفعل مع حيلي تروفر ويوعز هندل؟. خلافا لكل النظريات التي لا اساس لها، فانهما بعيدان جدا عن ان يكونا تابعين لنتنياهو. ورغبتهما في ازاحة نتنياهو لا تقل عن رغبة لبيد وبينيت. وتشير الاستطلاعات الى انه عند انضمامهما فان ايزنكوت سيتجاوز العتبة. وحسب آخر استطلاع اجرته “اخبار 13” فانهم سيخفضونه من 23 الى 22. لا يمكن الجزم بامكانية استخلاص الاستنتاجات بناء على استطلاع واحد، لكن يبدو انه يشير الى انهما يجلبان معهما عدد غير قليل من الناخبين الذين يجدون صعوبة في الوصول الى ايزنكوت.
القرار الداخلي لتروفر وهندل هو ضرورة الحفاظ على 6 مقاعد من اجل ضمان وجودهما في الانتخابات حتى النهاية. ولكن من غير المرجح ان يتحقق ذلك قبل اغلاق القوائم. وربما ان الحل الافضل هو التحالف مع بينيت ولبيد. فهذا سيساعد بينيت على وقف تراجع شعبيته في الاستطلاعات. فالعلاقة بينهما اكثر طبيعية، وبالتاكيد اكثر من العلاقة مع لبيد. ويمكن حل مشكلة تضارب الرسائل في غضون دقائق.
------------------------------------------
يديعوت 17/8/2026
تزعم أبواق الدعاية التابعة للكتلة أن الشيء الذي يوحد المعارضة هو “كله الا بيبي”
بقلم: ناحوم برنياع
لا شك أن بعض القراء سيجدون صعوبة في استيعاب الجملة التالية، لكن ازدراء نتنياهو للانتخابات التمهيدية لحزبه مبرر تمامًا. سيُعلن المرشحون الذين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع اليوم أنها احتفال بالديمقراطية، لكن كل واحد منهم يعلم أنه لا يوجد لا احتفال ولا ديمقراطية، إنما يوم من الفرح الزائف وليلة من العذاب في الطريق إلى مكتب العمل.
لقد جربت الأحزاب في إسرائيل على مر السنين أساليب متنوعة للوصول إلى انتخابات الكنيست بقائمة مرشحين ناجحة. قد تكون هيئة التصويت هي مركز الحزب، أو اللجنة المنظمة، أو كبار الحاخامات، أو الزعيم الروحي، أو عامة الشعب، أو حتى رئيس القائمة نفسه؛ وقد صُنِّف المرشحون في مجموعات من عشرات وتسعات وسبعات ومُنحت الأفضلية للنساء والشباب والمناطق؛ وقد نجحت كل طريقة بشكل جيد في المرة الأولى. وفي المرة الثانية، خيبت الآمال؛ إلى أن حانت المرة الثالثة، حين أتقن أصحاب السلطة جميع الحيل، وأصبحت الانتخابات فاسدة. في التحليل النهائي، لا تتمتع الانتخابات التمهيدية بأي ميزة على الطرق الأخرى. ما الذي يميزها إذًا؟ علاقات عامة جيدة. هذا كل شيء.
الديمقراطيون، على سبيل المثال. نص الاتفاق بين حزبي العمل وميرتس على أن يتم اختيار مرشحي الكنيست من قبل جميع أعضاء الحزب، لكنه قيّد الاختيار بعدة شروط. أحدها نص على أن يكون لرئيس القائمة، يائير غولان، الحق في وضع اثنين من مرشحيه ضمن العشرة الأوائل. خشي غولان من أن تكون القائمة المختارة في الانتخابات التمهيدية متطرفة للغاية، وطائفية للغاية. فقام بإجراء مجموعة من التحسينات.
على هذا الأساس، وعد غولان عيناب تسينغاوكر بمكان ضمن العشرة الأوائل. كانت تسينغاوكر شخصية بارزة وقائدة في نضال عائلات المختطفين، وجمهور اليسار-الوسط يحملها على الأكتاف. لكن عندما أسفرت الانتخابات التمهيدية عن قائمة وافق عليها غولان، نكث بوعده.
أخطأ غولان مرتين. في المرة الأولى، أخطأ عندما وعد: تسينغاوكر رمزٌ وشخصيةٌ بارزة، لكن من المشكوك فيه أن تجد لها مقعدًا في الكنيست. وفي المرة الثانية، أخطأ عندما عاد: فقد زعزع مصداقيته ومصداقية حزبه. وتُعد مسألة الثقة بالغة الأهمية في الصراع بينه وبين آيزنكوت على أصوات متظاهري كابلان. لست متأكدًا من أنه خسر أصواتًا كثيرة، لكن من المرجح أن تُطرح عليه أسئلة مثل: “ما قيمة كلمتك؟”، “لماذا وعدت؟”، “لماذا نكثت بوعدك؟” في كل دارة يزورها حتى الانتخابات.
أما الوضع في حزب الليكود فهو أكثر إثارة للقلق. فقد وصل نتنياهو إلى ولايته الحالية على رأس جماعة لم يشهدها النظام السياسي من قبل. لقد مات الليكود كحزب يقود الحكومة، وكمنظمة تعكس إرادة ناخبيه، وكإطار لتبادل الآراء حول القضايا الرئيسية – كل ما يُتوقع من حزب حاكم – ودُفن. لقد حلت العائلة محل الحزب. سموتريتش، وبن غفير، ودرعي، وغولدكنوف، وليس وزراء الليكود، هم من كانوا واجهة الحكومة.
وصل أعضاء كتلة الليكود في الكنيست إلى مكانتهم عندما احتاج نتنياهو إلى بلطجية لإسقاط حكومة بينيت-لابيد وتقويض النظام القضائي. كان من بينهم منشقون من الحكومة السابقة وحزب غانتس؛ وكان من بينهم أتباع بن غفير ومبعوثون من حاخامات متشددين؛ وكان من بينهم ناشطون مخضرمون حوّلتهم سنوات انتظارهم لتقاعد نتنياهو إلى شخصيات مشوهة، إلى خرقة بالية. بؤسهم فنّهم.
لم يقتصر التغيير على المسؤولين المنتخبين فحسب، بل شمل المنتسبين أيضاً. كان الليكود حزباً علمانياً روّج للفلكلور اليهودي، أو ما يُعرف بـ “يديشكايت”، بين ناخبيه. كان القاسم المشترك بينهم هو الشعور القومي، لا الدين. أما المنتسبون الذين سيصوتون اليوم فهم مختلفون: يتحركون على محورٍ بين الليكود وشاس، بين بن غفير وسموتريتش. يعكس جزء من هذا التغيير عمليات ديموغرافية، وجزء آخر يعكس تلاعباً: منتسبو الليكود يحصلون على امتيازات ويصوتون في الانتخابات لصالح الحريديم وسموتريتش. لعلّ من الأصحّ النظر إلى هذه العملية من منظور تاريخي: استقرار كتلة نتنياهو على مرّ السنين أدى فعلياً إلى ظهور حزب واحد، ومشكلة واحدة: يشعر الكاهانيّ بالانتماء إليه، ويشعر الحريديّ بالانتماء إليه أيضاً. أما من يجدون صعوبة في الشعور بالانتماء إليه فهم اليمين القديم.
لم يرغب نتنياهو في إجراء انتخابات تمهيدية لأنه أدرك أنه لا يملك ما يقدمه للناخبين: فالحزب البيبوي يمنحه 12 مقعدًا، أو 18 مقعدًا على سبيل التسامح. سيصوتون له على أي حال. لكن ممثليهم في الحكومة والكنيست، من أمثال غوتليب وكاري وميلفيتسكي، ينفرون الناخبين الآخرين. الأمر أشبه بشخص خاط سرواله بنفسه في ولاية سابقة، وبعد أربع سنوات من الحكم الفاشل، أدرك أنه يرتدي قميصً المجانين.
إن نظرة على قائمة المرشحين، بما في ذلك قائمة المرشحين ذوي النفوذ القوي، تكشف عن الأرض المحروقة التي يسير عليها نتنياهو: لا أحد منهم جذاب؛ ولا أحد منهم يحمل رسالة جيدة. هل ستخسر البلاد شيئًا إذا أنهت ماي غولان مسيرتها السياسية؟ نير بركات؟ أفيحاي بورون؟ موشيه سعدة؟ نسيم فاتوري؟ بوعز بيسموث؟ اسرائيل كاتس؟ هل سيخسر اليمين شيئًا؟
تزعم أبواق الدعاية التابعة للكتلة أن الشيء الوحيد الذي يوحد الكتلة المعارضة هو كله الا بيبي .. عليهم أن ينظروا إلى القائمة المعروضة للانتخابات اليوم. إنها تقول شيئًا واحدًا: بيبي فقط. كل ما عدا ذلك غير صالح للأكل.
------------------------------------------
معاريف 17/8/2026
هل يكرر ترامب خطأه بضبط خططه الإقليمية وفق ساعة تل أبيب المعطلة؟
بقلم: آنا برسكي
وفر الحدث الشاذ في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع تذكيراً لما د يشوش الخطط الأمريكية في المنطقة. فقد أصيب ثلاثة من مقاتلي الجيش الإسرائيلي بجروح خطيرة في هجوم لحزب الله، فردت إسرائيل بقوة، 11 لبنانياً قتلوا، بينهم مدنيون. وفي غضون ساعات، اضطرت واشنطن للتصدي مرة أخرى للمسألة التي ترافق الاتصالات بين إسرائيل ولبنان: كيف نتقدم إلى تسوية، فيما لا تزال حرب بقوى منخفضة تجري في الميدان.
قبل الأمريكيون التفسير الإسرائيلي للرد، لكن إسرائيل تعرف بأن ليس في ذلك شيك مفتوح لما سيأتي. فحقيقة أن مكتب رئيس الوزراء سارع لنشر أمر إصابة الجنود السبت بالإنكليزية حتى قبل بلاغ الجيش الإسرائيلي في الموضوع، شهدت مدى قلق المكتب من رد فعل واشنطن على القتلى اللبنانيين. البلاغ بالعبرية لم ينشر إلا مع خروج السبت. تسلسل الأحداث هذا لم يكن صدفة؛ ففي الساعات التي تعرضت فيها إسرائيل للنقد على قتل المدنيين، كان ملحاً لنتنياهو أن تصل الرواية الإسرائيلية قبل كل شيء إلى البيت الأبيض. بعد وقت قصير، تبنى سفير الولايات المتحدة مايك هاكابي، التفسير الإسرائيلي.
يريد الرئيس ترامب نزع سلاح حزب الله وتعزيز حكومة لبنان بقدر لا يقل عن نتنياهو. الخلاف بينهما على الطريق وعلى تسلسل الأعمال. من ناحية إسرائيل، كل تسوية لا تمنع حزب الله من العودة إلى المنطقة تبدو وصفة للجولة التالية. بعد 7 أكتوبر، يصعب إقناع الجمهور الإسرائيلي بقبول وعود عن قوة محلية تدخل رقابة دولية إلى المنطقة وتعهد منظمة مسلحة بالابتعاد عن الحدود. نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس يطالبان بأن يكون تجريد السلاح مثبتاً، وأن يحكم الجيش الإسرائيلي بالفعل، وإلا يتخلى الجيش الإسرائيلي عن قدرة العمل قبل بيان نجاح النموذج.
اتخذ كاتس الأسبوع الماضي خطوة إضافية؛ ففي جولة إلى مواقع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، أعلن بأنه أمر الجيش بالاستعداد لـ “وجود طويل المدى” في المنطقة. وكان الرد الأمريكي شاذاً في وضوحه: “وجود عسكري إسرائيلي دائم في جنوب لبنان لا ينسجم والتعهدات التي في الاتفاق”. يختبئ من خلف تبادل الأقاويل خلاف جوهري على تسلسل الأعمال؛ فإسرائيل تشترط الانسحاب بعد نجاح التجريد، بينما يرى الأمريكيون الانسحاب جزءاً من مسيرة يفترض أن تسمح بالتجريد.
تنظر واشنطن إلى الخريطة ذاتها وترى مشكلة مختلفة؛ فترامب يريد أن يترجم الإنجازات العسكرية إلى سياسية. في لبنان اتفاق إطار: نزع سلاح حزب الله، نشر الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيلي تدريجي. بعد سبع جولات من المحادثات بوساطة أمريكية وجولة أخرى مخطط لها لبداية أيلول في روما، يريد الأمريكيون رؤية تنفيذ. مناطق التجربة مخصصة لذلك – الفحص إذا كان الجيش اللبناني قادراً على السيطرة على المنطقة التي أخلي منها الجيش الإسرائيلي، وتفكيك البنى التحتية العسكرية وعدم السماح لحزب الله بالعودة.
السياسة الداخلية الإسرائيلية جزء من المعادلة السياسية. تبقى لإسرائيل أقل من شهرين ونصف حتى الانتخابات. نتنياهو لن يسمح لنفسه بأن يظهر كمن يسلم أرضاً على أساس تعهدات لبنانية فقط. من ناحيته، صورة دبابات إسرائيلية تخرج من جنوب لبنان قبل أن يكون ممكناً عرض تجريد حقيقي لحزب الله من السلاح، تبدو مادة سياسية متفجرة. أما ترامب فيصل إلى هذه المسألة مع مصلحة أخرى. فهو يسعى لاستكمال التسويات، ولبنان من ناحيته إحدى الحلقات في خطوة إقليمية أكبر بكثير.
في قائمة أهداف ترامب خطة في غزة، واتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وإخراج الأزمة مع إيران من الجمود الحالي، وفوق كل هذا محاولة الوصول إلى اتفاق تاريخي بين إسرائيل والسعودية. يدرك البيت الأبيض بأن الانتخابات في إسرائيل قد تجمد كل هذه المسارات. التخوف ليس نظرياً؛ فرجال ترامب يذكرون جيداً الأزمة السياسية في إسرائيل في 2019، التي أدت إلى ثلاث حملات انتخابية متواصلة وإلى سنة ضائعة من الناحية الدبلوماسية الإقليمية. هذه الذاكرة ملموسة على نحو خاص لدى ترامب. في ولايته الأولى، تأجلت خطته للسلام مراراً على خلفية المتاهة السياسية في إسرائيل. هذه المرة، لا توجد في واشنطن نية للسماح للسياسة الإسرائيلية بإيقاف جدول أعمال الرئيس مرة أخرى.
ينشأ الموقف الأمريكي من نتنياهو في الفترة الأخيرة بقدر كبير عن التمييز بين احتياجات حملته الانتخابية وبين قراراته بالفعل. فبعد أن رفض نتنياهو علناً خطة مجلس السلام لتجريد حماس، فسر الأمريكيون الأمر بقدر كبير بالسياسة في فترة الانتخابات. والرسالة التي نقلت إليه كانت عملية أكثر بكثير. واشنطن مستعدة لاحتواء جزء من الخطاب ما دامت إسرائيل تلجم الهجمات وتسمح للمسيرة بالتقدم. وبالفعل، بعد حديث مع جاريد كوشنر وعد نتنياهو بإعطاء الخطة فرصة وتقليص الأعمال في غزة.
لكن مجال الصبر هذا يبقى محدوداً. في الأيام الأخيرة، تراكمت في لبنان والضفة الغربية وسوريا أحداث وتصريحات أحدثت انعدام راحة حتى لمحافل في الإدارة تعتبر قريبة جداً من إسرائيل. هاكابي، صديق معلن لمشروع الاستيطان، اضطر للتطرق إلى عنف المستوطنين في قصرة ومعالجة إسرائيلية له. بالتوازي، لم تستطب واشنطن سلسلة التصريحات في إسرائيل ضد الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي استثمر فيه ترامب مالاً سياسياً. كل هذه الأزمات تتراكم إلى طلب واحد من الرئيس الأمريكي: لا تعرقلوا الخطوات التي يحاول هو الدفع بها قدماً في المنطقة. وهكذا، فإن الفجوة في الجداول الزمنية سياسية داخلية أيضاً. انسحاب أول، نقل منطقة للجيش اللبناني والبدء بالمشروع التجريبي كله كفيل بأن يسجل في واشنطن كتقدم سياسي، ولكن قد يستخدم في إسرائيل انسحاباً في وقت مبكر. إصرار إسرائيل للبقاء في المنطقة حتى التجريد الكامل سيخدم ادعاء التصميم لدى نتنياهو، لكن البيت الأبيض قد يعتبره تأخيراً للاتفاق.
ولبيروت أيضاً ساعة خاصة بها. الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام أخذا مخاطرة سياسية، إذ وافقا على التقدم في مسيرة هدفها استعادة الدولة للاحتكار على السلاح. لكن من الصعب عليهما تفكيك حزب الله والجيش الإسرائيلي يواصل الاستيلاء على أرض لبنانية والهجوم في الدولة. كل هجوم يقتل فيه مدنيون يعزز ادعاء حزب الله: لماذا نسلم السلاح فيما لا تزال إسرائيل تهاجم؟
يفهم حزب الله جيداً هذا التناقض ويحاول استغلاله. من ناحيته، تسوية ينزع فيها سلاحه قبل انسحاب إسرائيلي يعدّ هزيمة. ولهذا، يطلب قلب تسلسل الأعمال: بداية تخرج إسرائيل، بعدها الحديث عن السلاح. إيران، التي فقدت في السنوات الأخيرة جزءاً هاماً من روافع قوتها الإقليمية غير معنية بالتنازل بسهولة عن الذخر اللبناني الوحيد، المتبقي لها في المنطقة. من ناحية طهران، فإن تفكيك حزب الله سيمس بآلية الردع التي بنتها حيال إسرائيل على مدى عشرات السنين.
وضع نتنياهو السياسي يزيد الحساب الأمريكي تعقيداً. ائتلافه الحالي بعيد عن 61 مقعداً لإقامة حكومة. من ناحيته، فإن منع الأغلبية عن المعسكر الخصم كفيل هو الآخر أن يكفي. إذا لم ينجح أحد في تشكيل حكومة، فسيبقى في منصب رئيس حكومة انتقالية حتى انتخابات أخرى. هذه الإمكانية تقلق واشنطن على نحو خاص؛ لأن معناها أشهر أخرى تجعل جدول الأعمال الإقليم لترامب ينتظر السياسة الإسرائيلية.
لدى ترامب رافعة سياسية شخصية على نتنياهو. حتى الآن، امتنع عن منحه التأييد السياسي في الانتخابات، التأييد الذي أمل به رئيس الوزراء. عندما التقيا في البيت أبيض قبل نحو أسبوعين، سأله ترامب مباشرة عن وضعه في الاستطلاعات. نتنياهو تلبث، فسارع أحد مستشاريه للإجابة بأنه “منتصر”. لكن المعطيات تروي رواية أخرى. في أربع فرص مختلفة في الأسابيع الأخيرة، سئل ترامب إذا كان يؤيد نتنياهو، لكنه تملص من الإعراب عن تأييد صريح.
لهذا الامتناع معنى آخر بسبب التاريخ بين الرجلين؛ فقد سبق لترامب أن أثبت بأنه يعرف كيف يتدخل في حملة انتخابات إسرائيلية. قبل أيام من انتخابات نيسان 2019 اعترف بسيادة إسرائيل في الجولان، الخطوة التي هو نفسه تباهى بها لاحقاً بأنها ساعدت نتنياهو. أما هذه المرة، حالياً على الأقل، فيبقي هذه الورقة بيديه.
المعارضة هي الأخرى تفهم قيمة هذه الورقة. فمحافل في محيط غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لبيد، نقلت في الأشهر الأخيرة رسائل لرجال ترامب وطلبت منه البقاء على الحياد في الانتخابات. وهذا العمل يدل على أي قدر أصبح فيه موقف ترامب عنصراً في حملة الانتخابات الإسرائيلية، حتى قبل أن يقرر إذا كان سيتدخل فيها.
لم تنقطع العلاقات الشخصية بين ترامب ونتنياهو. وحسب مسؤولين أمريكيين كبار، ترامب يستطيب نتنياهو. لكنه محبط من قراراته. ومؤخراً، اقتبس عنه في أحاديث خاصة يقول إن نتنياهو هو “العدو الأكبر لنفسه”. بالتوازي، لترامب قيد سياسي خاص به: تدخل عنيف في الانتخابات الإسرائيلية ربما يمس بمكانته في أوساط جمهور منحه في الماضي تأييداً شبه تلقائي.
لبنان ليس الساحة الوحيدة التي تفحص فيها هذه الفجوة. ففي غزة يسعى البيت الأبيض للمضي قدماً بخطة مجلس السلام؛ وفي سوريا تستثمر واشنطن في الرئيس أحمد الشرع، وبدأنا نسمع ضده في إسرائيل تصريحات حادة؛ أما إيران فيحوم فوقها السؤال: هل ستنتهي الأزمة في اتفاق أم في جولة أخرى؟ كوشنر ونيكولاي ملادينوف وطوني بلير يصلون هذا الأسبوع إلى المنطقة للمضي بالخطوة في غزة. من ناحيتهم، ستكون هذه المسألة الأولى في جدول الأعمال حيال نتنياهو. عمل إسرائيل في واحدة من هذه الساحات قد يعقد خطوة أمريكية في أخرى.
البلدتان في جنوب لبنان ستكونان الاختبار العملي الأول لهذه الفجوة. إذا دخل الجيش اللبناني إلى المناطق التجريبية ففكك بنى تحتية لحزب الله وتأكد الأمر بشكل تثق به إسرائيل، فالنتيجة ستخدم الزعيمين: ترامب قد يعرض تقدماً في التسوية، ونتنياهو سيدعي بأن الانسحاب لم ينفذ إلا بعد أن التزم الطرف الآخر بالشروط. فشل المشروع التجريبي سيعزز الادعاء الإسرائيلي بأن الحذر كان مبرراً.
------------------------------------------
هآرتس 17/8/2026
إلى كاتس: حلّك لإرهاب المستوطنين توطين لأعمال قذرة بالضفة الغربية
بقلم: أسرة التحرير
أعلن وزير الدفاع إسرائيل كاتس هذا الأسبوع بأنه “وجه تعليماته للجيش الإسرائيلي” لإعداد خطة لنقل صلاحيات التصدي للإرهاب اليهودي في الضفة الغربية إلى الشرطة، بحيث ألا يعنى الجيش الإسرائيلي إلا بـ “الإرهاب الفلسطيني ويركز على الدفاع عن الحدود والبلدات”. الإعلان يخلو من تفاصيل، وليس واضحاً إذا ما وكيف سيطبق، لكن الفكرة بحد ذاتها كفيلة بأن تسحر حتى معارضي الحكومة.
ظاهراً، نقل الصلاحيات “سينزل” عن كاهل الجيش الإسرائيلي المهمة الصعبة والقذرة المتمثلة بالتصدي لإرهاب المستوطنين. إن نقلاً كهذا سيسهل على معارضي الحكومة الحفاظ على التمييز بين الجيش الإسرائيلي والحكومة، ومنع انتقاد الجيش الإسرائيلي. الجيش تابع للحكومة، وبذلك يتجنب أي شكوى ضده بسبب عدم قيامه بالصلاحيات التي أخذت منه.
لكن هذا الحل المزعوم عليل من أساسه.
بداية، شرطة إسرائيل غير قادرة على التصدي لإرهاب المستوطنين. هذا ليس تخميناً، بل حقيقة ثبتت في الميدان. اليوم أيضاً، حين تكون المسؤولية العامة في يد الجيش، فإن جزءاً من صلاحيات إنفاذ القانون تجاه المستوطنين هي في يد الشرطة، وتفشل في استخدامها.
والأهم، تكليف الشرطة بالمهمة - فضلاً عن أن هذه المهمة غير قابلة للتحقق - يعكس فهماً مغلوطاً للمهمة؛ فواجب التصدي لإرهاب المستوطنين ليس “مشكلة جريمة”، بل واجب ينبع من أحكام الفكر القتالي الذي تعمل إسرائيل نفسها تحت مظلتها في الضفة الغربية. وحتى حسب موقف الدولة نفسها، فإن لقوة الاحتلال واجباً ومسؤولية لحماية السكان في الأرض المحتلة؛ أي السكان الفلسطينيين.
هذا الفكر قائم بشكل مؤسساتي في الجيش الذي يملك أدوات لتنفيذه، حتى وإن فشل في ذلك. وإن مثل هذا الفكر غير قائم ولا يمكنه أن يكون قائماً في الشرطة.
ثانياً، نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى سلطة مدنية يعدّ مرحلة أخرى في الضم القانوني للضفة الغربية. إن استمرار تطبيق الإطار القضائي، في إطار الفكر القتالي، يخدم من ناحية دولة إسرائيل فرض أحكام منفصلة في إسرائيل وفي “المناطق” [الضفة الغربية].
في تموز 2024 قضت المحكمة الدولية في “لاهاي”، في فتوى استشارية، بأن إسرائيل ضمت الأرض عملياً، واستنتجت خروقات أخرى للقانون الدولي. كل نقل آخر لصلاحيات مدنية يعزز هذا الموقف ويعطي إسناداً للأعمال ضد دولة إسرائيل. بدلاً من البحث عن طرق للتملص من مسؤولية التصدي للإرهاب اليهودي، كان على إسرائيل أن تتأكد بأن للجسم الحاكم في المنطقة، الجيش، كامل الإسناد والأدوات لعمل ذلك.
----------------انتهت النشرة-----------------