الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاحد 7/9/2026 العدد 1706
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 7/9/2026
مبادرة الحزام والطريق الصينية لتشغيل الممر الاقتصادي الجديد
بقلم: غاليا لافي
يفصل أكثر من عقد بين إعلان مبادرة الحزام والطريق الصينية وإعلان الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) في أيلول 2023. يمثل هذا ميزة للمبادرة الجديدة، إذ يمكنها الاستفادة من التجربة الصينية. بدلاً من اعتبار IMEC مجرد بديل لمبادرة الحزام والطريق، تتناول هذه المقالة الدروس المستفادة من نجاحات وإخفاقات الأخيرة. تشير التجربة الصينية إلى فوائد البناء التدريجي والمرن، الذي من شأنه أن يسمح لممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC) بالتطور كشبكة من الممرات والوصلات المتكاملة، ولكنها تُبرز أيضًا الحاجة إلى التنسيق، والاختيار الدقيق للمشاريع، وتطوير البنية التحتية التنظيمية واللوجستية جنبًا إلى جنب مع البنية التحتية المادية. لا ينبغي لممر الهند - الشرق الأوسط - أوروبا الاقتصادي أن يُحاكي مبادرة الحزام والطريق أو أن يُبنى كنقيض لها، بل ينبغي أن يستند إلى الخبرة المكتسبة لبناء مبادرة ربط أفضل.
الرؤية مألوفة وقديمة: ربط آسيا وأوروبا عبر طرق التجارة والنقل. في أيلول 2023، اتخذت هذه الرؤية شكلًا عصريًا، عندما أعلن قادة الهند والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي عن ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا الاقتصادي (IMEC)، المصمم لربط الهند وأوروبا عبر مزيج من الطرق البحرية والبرية. ولكن قبل ذلك بعقد من الزمن، في عام 2013، قدم الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤية مختلفة وأكثر طموحًا لربط آسيا وأوروبا: مبادرة الحزام والطريق.
تتضح أوجه التشابه بين المبادرتين، حتى وإن اختلف نطاقهما وهيكلهما. فمبادرة الحزام والطريق إطار عالمي واسع يشمل العديد من الممرات والمشاريع، بينما يركز مشروع ممر الربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا (IMEC) على مسار جغرافي محدد. ومع ذلك، تسعى كلتاهما إلى إنشاء ربط عابر للحدود من خلال مزيج من الموانئ والسكك الحديدية وغيرها من البنى التحتية؛ وتتجاوزان النقل لتشمل الطاقة والربط الرقمي؛ وتوليان دورًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا واسعًا للبنية التحتية.
منذ الإعلان عنه، لم يُطرح مشروع ممر الربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا (IMEC)كمبادرة ربط فحسب، بل كبديل لمبادرة الحزام والطريق وجزء من التنافس الأمريكي الصيني لتشكيل طرق التجارة والنفوذ في الشرق الأوسط. وفي الخطاب الأمريكي، يُنظر إلى مشروع ممر الربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا (IMEC) أيضًا كوسيلة لموازنة النفوذ الاقتصادي الصيني المتنامي في المنطقة، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، الشريكتين في كلتا المبادرتين، لا تنظران بالضرورة إلى مشروع ممر الربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا (IMEC) من منظور التنافس مع الصين.
وقد ركزت المقارنات بين المبادرتين عمومًا على اختلافاتهما. يُوصَف مشروع الحزام والطريق بأنه مبادرة صينية مركزية، تُملى من بكين، بينما يُقدَّم مشروع الممر الدولي (IMEC) على أنه قائم على شراكة بين عدة دول، دون سيطرة أي جهة منفردة عليه. ويرتبط النموذج الصيني بالتمويل القائم في معظمه على القروض، مع انتقادات لأعباء الديون المتراكمة في بعض الدول المشاركة. أما مشروع الممر الدولي (IMEC)، الذي لم يُختبر تنفيذه بعد، فقد ركّز حتى الآن على الجمع بين التمويل العام والخاص والجدوى الاقتصادية. ويُضاف إلى ذلك معارضة أوسع لمشروع الحزام والطريق، إذ يُزعم أنه يُدار في ظل غياب الشفافية لأن بعض مشاريعه لا تفي بالمعايير العالية، وأنه يخدم المصالح الصينية بالدرجة الأولى. وهذا يتناقض مع الممر الدولي (IMEC)، الذي يُقدَّم على أنه مبادرة من المفترض أن تقوم على الشفافية والمعايير العالية والمنافع المشتركة للدول المشاركة.
مع ذلك، فإن التجربة التراكمية لمشروع الحزام والطريق – لأكثر من عقد – ترسم صورة أكثر تعقيدًا. فالوصف المقبول للمبادرة يُبرز سمات مهمة منها، لكنه لا يُقدّم الصورة كاملة. اليوم، تُتيح لنا التجربة الصينية دراسة ليس فقط إنجازات وإخفاقات المبادرة، بل أيضاً كيفية تطورها عندما تلاقت الرؤية الأولية مع المصالح الوطنية والاعتبارات الاقتصادية والواقع المحلي. لذا، فإن السؤال المهم ليس فقط كيف يمكن لمبادرة الممر الدولي (IMEC) أن تختلف عن مبادرة الحزام والطريق، بل ما الذي يمكن أن تستفيده منها.
مبادرة الحزام والطريق: بين الصورة والواقع
على الرغم من الصورة الشائعة لمبادرة الحزام والطريق كبرنامج صيني مركزي، صُمم في بكين ونُفذ من أعلى الهرم، إلا أن تطورها في الواقع كان أكثر تعقيدًا ولا مركزية. فعندما طرح الرئيس شي جين بينغ فكرة “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري” عام 2013، لم يُقدم خطة رئيسية مفصلة تتضمن قائمة بالمشاريع، أو جداول زمنية، أو حتى تعريفًا واضحًا لحدود المبادرة. العديد من المشاريع التي ارتبطت لاحقًا بالمبادرة سبقت الإعلان عنها، بينما روجت لمشاريع أخرى لاحقًا حكومات محلية، وشركات حكومية وخاصة، وبنوك، ودول شريكة، وفقًا لمصالح لم تكن دائمًا متوافقة مع أولويات الحكومة المركزية. لذا، لم تُنشئ مبادرة الحزام والطريق، إلى حد كبير، جميع المشاريع المدرجة فيها، بل وفرت إطارًا سياسيًا وأيديولوجيًا واسعًا مكّن من توحيد مشاريع وجهات فاعلة ومصالح مختلفة تحت مسمى واحد.
ساهم هذا الغموض واللامركزية في تسريع وتيرة تطوير مبادرة الحزام والطريق، لكن ذلك لم يخلُ من ثمن. فقد أدى وفرة التمويل، إلى جانب الحوافز التي قدمتها جهات صينية ومحلية لضم مشاريع تحت مظلتها، إلى تمويل مشاريع تبين لاحقًا أنها غير مجدية اقتصاديًا أو سيئة الإدارة. وبهذا المعنى، فإن بعض الإخفاقات التي تُعزى إلى مركزية مبادرة الحزام والطريق تنبع من مشكلة معاكسة: صعوبة إشراف الحكومة المركزية على مبادرة واسعة النطاق تضم جهات فاعلة عديدة ذات مصالح مختلفة. ومع تراكم مشاكل الديون في الدول المشاركة، والانتقادات الدولية، والصعوبات التي واجهتها مشاريع مختلفة، بدأت بكين في تشديد الرقابة والتركيز بشكل أكبر على جودة المشاريع وجدواها. وقد تجلى هذا التغيير بوضوح في عام 2021، عندما دعا شي جين بينغ، في سياق التعاون مع أفريقيا، إلى إعطاء الأولوية لـ”المشاريع الصغيرة والجميلة” – وهي مشاريع أكثر تركيزًا، مصممة لتلبية الاحتياجات المحلية وتحقيق فوائد ملموسة. منذ ذلك الحين، أصبح هذا النهج جزءًا أوسع من سياسة مبادرة الحزام والطريق، وفي عام 2025، وصفته الصين بأنه “توجه هام وأولوية في تطوير مبادرة الحزام والطريق”.
وقد أتاحت هذه المرونة ميزة كبيرة. فمبادرة الحزام والطريق، التي ركزت في البداية بشكل أساسي على البنية التحتية للنقل والربط، لم تقتصر على الموانئ والطرق والسكك الحديدية. وعلى مر السنين، أُضيفت إليها أبعاد الربط الرقمي والصحة، وحتى مبادرات في الفضاء والمناطق القطبية. وانعكس هذا التوسع لاحقًا في الخطة الخمسية الرابعة عشرة، التي أدرجت “طريق الحرير الرقمي” و”طريق الحرير الأخضر” و”طريق الحرير الصحي” و”طريق الحرير الجوي” وممر المعلومات الفضائي ضمن إطار المبادرة. وهكذا، تطورت مبادرة الحزام والطريق من مبادرة تركز بشكل أساسي على الربط والبنية التحتية المادية إلى إطار واسع ومرن، قادر على استيعاب مجالات ومشاريع جديدة بما يتماشى مع التغيرات التكنولوجية والاقتصادية والجيوسياسية. وقد سمح غياب غاية نهائية جامدة للمبادرة بالتكيف مع الواقع وعدم التقيد بالرؤية المحددة في البداية.
تشير تجربة مبادرة الحزام والطريق أيضًا إلى قيدٍ هام: فإنشاء البنية التحتية المادية لا يضمن في حد ذاته إنشاء ربط لوجستي فعال. وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة سياسات النقل، والتي فحصت 105 دول خلال الفترة 2007-2023، أن انضمام الدول إلى مبادرة الحزام والطريق أدى إلى تحسن ملحوظ في جودة بنيتها التحتية اللوجستية المادية، فضلًا عن زيادة حركة الحاويات والربط البحري. في المقابل، لم يُلاحظ أي تحسن يُذكر في كفاءة الجمارك، أو جودة الخدمات اللوجستية، أو تتبع الشحنات، أو الالتزام بمواعيد التسليم، ولا في مؤشرات الحوكمة والتنظيم. ويُستنتج من ذلك أن البنية التحتية المادية، على الرغم من أهميتها، لا تكفي لإنشاء نظام لوجستي فعال. كما يعكس الخطاب الصيني حول مبادرة الحزام والطريق إدراكًا متزايدًا اليوم لضرورة استكمال البنية التحتية المادية بإطار مؤسسي وتنظيمي: إذ تُشدد بكين على ضرورة الجمع بين “الربط المادي” للبنية التحتية و”الربط غير المادي” للقواعد والمعايير، إلى جانب “الربط الإنساني” مع السكان المحليين.
تتبلور عدة دروس من التجربة الصينية ذات صلة خاصة بـ (IMEC): لا يجب أن تتطور مبادرة الاتصال واسعة النطاق وفقًا لخطة رئيسية صارمة، ولكن اللامركزية والمرونة تتطلبان تنسيقًا دقيقًا ومراجعة للمشاريع؛ ويمكن أن تكون القدرة على التغيير والتوسع بمرور الوقت مصدر قوة؛ ولا يكفي بناء البنية التحتية المادية بدون الإطار التنظيمي واللوجستي الذي سيسمح لها بالعمل كشبكة.
دروس مبادرة الحزام والطريق لمستقبل الممر الهندي الأوروبي
بالنسبة للممر الهندي الأوروبي، يتمثل الدرس الأول في أنه لا داعي لانتظار وضع خطة رئيسية شاملة للممر الهندي الأوروبي وتنفيذها. يمكن بناؤه تدريجيًا، كأحجية تتصل قطعها بمرور الوقت لتشكل شبكة أوسع. يمكن لتحديث المعابر الحدودية، وإنشاء خط سكة حديد محلي، وربط الموانئ بالمراكز اللوجستية، وتطوير ترتيبات جديدة للشحن، أو التعاون في مجال الطاقة المتجددة، أن تُبنى جميعها بشكل مستقل، لتصبح في نهاية المطاف جزءًا من شبكة أوسع. يتوافق هذا الرأي مع المقترح الناشئ الذي ينظر إلى الممر الهندي الأوروبي ليس كممر خطي واحد، بل كشبكة من الممرات والوصلات المتكاملة، مما يسمح بوجود مسارات بديلة ويقلل الاعتماد على نقطة عبور واحدة. مع ذلك، لكي يكتمل بناء هذه الأحجية، يجب أن تكون كل قطعة منها ذات قيمة للبلد الذي تُبنى فيه، حتى لو تأخر بناء بقية الممر. لقد أظهرت تجربة مبادرة الحزام والطريق أن الدول التي تُبنى فيها البنية التحتية ليست مجرد محطات عبور؛ فقد أعادت الحكومات المحلية تصميم المشاريع وفقًا لمصالحها، بل وأجلتها أو ألغتها في بعض الأحيان. في إطار مبادرة الممر الدولي (IMEC)، ستكون الشبكة الإقليمية أكثر استقرارًا إذا اعتبرت كل دولة البنية التحتية المُنشأة على أراضيها مشروعًا وطنيًا قيّمًا بحد ذاته، وليس مجرد جزء من مسار الهند-أوروبا.
مع ذلك، لا يُغني البناء التدريجي عن الحاجة إلى التنسيق. فلكي تتكامل أجزاء المشروع في نهاية المطاف، لا بد من وجود آلية شاملة تُتيح رؤية الصورة الكاملة. وهنا، قد يُصبح الاختلاف بين المبادرتين نقطة ضعف لمبادرة الممر الدولي (IMEC). فعلى الرغم من الطبيعة اللامركزية لمبادرة الحزام والطريق، إلا أن الصين قد وفرت لها مركز ثقل سياسيًا ومؤسسيًا وماليًا. أما مبادرة الممر الدولي (IMEC)، فلا تمتلك مركز ثقل مماثلًا، إذ تتباين مصالح الدول الشريكة، ويعتمد تقدم كل جزء منها على قرارات وطنية منفصلة. لذا، تحتاج مبادرة الممر الدولي (IMEC) إلى آلية تنسيق تضمن ربط المشاريع التي تُنفذ بشكل منفصل في المستقبل من حيث البنية التحتية والمعايير والجداول الزمنية والتمويل. لا يكمن التحدي في استبدال الهيكل متعدد الأطراف لمبادرة الممر الدولي (IMEC) بالسيطرة المركزية، بل في إيجاد التوازن بين اللامركزية، التي تتيح لكل دولة تعزيز المشاريع وفقًا لاحتياجاتها، والتنسيق الذي يضمن تطويرها كشبكة واحدة.
وسيكون لهذه الآلية دور إضافي: تحديد المشاريع التي تستحق الانضمام إلى مظلة مبادرة الممر الدولي (IMEC). ولا ينبغي أن يحوّل الإنشاء التدريجي والمرن الممر إلى إطار عمل يُمكن إدراج أي مشروع فيه. بالنسبة لمبادرة الممر الدولي (IMEC) يكمن الدرس المستفاد من مبادرة الحزام والطريق في ضرورة دراسة الجدوى الاقتصادية، ومصادر التمويل، والطلب المتوقع، ومساهمة كل مشروع في الربط الإقليمي مسبقًا. وفي الوقت نفسه، لا يتطلب الاختيار الدقيق تعريفًا جامدًا لما يمكن إدراجه في مبادرة الممر الدولي (IMEC). فكما توسعت مبادرة الحزام والطريق على مر السنين لتشمل مجالات لم تكن محور تركيزها عند انطلاقها، يجب أن تكون مبادرة الممر الدولي (IMEC) قادرة أيضًا على التكيف مع الاحتياجات والفرص. تم تعريف النقل والطاقة والاتصال الرقمي مبدئيًا كجزء من الممر، ولكن قد تنضم إليها مجالات جديدة في المستقبل، مثل البنية التحتية لمراكز البيانات والحوسبة المتقدمة، إلى جانب التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.
ومن الدروس المهمة الأخرى أن الاتصال المادي وحده لا يكفي. فإلى جانب إنشاء الموانئ والسكك الحديدية والمعابر الحدودية، لا بد من بناء “البنية التحتية غير المادية” للممر الدولي للنقل البحري ((IMEC): تكييف الإجراءات الجمركية، ووضع معايير مشتركة، ورقمنة الوثائق، وتبادل البيانات، وتتبع الشحنات، وتنظيم الانتقال بين الأنظمة الوطنية المختلفة. لا يقتصر التحدي على كيفية نقل القطار من حدود إلى أخرى، بل يتعداه إلى كيفية تمكين الشحنات من عبور تلك الحدود بسرعة وشفافية وبتكلفة تنافسية. علاوة على ذلك، سيحدد تشكيل البنية التحتية غير المادية إلى حد كبير قواعد تشغيل ممر النقل: فالدول المشاركة في تصميم هذه البنية التحتية ستؤثر على المعايير والإجراءات التي ستُطبق على طول الممر، بينما قد تجد الدول التي تنضم لاحقًا نفسها مطالبة بتكييف أنظمتها مع القواعد الموضوعة بالفعل.
لا يتعلق الدرس الآخر بكيفية بناء مبادرة الحزام والطريق، بل بالعلاقة الجوهرية بين المبادرتين. فحتى لو كان الهدف من الممر الاقتصادي الدولي (IMEC)، من بين أمور أخرى، هو تقديم بديل لمبادرة الحزام والطريق، فهذا لا يعني أنه ينبغي بناؤه كممر يسعى إلى استبعاد الصين. فثقل الصين في التجارة العالمية وسلاسل التوريد وقطاعات البنية التحتية كبيرٌ جدًا بحيث لا يُعد إنشاء فضاء اقتصادي منفصل عنها هدفًا واقعيًا أو مرغوبًا فيه بالضرورة. ففي عام 2026، على سبيل المثال، ستكون شركة كوسكو الصينية رابع أكبر شركة شحن حاويات في العالم، وتستحوذ على حوالي 10.6 في المئة من سعة شحن الحاويات العالمية. وفي عام 2024، كانت الصين تستحوذ على حوالي 85 في المئة من الطاقة الإنتاجية العالمية في سلسلة توريد الطاقة الشمسية. في مثل هذا السيناريو، ستنتقل البضائع الصينية عبر الممر؛ وقد تنقل شركات الشحن الصينية بعضها؛ وقد تُصنع بعض المعدات والبنية التحتية التي سيعتمد عليها الممر في الصين. لذا، فإن السؤال المطروح على الممر الاقتصادي الدولي ليس ما إذا كان سيكون هناك وجود صيني، بل أين وتحت أي شروط سيُسمح به. يكمن الفرق الجوهري بين التنويع الاستراتيجي والإقصاء الاقتصادي: إذ يمكن الممر الدولي (IMEC) أن توفر مسارًا إضافيًا، ويقلل الاعتماد على البنية التحتية أو المسارات التي تسيطر عليها جهة واحدة، وتوسع خيارات الدول المشاركة، دون محاولة فصل الشبكة الجديدة عن الاقتصاد الصيني.
لا ينبغي لشبكة (IMEC) أن تحاكي مبادرة الحزام والطريق، ولا أن تُبنى كنقيض لها. تُظهر التجربة الصينية أن مبادرات الربط الكبيرة يمكن أن تتطور تدريجيًا، من خلال مشاريع ذات قيمة محلية ومرونة للتغيير بمرور الوقت. لكنها تُعلّم أيضًا أن اللامركزية تتطلب تنسيقًا، وأن البنية التحتية المادية تتطلب إطارًا تنظيميًا ولوجستيًا، وأن المرونة يجب أن تتوازن مع اختيار المشاريع بعناية. كما أن المنافسة مع مبادرة الممر الدولي (IMEC) لا تتطلب إقصاء الصين، بل تتطلب خلق بدائل توسع الخيارات وتقلل الاعتماد. لذا، لا ينبغي قياس نجاح شبكة IMEC بما إذا كانت ستحل محل مبادرة الحزام والطريق أو تُزيح الصين من هذا المجال، بل بقدرتها على إنشاء نظام ربط قيّم في حد ذاته، يوفر للدول المشاركة اتصالات فعّالة، وبدائل إضافية، وحرية أكبر في العمل. وبهذا المعنى، قد تكون تجربة المبادرة المنافسة ظاهرياً واحدة من أهم الموارد المتاحة لـ (IMEC).
------------------------------------------
إسرائيل اليوم 7/9/2026
استراتيجية ترامب موت بطيء أو استسلام
بقلم: مئير بن شباط رئيس مجلس الامن القومي الاسرائيلي السابق، رئيس معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية
“قواعد اللعب تغيرت وعصر الردود المتوازنة انتهى”، هكذا حذر أمس رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. وهدد بان كل هجوم على مصالح إيرانية سيرد عليه برد “سريع، ثقيل وأليم أكثر”.
جاءت هذه التحذيرات بعد أن نشرت القيادة المركزية الامريكية توثيقا مصورا لاغراق ناقلة نفط MT Kilo واحدة من الناقلات الإيرانية الثلاثة التي هوجمت ردا على إطلاق الصواريخ نحو سفن حربية للاسطول الأمريكي. في العالم لم يسجل تأثر خاص وفي دول المنطقة أيضا مروا على ذلك بسرعة كافية الى جدول الاعمال مما يدل على التكيف السريع مع الوضع الجديد.
إما الاستسلام أو الموت البطيء – هذه هي الاستراتيجية المحدثة للرئيس ترامب في مواجهة الحرس الثوري. فطوق الخنق الاقتصادي المشتد يترافق بين الحين والآخر وتبادل للضربات بين الطرفين، الشدة محدودة، الأهداف واضحة والتغطية معتدلة – هذه هي قواعد اللعب التي يهدد قاليباف بتغييرها.
من السابق لاوانه ان نفرح
قال الرئيس ترامب الأسبوع الماضي ان الضغط دفع بالاقتصاد الإيراني الى “سقوط حر” وان استسلام طهران هو مسألة وقت فقط. مساهمة لا بأس بها في ذلك ينبغي أن تعزى لنجاح الاسطول الأمريكي في سحق رافعة الضغط المركزية لإيران في مضيق هرمز وفرض مسار ملاحة آمن عمليا. وكما تقول تغريدة الرئيس ترامب – “نفط هرمز يعود”.
الحرب النفسية وسلسلة المعلومات المغرضة التي تتدفق في اطارها لا تخفف عما يسعى لان يقدر الوضع الحقيقي لإيران. هكذا أيضا التمييز الواجب بين وضع المواطن ووضع “الحرس الثوري”. حتى لو كان ميل التشديد ليس موضع خلاف، من الصعب تقدير المسافة المتبقية حتى نقطة الانكسار.
بالنسبة لهذا يمكن أن نجد مؤشرا مشجعا بالذات في التحذير الذي اطلقه وزير الدفاع إسرائيل كاتس، حين قال انه “توجد مؤشرات نراها تدل على الضغط الاقتصادي الشديد الذي يتعرضون له والخوف من الثورة وسقوط النظام مما من شأنه ان يدفعهم الى خطوات يائسة”. الصياغة الحذرة التي تليت من ورقة مكتوبة تدل على ان كلماته اختيرت بعناية.
ان دعوة ترامب المتكررة للشعب الإيراني للثورة حتى لو لم تخرج المواطنين الى الشوارع، أظهرت للقيادة الإيرانية الى أين من شأنه الان ان يوجه الأمور.
ان تغيير النظام هو الحل الوحيد الذي سيضع حدا للتهديد الإيراني. لكن من السابق لاوانه أن نفرح. فالنظام لم يستنفد بعد كل الإمكانيات التي لديه كي ينقذ نفسه من أزمته. اما حقيقة أنه لا يزال لم يطرح بعد اقتراحا مغريا لاستئناف المفاوضات السياسية فتدل على أنه لا يزال لم يشعر بعد بحرارة السيف على رقبته. وفي هذه الاثناء يختار العمل ضد شركاء الولايات المتحدة في المنطقة وبالتوازي يبني قوته ويثبت علاقاته مع الاذرع التي قطعت: الميليشيات في العراق، الحوثيين، حماس، وفوقهم جميعا حزب الله.
التحدي لإسرائيل
من زاوية نظر إسرائيل، فان امتناع ايران حتى الان عن مهاجمتها في إطار ردود الفعل على الهجمات الامريكية يمكن أن يشهد على السلوك المحسوب تجاهها من جانب ايران. هكذا بالنسبة للدخول الى مواجهة عسكرية مباشرة معها لكن ليس بالنسبة لامكانية تشجيع حزب على مهاجمتها. صحيح ان إسرائيل سارعت الى الإعلان عن انتهاء المعالجة لتلال علي طاهر كي تمنع ايران من استخدامها كذريعة ضدها، لكن اذا كانت ايران ستقرر أو سبق أن قررت تسخين الساحة اللبنانية كمخرج لازمتها فانها لن تستصعب في إيجاد علل أخرى.
الانباء الطيبة هي ان الضغط العسكري والاقتصادي يحقق أهدافه. الى جانب ذلك فانهما يضعان امام اسرائيل تحديا كبيرا: ان تشخص قبل الأوان وان تستعد لخطوات من شأن ايران ووكلائها ان ينفذوها انطلاقا من الازمة. وعند الحاجة حتى استباق الضربة بضربة.
الدخول الى التوازن
معين العرابيد، رئيس جهاز الامن الداخلي لحماس وان كان لا يمزج مع محققيه بسبب وضعه الصحي لكن ليس في ذلك ما يقلل من الثناء على العملية الجريئة لاختطافه من قلب مدينة غزة. إضافة الى مساهمتها في تآكل القيود التي سعى “مجلس السلام” لتثبيتها على نشاط الجيش الإسرائيلي في القطاع، فانها جسدت بالملموس التزام إسرائيل بالعمل ضد أجهزة حماس وبناها التحتية وليس فقط إزالة التهديدات الفورية.
في المجال الغزي الداخلي، عززت الثقة بالنفس لدى رجال الميليشيات وواصلت تصديع صورة السيطرة المطلقة لمنظمة الإرهاب. وهي تشدد الشكوك الداخلية في صفوفها وتعزز إحساس الاختراق الاستخباري والملاحقة لرجالها.
بعد كل هذا ينبغي لنا أن نضع الأمور في التوازن. حقيقة انه بعد ثلاث سنوات من القتال لا تزال تعتبر عملية اعتقال كهذه كخطوة مركبة واستثنائية، تدل على أن الطريق الى تصميم “غزة 2” لا تزال طويلة. على جهاز الامن ان يصمم الواقع الأمني بشكل تكون فيه عمليات كهذه امرا اعتياديا. هكذا أيضا تصفية كبار المسؤولين من مستوى قادة الكتائب والقيادة العليا للمنظمة. صحيح ان القائمة قصرت، لكنها لا تزال طويلة.
------------------------------------------
هآرتس 7/9/2026
بامكان ايزنكوت النجاح مع السعودية
بقلم: رفيف دروكر
خافوا من الله. اذا ابقت هذه الانتخابات نتنياهو في منصبه، ولو في حكومة انتقالية مؤقتة، فهل سيصمد المعسكر الليبرالي في جولة اخرى مرهقة، ستة اشهر اخرى، لهذا الحكم الكارثي. لقد ضخت الاستطلاعات في الاسبوع الماضي جرعات هستيريا في كل شرايين كتلة التغيير.
من جهة، هذا اسبوع واحد فقط. يحتمل ان يكون الحماس لحزب جديد قد ساهم في الوضع الاستثنائي الذي تجاوز فيه عوفر فنتر وبتسلئيل سموتريتش وموشيه فيغلين نسبة الحسم. شاهدنا ايضا حيلي تروفر ويوعز هندل وهما يجتازان نسبة الحسم في الاسابيع الاولى بعد اطلاق حزبهما. ولكن الحماس تضاءل بالتدريج وتراجعت شعبيتهما. ربما يكون الوضع مشابه بالنسبة لفنتر، خاصة مع ازدياد وضوح التناقضات الهيكلية التي بني عليها وعده الانتخابي.
كيف يعقل ان يقول شخص عارض العملية البرية في قطاع غزة ان الجيش الاسرائيلي لم يكن حازما بما فيه الكفاية هناك؟ وكيف يعقل ان يعلن شخص ينادي بمبدأ عدم الجلوس مع من كان متورطا في 7 اكتوبر انه سيجلس مع كل حكومة 7 اكتوبر؟ والاهم من ذلك هو ان فنتر يحصل على دعم اليمينيين الذين يكرهون سياسة الاعفاء من الخدمة، التي تدعمها حكومة نتنياهو والحريديين. لقد تعهد بسن قانون التجنيد الاجباري قبل اداء الحكومة الجديدة لليمين. للاسف، هو لم يتعهد بصنع السلام العالمي. كيف يمكنه تمرير قانون تجنيد اجباري حقيقي وهو ملتزم بتشكيل ائتلاف مع الحريديين؟. في نهاية المطاف يكمن ضمان وجود الحريديين في هذه الانتخابات في انهم لن ينضموا للائتلاف الى حين يتم سن قانون الاعفاء من الخدمة. لدى فنتر يقولون ان لديهم خطة تجنيد اجباري خاصة بهم. هذه هراءات.
ستأخذ الانتخابات القادمة في الحسبان علاقة الصداقة بين حيلي تروفر وغادي ايزنكوت، وقد تصب بعض الاصوات الضائعة في هذه الانتخابات في مصلحة كتلة التغيير، الامر الذي سيعيدها الى موقع اكثر قوة. اهم ما يجب على الكتلة ان تفعله في الوقت المتبقي هو تعزيز قيادة ايزنكوت. ما تم انجازه حتى الان مثير للاعجاب، حيث يتم تجنيد آلة التشويه طوال الوقت لتشويه سمعته، ولم تنجح حتى الان في فعل ما فعلته ببني غانتس ونفتالي بينيت ويئير لبيد.
مع ذلك، في اوساط من خاب املهم من نتنياهو، ما زال ايزنكوت لا يعتبر البديل، ولا يعتبر زعيم يمكنه مواجهة ايران ودونالد ترامب. لا شيء ابعد عن الحقيقة من ذلك، لكن هذا هو عالم المظاهر، ويجب على ايزنكوت اتخاذ قرارات حاسمة بشان كل القضايا. مثلا، هل يجب عليه حضور اجتماعات مع قادة في الخارج، حتى مع قادة اوروبا الذين منع نتنياهو من دخول اراضيهم، أو على سبيل المثال العمل على تخفيف العقوبات البريطانية المنوي فرضها. هذا سيعزز صورة الزعيم، رجل الدولة، القادر على التصرف بثقة في الساحة الدولية. من المرجح ان تستغل حملة الليكود هذه “الصفقة”، وان تحاول من جديد تصويره على انه يساري يخضع لغير اليهود.
في الاسابيع الاخيرة ايزنكوت صمت، ولم يتصدر العناوين. من السابق لاوانه المواجهة مع شخصية سياسية قوية مثل نتنياهو. يحتاج ايزنكوت الى بذل جهود اكبر من الجهود التي بذلها بينيت. يجب عليه اثراء الخطاب بافكار جديدة والاظهار بان لديه ما يقدمه للجمهور في كل المجالات، وانه يتوق لتولي المنصب. هو لم يعلن بعد عن خطة للتعامل مع الارهاب اليهودي، أو عن خطة اقليمية منظمة تهدف الى التوصل الى اتفاق تطبيع مع السعودية.
اذا تم انتخاب ايزنكوت فستكون امامه فرصة ذهبية مع السعودية، بثمن زهيد نسبيا يتمثل في اجراء محادثات مع السلطة الفلسطينية، تحت غطاء خطة ترامب – التي وافق عليها نتنياهو. وهو يستطيع ان يصل بعيدا مع السعودية، لا يوجد ما يمنع من البدء في الترويج لهذه الخطة، وأن يعرف الرأي العام بان الامور يمكن ان تتغير. ما حدث في السنوات الاربعة الاخيرة يتجسد بالفعل في خريطة الانتدابات الحالية. أما الذين لم يقتنعوا حتى الان، يمكن ان يقنعهم فقط المستقبل الذي ينتظرنا.
------------------------------------------
هآرتس 7/9/2026
بضع دماء في الأطراف: بلاغات سجانين كشفت روتين عنف في سجن كتسيعوت
بقلم: يهوشع براينر
لم يشهد على ما حدث في الزنزانه رقم 6 في القسم 24 في سجن كتسيعوت في تشرين الثاني 2023 الا الدماء التي سفكت. وقد ساد الصمت المعتاد في السجن بين المتورطين في تلك الليلة. ولكن محادثات الواتس اب التي جرت في الوقت الفعلي بين حراس السجن، والتي تم ضبطها من قبل المحققين كشفت جزء من ذلك الرعب. كتبت سجانة لزوجها السجان: “انت ستكون فخور بي، في نوبتي. بعد ما حدث العد استغرق ساعتين و23 دقيقة. استنتج من ذلك ما تشاء”. واضافت: “في هذه اللحظة يتم اجراء انعاش في العيادة، يا امي! بعون الله سيموت ابن الزانية”.
وقالت سجانة اخرى بحماس: “يا امي، يا له من عد، لقد جعلناهم يرون الويل”. وكتبت ثالثة لصديقة لها: “يا له من عد، لم اشاهد مثله من قبل. لقد القينا عليهم الجبنة وكسرنا عليهم البيض. كم من دماء موجودة في الاقسام. انهم الان يجرون الانعاش للسجين الذي تعرض للضرب. لقد مات. اسمع، من المثير للسخرية كيف حدث كل شيء في لحظة، بوم، عد. بوم، سجين ميت”.
السجين هو ثائر أبو عصب، العضو في حركة فتح والذي حكم عليه 25 سنة سجن بتهمة شن هجمات ضد اسرائيل. اعلن عن موته في مستشفى سوروكا حيث نقل اليه في ذلك المساء. وحسب لائحة الاتهام فان سبب وفاته هو العنف الشديد الذي تعرض له، والذي تسبب باصابته بنوبة قلبية.
في الاسبوع الماضي، بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على وفاته، وجهت النيابة العامة لائحة اتهام غير مالوفة ضد 12 سجان. يزعم انهم ضربوا أبو عصب و8 سجناء فلسطينيين آخرين كانوا في الزنزانة انتقاما على قتل جنود دروز في الحرب. وتبين بعد ذلك ان نبأ قتل الجنود لم يكن الا شائعة.
منذ 7 اكتوبر وجهت اتهامات خطيرة لمصلحة السجون بارتكاب العنف وسوء معاملة السجناء الفلسطينيين. ولكن صعوبة تقديم السجناء للشكاوى، وخاصة الصمت والتستر المتعمد من قبل السجانين، يصعب على سلطات التحقيق محاكمتهم. ولكن في هذه المرة كشفت مراسلات السجانين، الى جانب شهادات في التحقيقات واتهامات متبادلة ادلة حاسمة، حطمت ستار الصمت.
ادت مواد التحقيق التي يجري الكشف عنها الان الى لائحة اتهام غير مالوفة، لا تلقي نظرة نادرة على اعمال العنف الشديدة التي يمارسها السجانون ضد السجناء الفلسطينيين فقط، بل تقدم ايضا ادلة على التغاضي والتستر، ناهيك عن التواطؤ، من قبل مسؤولين كبار. وجاء في شهادة واحدة على الاقل تورط قائد السجن المقدم يوسف نيبس في الاحداث، ولكنه نفى ذلك.
كان ذنب أبو عصب الوحيد هو التجرؤ على سؤال احد السجانين اذا كان هناك وقف لاطلاق النار بين اسرائيل والفلسطينيين. ابلغ السجان قائده، الضابط في جهاز الاستخبارات والمتهم الرئيسي في القضية الذي سيشار اليه بـ “القائد” (صدر امر منع نشر لاسماء كل المتهمين)، فقرر القائد الاظهار للسجين ورفاقه في الزنزانة أن الجواب هو لا.
سأل ثائر السجان عن وقف اطلاق النار. فأجابه: “من الافضل ان لا تسأل”، قال احد السجناء للمحققين. “انتظرنا العد. في العد نحن نجلس على الركب وايدينا فوق رؤوسنا ووجهنا الى الاسفل. وصل 15 سجان و15 من قوة كيتر (قوة السيطرة في مصلحة السجون)، نادوا اسم ثائر، ودخلت قوة كيتر الى الزنزانة، قاموا بضربنا بالعصي لخمس دقائق، وقالوا لنا في الغرفة: لا يوجد وقف لاطلاق النار. بعد ذلك اطلقوا علينا كلب وبدأوا بشتمنا وقالوا لنا: هدنة، أنتم تريدون هدنة”. وبعد ذلك خرجوا. كنا متعبين ومستلقين على الارض. ثائر لم ينهض، كان فاقد الوعي، فقد حصل على اكبر قدر من الضرب، كان ينزف ووجهه لونه ازرق ويديه ملطخة بالدماء”.
قال سجين آخر: “لم اكن اعرف شيء عن كيتر ومن هو الضابط ومن هو السجان”. بعد ذلك سجين آخر قال: “من سأل عن وقف اطلاق النار، هل تريد وقف اطلاق نار؟. عندها عرفت ان هذا يتعلق بثائر بسبب سؤاله في الظهيرة. كل ما سمعته كان صراخ وضرب، الجميع ضربوا، واكثر واحد ثائر، تم ضربه على رأسه وكان وجهه ازرق وكان فاقد للوعي”.
حسب السجانة ديانا ترويتسكي، في احاطة قبل العد في المساء قال لهم القائد انه عرف بسقوط اثنين من اصدقائه في غزة، وأنه “محطم”. وقالت في التحقيق معها: “عرفنا انه كان علينا ضربهم كي يفهموا انه لا يوجد وقف لاطلاق النار. القائد قال ان كل ما سيحدث في هذه الليلة سيتحمل المسؤولية عنه، وانه توجد موافقة من قائد النوبة وقائد السجن، وأن الجميع يعرفون ما سيحدث، وانه لا يجب ان نخاف وان نفعل ما يقوله. الضابط قال: اذا كنت تربيت في البيت على شيء ما فهو العنف ضد هؤلاء الاوغاد، هذه هي القيم التي تلقيتها وسألتزم بها حتى النهاية. أنا لا يهمني ان اقدم استقالتي. وقال ايضا بانه ابلغ قائد السجن بأنه سيدخل الى الغرف التي اختارها، وانه منح حرية التصرف الكاملة”.
واضافت ترويتسكي ان “القائد لم يحدد ما يجب فعله، بل طلب عدم استخدام الهراوات”. وقالت: “السجناء فقدوا اعصابهم وانهالوا على السجناء بالركلات والضرب، وشارك كل السجانين ومقاتلي كيتر الموجودين في الزنزانة في الهجوم. وشاهد القائد ان السجانين استلوا الهراوات ولكنه بقي مكتوف الايدي. بعد لحظة صرخ وقال: توقفوا. هذا عندما قرر بانه تم ضربهم بما فيه الكفاية”.
يتمتع اعضاء وحدة كيتر بعدم كشف هويتهم. ويعود الفضل في ذلك جزئيا الى الخوذات السوداء التي يرتدونها، الامر الذي يصعب التعرف عليهم في كاميرات المراقبة. تم التحقيق مع اكثر من عشرين سجان في القضية. ولم يبلغ أي واحد منهم عن أي شيء غير طبيعي في حينه، رغم ان ملف التحقيق مليء بصور السجناء في زنزانة أبو عصب، وتظهر عليهم علامات الضرب والكدمات. وقد سئل في يوم الحادثة الممرض في مصلحة السجون كفير لافي: هل شاهدت أي علامات عنف مشبوهة؟ فاجاب باقتضاب: لا.
احد السجناء قال في التحقيق معه: “لم يكن هناك شيء غير عادي. لا اعتقد أن أي واحد منا استخدم القوة أو الهراوات. انا شخصيا لم اشاهد أي شيء”. وفي رسالة الى صديق له كتب: “سيصدر بيان صحفي تلقائي حول موت سجين، مات عند مدخلنا. كانت هناك انفجارات، لكن هذا ليس موضوع للواتس اب الان”.
بسبب عدم امكانية اثبات من هو السجان الذي ضرب أبو عصب ضربا ادى الى وفاته، فقد تقرر محاكمة السجانين الـ 12 الذين دخلوا الى زنزانته بتهمة التسبب بالوفاة بالاهمال، وهذه تهمة بسيطة نسبيا. وتم التحقيق مع السجانين الذين كانوا يقفون على مدخل الزنزانة ووجه انذار لهم. ولكن لم يتم توجيه أي لوائح اتهام اليهم.
بعض المتهمين كذب اثناء التحقيق، بالادعاء احيانا ان هذه كانت عملية “سيطرة” روتينية. واحد السجانين في وحدة كيتر، الذين وجه اليهم الاتهام بعد ذلك قال: “لم يكن هناك شيء غير عادي. لا اعتقد ان أي واحد منا استخدم القوة، لاننا كنا نسيطر على الوضع ونخرج”. وواصل المحقق التحقيق: “في حين كان السجانون يضربون السجناء سُمعت صرخات مثل من قال هدنة؟ لا توجد هدنة، يا ابن الزانية. ما هو ردك؟”. صمم السجان على القول: “أنا لا اعرف”. واضاف “هراوات؟، أنا شخصيا لم اشاهد”. ولكن رسالة واتس اب تم اعتراضها اظهرت رسالة مختلفة: “سيتم ارسال بيان صحفي تلقائي حول موت سجين مات عند مدخلنا”.
واكدت السجانة اوشريت اليغا، التي نسبت استخدام الهراوات لقوة كيتر، وقال في التحقيق معها: “لقد بالغ كل السجانون في استخدام القوة، وفقط اعضاء كيتر هو الذين استخدموا الهراوات. التعليمات كانت الضرب ولكن ليس بالهراوات. القائد قال: يا رفاق ادخلوا الى الزنزانة رقم 6 وستدخل الى هناك قوة كيتر. كلمة ستدخل تعني بانهم سيقومون بالضرب”.
شاركت اليغا قبل سنتين كمقدمة لاعلان توظيف في مصلحة السجون، قالت فيه “اذا كنتم تبحثون عن وظيفة مثيرة ومختلفة مليئة بالحركة والاثارة، مع امكانية التقدم في الوظيفة، تعالوا”. “احب ايضا الادرينالين والحركة والشعور بأنني انجزت شيء له قيمة”، هكذا وصفت نفسها اثناء التقاط صور لها وهي تتدرب على الملاكمة.
الى جانب تفاصيل وفاة أبو عصب كشفت التحقيقات نمط العنف الذي تعرفه القيادة العليا. “كان الامر روتيني. لذلك، لم نبلغ أي احد عن الحادثة”، وصف سجان في وحدة كيتر ما حدث في الزنزانة رقم 6. “كانت سياسة القادة الكبار هي ان هذا الامر مقبول عليهم”.
في البداية نفى القائد الاحداث. وضمن امور اخرى، صرخ على المحقق قائلا: “ربما السجناء فعلوا ذلك لانفسهم”. وبعد ذلك عرضت عليه ادلة دامغة، وحدثت مواجهات مع السجانين. وعندما عرضت عليه الادلة الدامغة قال القائد: “لقد قلت ما عندي”.
لقد اثارت المراسلات بين السجانة اوشريت اليغا وزوجها السجان تامر ترودي، من قسم السجناء الامنيين في سجن الدامون، حيرة القائد ايضا. حيث كتبت لزوجها رسالة نصية بعد وفاة أبو عصب بفترة قصيرة قالت فيها: “لقد مات الان. أنا مسرورة جدا ومرتاحة، لكن الوضع في حالة فوضى الان. كان هناك الكثير من الدماء، وقد كسروهم”. بعد ذلك اوضحت: “كل شيء سيكون على ما يرام. انا مسرورة من حدوث ذلك ومستعدة للمخاطرة بمسيرتي المهنية من اجله. انا راضية عن ذلك، وجميعنا. القائد كان يعرف ان هذا سيحدث. وقد قال لنا عن ذلك في الاحاطة. وطلب من أي شخص يشعر بالعجز أن يتحدث عن ذلك، لانه كان يريد وبحق كسر ارادتهم. أنا بخير حقا، لكن انتم تعرفون ما معنى التحقيق والفوضى”.
مع تقدم التحقيقات بدأ القائد يتحدث عن سلوك جهاز الاستخبارات تجاه السجناء الامنيين، وحتى أنه زج باسم قائد السجن العميد في الشرطة كنيفس. وقال ان القيادة العليا بارعة في اصدار تقارير عن الامور الجيدة واظهار الانجازات. لقد فعلنا شيء جيد، ولا احد يعرف عن الامور السيئة. منذ وصولي الى هناك وجدت نفسي متورط في هذا الوضع وهذه الثقافة. هل تعرف كم مرة قاموا باقتحام الزنازين عندما كنت المسؤول عن النوبة ولم يخبروني؟. قالوا لي بانه لا حاجة لان اعرف ذلك.
المحقق: من؟.
القائد: الجميع، بدءا من قائد السجن الذي يبدل زيه الرسمي بزي وحدة كيتر (كما قلت خوذة تغطي الوجه).
المحقق: ومن عدا عن قائد السجن؟
القائد: لا أعرف أي شيء عن هويتهم، كل الرتب، مسؤولون كبار.
المحقق: اذا انت تعرف ان هذا خطأ، ومع ذلك تتصرف مثلهم؟
القائد: انا لا اتصرف مثلهم، هذا لب الموضوع. انا لا اغير ملابسي ولا اتخفى بشخصية اخرى كي لا يعرفوني، ولست انا الذي يغلق الكاميرات قبل دخول أي عملية أو مهمة. ولكن بالنسبة لسؤالك، أنا لا اعرف هؤلاء الاشخاص، ولكني لست غبيا. اعرف ما هي غرفة الاتصالات (غرفة التحكم بالكاميرات)، وبعد عشر دقائق دخلت قوة. ماذا تفعل في غرفة الاتصالات؟.
المحقق: اقوالك هذه خطيرة جدا.
القائد: ما يحدث هناك فوضى كبيرة. ربما تعودوا على هذا الاسلوب، لا سيما قوة كيتر، لانها هي التي تسيطر دائما. الامر ليس هكذا بالنسبة لي.
المحقق: لكن الامر كان هكذا.
القائد: أنا لم ارى الامر هكذا.
بسبب خطورة الامر قام المحققون باستدعاء قائد السجن كنيفس، الذي قال في شهادته ان القائد يختلق الاعذار ولا يشارك في الاجتماعات، وانه منذ بداية الحرب صدرت الاوامر بتوخي الحذر الشديد في التقارير. وقال كنيفس عن القائد بأنه “ضابط جديد بشكل عام، وقد وصل وهو محمل بالقيم. كل شيء يسير حسب الاجراءات، ولا يوجد فوضى. الوضع الذي يصفه بعيد جدا عن الواقع. كانت هناك حالات ارتديت فيها زي قوة كيتر في بداية الحرب. وأنا لا اتذكر أنني ارتديته ودخلت وأنا ارتديه الى الزنازين، هذه الامور بعيدة جدا عن الواقع، وهي من خياله. الجهاز لن يغفر لأي شخص يرتكب خطأ.
ان عدم التسامح الذي تم الحديث عنه لا يتناسب مع الواقع الذي تعسكه تقارير السجانين والتحقيقات معهم. مثلا، قال رقيب المناوبة في شهادته في التحقيق معه بانه بعد فترة قصيرة من الحادثة التفت الى صديقه، الذي كان قلقا مما سيحدث. وبحسبه فان صديقه طمأنه وهو ضابط في سجن عوفر، وقال له: “مات هناك تقريبا اربعة سجناء خلال الحرب، لا تقلق، لن يفعلوا أي شيء. ولكن يجب علينا تشكيل لجنة تحقيق من اجل توثيق الامر”.
في ادارة مصلحة السجون قالوا: “هذه حادثة وقعت خلال فترة ولاية المفوض السابق. ورغم ذلك، بالتماشي مع قيم المصلحة. المفوض قرر في بداية ولايته انهاء خدمة بعض المتورطين في هذه القضية. ووجه رسالة واضحة لا لبس فيها، تفيد بانه لا يوجد ولن يكون أي تسامح مع أي انحراف عن القانون والانضباط المؤسسي”.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 7/9/2026
خروج إسرائيل من أوروبا
بقلم: آفي كالو
تتمحور الحملات الانتخابية في إسرائيل عادةً حول الأمن والاقتصاد وتكاليف المعيشة والعلاقات بين الدين والدولة والطابع الديمقراطي للبلاد. لكن من المتوقع للانتخابات المقبلة أن تحمل معان دراماتيكية أخرى.
لعقود، تمتعت إسرائيل بعلاقة فريدة مع أوروبا. يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، ومصدرًا للاستثمار، وشريكًا رئيسيًا في مجال البحث والتطوير. وقد استفادت الشركات والمؤسسات الأكاديمية والصناعات المعرفية الإسرائيلية من الوصول إلى برامج البحث العلمي الأوروبية والأسواق وشبكة العلاقات التي ساهمت في ترسيخ مكانة إسرائيل كقوة رائدة في مجال الابتكار.
مع ذلك، في السنوات الأخيرة، تزايد الشعور في أوروبا بأن العلاقات تمر بمرحلة تحول. فقد تركت الحرب في غزة وتداعياتها أثرًا عميقًا على الرأي العام الأوروبي. ينبع بعض الانتقادات الموجهة لإسرائيل من مواقف عدائية قديمة، أعيد صياغة بعضها منذ 7 أكتوبر. ويرتبط جزء آخر بالتغيرات الاجتماعية والديموغرافية والسياسية المصاحبة لتصاعد معاداة السامية في أوروبا. في الخلفية، تُوجَّه انتقادات جوهرية من جهات معروفة بتأييدها لإسرائيل، مُركِّزة على استمرار الحرب والوضع الإنساني في قطاع غزة، بينما تُواجَه السياسة في الضفة الغربية بانتقادات متزايدة. فتوسع البؤر الاستيطانية غير الشرعية، وتصاعد الإرهاب اليهودي، والنقاش الدائر حول مناطق حساسة مثل E1، يعد في العديد من العواصم الأوروبية كجزء من اتجاه أوسع. ويرى كثيرون في بروكسل وبرلين وباريس أن النقاش لا يقتصر على حدث واحد، بل يدور حول مدى التزام إسرائيل بالمبادئ السياسية التي قامت عليها علاقاتها مع أوروبا لعقود.
وبناءً على ذلك، يُعبِّر حلفاء إسرائيل المقربون، كألمانيا وإيطاليا، عن انتقادات أشد من ذي قبل، بينما تقود بريطانيا المساعي لتكثيف الإجراءات ضدها. في المقابل، لا تزال هناك قوى مؤيدة لإسرائيل في أوروبا تُعرقل صياغة موقف متشدد ضدها.
هنا يكمن مغزى “بريكست إسرائيل”. فإسرائيل ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لا يمكنها الانسحاب منه. مع ذلك، يمكن اعتبارها، على سبيل المجاز، عملية تباعد تدريجي محتملة: تراجع الثقة السياسية، وتراجع الرغبة في التعاون التجاري والعلمي، وازدياد التوترات السياسية على محور القدس-بروكسل.
وكما ألحق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ضرراً بالغاً بالمواطن الإنجليزي، في حين تكافح المملكة المتحدة للتعافي وتسعى جاهدةً لاستعادة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، فقد يحدث الأمر نفسه للقطاعين العام والخاص في إسرائيل، وللسيدة كوهين من الخضيرة. سيؤدي تدهور العلاقات مع أوروبا إلى إلحاق ضرر جسيم بدخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد، مما سيؤثر سلباً على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والبحث العلمي، والتجارة، والمكانة الاقتصادية والأمنية والدولية لإسرائيل، بشكل يجعل من الصعب للغاية التراجع عن هذا المسار.
إن انتخابات الكنيست السادس والعشرين ليست مجرد قرار بين القادة والهويات والأيديولوجيات، بل قد تُشكّل أيضاً ساحةً للناخب ليُقرر مكانة إسرائيل في الغرب عموماً، وفي أوروبا خصوصاً. إن التصويت في هذه الانتخابات هو أيضاً خيار بين “خروج إسرائيل من الاتحاد الأوروبي” وما يترتب عليه من عواقب سلبية لا حصر لها، وبين محاولة إعادة بناء علاقات الثقة والتعاون مع أحد أهم مراكز القوة والاقتصاد والمعرفة في العالم، مع الحفاظ على مكانة إسرائيل وقيمها وتصوراتها المستنيرة بين أصدقائها الغربيين.
-------------------------------------------
هآرتس 7/9/2026
في شعبة الاستخبارات يقدرون بان الضغط على ايران قد يدفعها لتبادر الى تصعيد
بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس
يشمل التمرين المفاجيء الذي اجرته هيئة الاركان العامة للجيش الاسرائيلي أمس، هجوم متعدد الجبهات على اسرائيل. هجوم من قبل حماس على مواقع متقدمة في داخل قطاع غزة، حيث تمكنت قوة من اختراق غلاف غزة، واقتحام كتيبة كوماندو تابعة لحزب الله لكيبوتس على الحدود مع لبنان، وتفجير ابراج عزرائيلي في تل ابيب وغير ذلك. وكجزء من التمرين تم تنفيذ كل هذه التحركات بتوجيه من ايران، وكان يجب على رئيس الاركان ايال زمير اعلان الحرب في فترة قصيرة. هذه المرة حرص الجيش على ابلاغ مكتب رئيس الحكومة في الوقت المناسب.
هذا وضع غريب نوعا ما، اذ يجري الجيش تدريبات على اندلاع حرب جديدة، في حين لم تنته الحرب السابقة حتى الان. بعد شهر بالضبط ستكون مرت ثلاث سنوات على المذبحة التي نفذتها حماس في 7 اكتوبر وعلى الحرب الحالية. لم تنته الحرب بالفعل في كل جبهة. الجيش الاسرائيلي، الذي تفاجأ وفشل في حماية سكان بلدات الغلاف في ذلك اليوم، وجه منذ ذلك الحين الضربات لخصوم اسرائيل في المنطقة: ايران، حماس، حزب الله والحوثيون. ولكن لا يمكن للجيش في أي حالة الاعلان عن النصر أو انهاء الحرب، بسبب رفض حكومة نتنياهو العنيد لفحص هذه الاحتمالية.
لم تتم ترجمة الانجازات العسكرية (التي تميل هيئة الاركان العامة الى النظر اليها بنظرة اكثر ايجابية من معظم وسائل الاعلام الاسرائيلية)، الى أي تحرك سياسي. وحسب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وشركاءه، ستستمر الحرب حتى السنة الرابعة.
لقد حرص زمير على ان تكون المناورة مفاجئة بالفعل. وقالوا في هيئة الاركان ان مجموعة صغيرة فقط من الضباط، باستثناء بعض الجنرالات، كانوا يعرفون عن التمرين. وقد تم تجنيد قطاعات واسعة في الجيش في الصباح الباكر، وقبل الظهر تمركزت وحدات خاصة في قاعدة تساليم للتعامل مع سيناريو هجوم مفاجيء في الجنوب. واستند تمرين هيئة الاركان، الذي استمر ليوم واحد، كليا على افتراض عدم وجود مواجهة في جبهة واحدة فقط.
ويتضح من التمرين ان أي هجوم كبير في المستقبل سيكون منسق، لا سيما مع وجود روابط وتداعيات متبادلة بين كل الجبهات. ولم يؤد ضعف المحور الايراني بسبب الحرب الى استبعاد الاطراف الثانوية فيه من المشهد، حتى لو تضررت قدرة النظام في طهران على مساعدتها خلال الحرب. قبل ثلاث سنوات كانت اسرائيل على وشك مواجهة هجوم مشترك، عندما كان شركاء المحور في ذروة قوتهم العسكرية. ولكن جهود التنسيق المبكرة بين حماس وايران وحزب الله فشلت، واختار زعيم حماس يحيى السنوار العمل بشكل مستقل في البداية، وبعد ذلك طلب المساعدة على الفور. ان تردد ايران وحزب الله في قرار عدم الموافقة على طلبه في المرحلة الاولى انقذ اسرائيل من كارثة اكبر.
كلام متغطرس وزائد
الحروب الاقليمية الحقيقية لم تنته بعد، بل هي في حالة هدوء نسبي ومؤقت. ففي ايران المواجهة مع الامريكيين لا تشمل في هذه المرحلة اسرائيل. وفي لبنان تلقى حزب الله ضربة محلية بفقدان السيطرة على مرتفعات علي طاهر. وفي قطاع غزة يشن الجيش الاسرائيلي هجمات يوميا على اهداف لحماس، طالما ان عدد الضحايا المدنيين الفلسطينيين لا يصل الى مستوى يقلق الولايات المتحدة.
ولكن السيناريو الذي تم التدرب عليه غير بعيد عن الواقع المحتمل، وذلك لسببين. الاول هو ان حالة عدم الاستقرار وانفتاح ساحات القتال، تفسح المجال لتجدد التصعيد في ساحة أو اكثر. الثاني هو ان اسرائيل تدخل الى حالة عدم استقرار واضطرابات داخلية قبيل الانتخابات للكنيست بعد خمسين يوم. الجيش لن يقول هذا بشكل صريح، لكن الكثير الان يتوقف على سلوك الحكومة، الامر الذي من شأنه ان يشعل فتيل صراع اشد، عشية الانتخابات وفي عدة جبهات.
هذه ظروف مختلفة كليا عن حملات الانتخابات التي تعودنا عليها في السابق، رغم توترها. فالامر في هذه المرة على المحك: لن تخضع خطوات الحكومة وحدها للتدقيق، بل ايضا سلوك قيادتها. لقد جدد نتنياهو تهديده أمس لايران وحلفائها. ففي خطاب بمناسبة رأس السنة العبرية وفي جلسة لمجلس الوزراء اعلن نتنياهو وقال: “اذا اخطأت ايران وقامت بمهاجمتنا فستتلقى ضربة لا تتخيلها. نحن عازمون على استكمال مهمة اسقاط النظام – نهايته اصبحت قريبة. وأنا اقول للاعداء: لا تعبثوا معنا، هذا الشعب يعرف كيف يتوحد في الازمات، وهو حاليا اقوى قوة في الشرق الاوسط، والبعض يقولون انه اقوى من ذلك”.
هذه اقوال فارغة وتحذيرات فارغة، كان من الافضل لكل سياسي في اسرائيل تجنبها بعد كارثة 7 اكتوبر، لا سيما عندما يتعلق الامر بقائد حدثت المذبحة في ولايته. في الساحة الايرانية ما زالت اسرائيل تبدو بعيدة عن النصر، وتعتمد كل التطورات كليا على القرارات الامريكية. بل ان الرئيس الامريكي ترامب تصرف علنا لابعاد اسرائيل عن الساحة في الشهر الماضي، وما زال الجيش الاسرائيلي في حالة تاهب، استعدادا لشن هجوم فوري على الساحة الايرانية اذا لزم الامر.
يشير تقدير شعبة الاستخبارات الى احتمالية ان يقرر المرشد الاعلى مجتبى خامنئي – بسبب الضغط المزدوج على ايران، من خلال العقوبات الاقتصادية وفتح الممر الجنوبي امام شواطيء سلطنة عمان، ويسمح بمرور آمن نسبيا للسفن القادمة من السعودية والامارات في مضيق هرمز – تصعيد الموقف ضد اسرائيل. الآن يتم اطلاق الصواريخ الايرانية على كل دول المنطقة تقريبا باستثناء اسرائيل، وقد اصابت الصواريخ في الايام الاخيرة مدينة العقبة في الاردن قرب شاطيء ايلات.
وفيما يتعلق بالاحداث في جنوب لبنان فقد انهى الجيش الاسرائيلي بالفعل معالجة عشرات اعضاء حزب الله الذين كانوا يختبئون لبضعة اشهر في مرتفعات علي طاهر، وقد قتل تقريبا نصفهم، في حين هرب الآخرون كما يبدو (هيئة الاركان تؤكد على انه لم يترك لهم أي مخرج). ويستمر تدمير البنى التحتية في المنطقة، ولكن عند استكمال ذلك لن يكون هناك أي مبرر للتمسك باراضي في عمق لبنان وبعيدة نسبيا عن الحدود مع لبنان. والسؤال المطروح هو هل ستتمكن حكومة اليمين من تحمل آثار هذا التراجع الذي سيضعها في موقف محرج امام ناخبيها عشية الانتخابات؟.
-------------------------------------------
يديعوت احرونوت 7/9/2026
مباركٌ العتبة الانتخابية
بقلم: ناحوم برنياع
تُعدّ العتبة الانتخابية من أكثر الأدوات السياسية التي تعرضت للانتقاد في الحملة الانتخابية الحالية. أودّ أن أُشيد بها. ففي العام 2014، رفع الكنيست العتبة الانتخابية من 2 في المئة إلى 3.25 في المئة، أي عمليًا من مقعدين حتى ثلاثة مقاعد إلى أربعة. وكان حزب “إسرائيل بيتنا” هو من دفع بهذا القرار. اعتقد ليبرمان أن رفع العتبة الانتخابية سيُقصي القوائم العربية من الكنيست، لكنّ العكس هو ما حدث.
أخبرني جمال زحالقة، عضو الكنيست عن حزب “التجمع الوطني الديمقراطي”، أمس أن أعضاء الكنيست العرب تحدثوا مع نتنياهو في الغرفة الخلفية للجلسة العامة. قال لهم نتنياهو: “لا تُقنعوني، أقنعوا ليبرمان”، ثمّ تنصل من المسؤولية.
كان ديفيد روتيم ممثل ليبرمان في لجنة الدستور. وقدّم حجتين لتأييد رفع نسبة النصاب: الأولى، إجبار السياسيين على تعديل آرائهم؛ والثانية، منع فئة صغيرة من الابتزاز. أخطأ في الأولى، وأصاب في الثانية.
حدث عكس ما خطط له ليبرمان. فبدلاً من الاقتتال، كما جرت العادة منذ القدم، اختارت الأحزاب العربية التوحد. وحصلت الأحزاب الأربعة مجتمعة على 13 مقعدًا.
أُثير الجدل حول النصاب مجددًا في الانتخابات السابقة العام 2022، عندما خسرت الأحزاب ما يقارب 9 في المئة من الأصوات. وبقي حزب ميرتس خارج الكنيست، بفارق 4000 صوت فقط عن النصاب المطلوب، وكذلك حزب التجمع. وانعكس فشل ميرتس على الكتلة بأكملها: فلو دخل الكنيست، لكان ائتلاف نتنياهو قد حصل على 61 مقعدًا بدلًا من 64. ولما استمر أربع سنوات.
لم يكن اللوم على نسبة النصاب، بل على غطرسة السياسيين المعنيين. رفضت زعيمة حزب العمل، ميراف ميخائيلي، تشكيل كتلة فنية مع حزب ميرتس، رغم أنها سمعت من كل من حولها أنها تُعرّض الكتلة بأكملها للخطر. أنهت نتائج الانتخابات مسيرتها السياسية فعلياً، وكان ذلك خيراً. أصرّ حزب التجمع على الانتحار السياسي في صناديق الاقتراع، شريطة أن تتضرر الأحزاب الأخرى في الوسط العربي.
شكّلت دروس ميخائيلي والتجمع الخطاب في الحملة الانتخابية الحالية. تصادم اتجاهان: من جهة، سئم عامة الإسرائيليين من السياسيين الحاليين، وانجذبوا إلى الوجوه الجديدة؛ ومن جهة أخرى، تعاملوا بريبة مع أي شخص يدعوهم إلى حزب الأفلام. سأم من جهة، وعدم تسامح مطلق مع النفاق، أو الرسائل المزدوجة.
لنبدأ بالسأم: إنه شعورٌ يشمل الجميع، بدءًا من الشارع الحريدي الذي سئم من طبقة النشطاء التي تقوده وتُخيّب آماله لأجيال، مرورًا بحزب الليكود الذي انكشفت عيوب وزرائه وأعضائه في الكنيست خلال السنوات الأربع الماضية، حيث تجاوزوا كل الحدود وأفسدوا كل ما هو جيد فيه، وصولًا إلى أحزاب المعارضة التي لم يكن لها أي دور في الاحتجاجات ولم تتمكن من تفكيك الائتلاف الحالي، وانتهاءً بالأحزاب العربية التي وقفت عاجزة أمام ظاهرة بن غفير.
لا يقتصر الأمر على فشل السابع من أكتوبر، أو استمرار الحرب بلا حل، أو فقدان الحكم والأمن الشخصي، أو غلاء المعيشة وتدهور التعليم: كل ناخب يشعر بالسخط لأسبابه الخاصة، لكن الاستياء عام. حتى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بنتنياهو وبن غفير وسموتريتش والكتلة الأخرى في لابيد، يأملون في وجوه جديدة. لا يملك قادة الأحزاب خيارًا سوى الرد: فبغض النظر عن نتائج الانتخابات، سيضم الكنيست المقبل نسبة عالية جدًا، وربما قياسية، من الأعضاء الجدد.
لننتقل إلى الشكوك: لقد أُغلِقَ باب تقديم قوائم جديدة فعليًا مع تأسيس حزب “يشار!” بزعامة غادي آيزنكوت. كل حزب ظهر منذ ذلك الحين، سواءً من الوسط أو اليمين أو اليسار، واجه جدارًا من انعدام الثقة. كان من المحزن رؤية سياسيين مخضرمين مثل جلعاد أردان، ويولي إدلشتاين، وحيلي تروبر، ويوعاز هندل يقدمون للجمهور منتجًا لا يجد له مشترين في صناديق الاقتراع. أدرك أردان وإدلشتاين وتروبر خطأهم في الوقت المناسب، بينما لا يزال هندل يحاول. إن فكرة دخول مجموعة من السياسيين ذوي النوايا الحسنة إلى الكنيست وإجبار الحزبين الرئيسيين على الانفصال عن شركائهما وتشكيل حكومة وحدة وطنية، منفصلة عن الضرورة الديمقراطية والواقع السياسي. لا يمكن كسر الاستقطاب بأربعة أصابع. لقد أدرك الناخبون ذلك، وساعدتهم العتبة الانتخابية على فهمه. مباركةٌ العتبة الانتخابية.
هناك ثلاثة أحزاب متبقية تتأرجح بين تحت العتبة الانتخابية وتجاوزها. لا داعي للقلق بشأن صهيونية سموتريتش الدينية: إذا استمرت استطلاعات الرأي في قسوتها عليها، فسينقذها نتنياهو. كل ما عليه فعله هو إخبار ناخبي الليكود في المناطق (27 ألف صوت في الانتخابات السابقة) أنه هذه المرة، فقط هذه المرة، يطلب منهم التصويت لحزب صديقه وجاره بتسلئيل سموتريتش. إنها مسألة حياة أو موت: بأصواتهم سينقذون الكتلة، واليمين، وأرض إسرائيل. قد يخسر الليكود مقعدًا، لكن هذا ليس ما يقلق نتنياهو الآن.
الحزب الثاني المتأرجح هو حزب عوفر فينتر “شعب اسرائيل”. يلبي هذا الحزب توقعات الوجوه الجديدة، والتوجه نحو اليمين، وجاذبية الزي العسكري. لكن اهتمام الناخبين بفينتر تضاءل بمجرد إعلانه التزامه (بالقسم) بنتنياهو. فما الجديد تحديدًا الذي سيضيفه في المسافة الفاصلة بين نتنياهو وبن غفير؟
وأخيرًا وليس آخرًا، غانتس. استقطب نادي مكابي تل أبيب لكرة القدم مجموعة من النجوم المخضرمين في موسم 2005/2006: إيال بيركوفيتش، آفي ناماني، جيوفاني روسو. أُطلق عليهم لقب “غالاكتيكوس” في الأوساط الرياضية، لكنهم لم يكونوا يريدون سوى الحصول على رواتبهم، وإشباع غرورهم، والعودة إلى ديارهم سالمين. وانتهى الأمر بهزيمة مُذلة. السياسيون، مثل لاعبي كرة القدم، بحاجة إلى علاقات. كونهم غير مرغوب فيهم في أي مكان آخر لا يُعزز هذه العلاقات. لولا كان المال العام هو الموضوع ، لكان الأمر مُحزنًا للغاية.
-------------------------------------------
معاريف 7/9/2026
بين التأهب والردع
بقلم: افي اشكنازي
قبيل رأس السنة يجد جهاز الامن نفسه في حالة تأهب عليا. فمذبحة 7 أكتوبر لا تزال تصدح في الجيش الإسرائيلي وفي جهاز الامن. قول وزير الدفاع إسرائيل كاتس في أن “الإيرانيين يحبون الهجوم في أعياد اليهود لانهم يكرهون اليهود” قد يبدو صبيانيا، لكنه ليس تماما بلا أساس. في جهاز الامن التقدير هو أنه يوجد احتمال عال لحدث امني متفجر، ضمن أمور أخرى بسبب الوضع في الخليج وحقيقة ان كل الساحات مفتوحة. كما يفهمون في جهاز الامن أيضا بان ايران تنتظر تنفيذ خطوة ثأرها من إسرائيل.
نشرت هيئة الامن القومي أمس تعليمات لاتخاذ خطوات حذر في خارج البلاد، واساسا إخفاء علائم إسرائيلية. حسنا. فثمة مناطق عديدة في تايلند، فيتنام، اليونان، قبرص، ميامي ومواقع سياحية أخرى، من الصعب على المرء ان يسمع العبرية من كل صوب. ناهيك عن محلات شبكات الموضة الكبرى، التي يمكن ان يوجد فيها في كل زمن معين إسرائيليون اكثر مما يوجد في التجمعات التجارية في البلاد.
في جهاز الامن يعترفون بانه لا يوجد مؤشر محدد لعملية مضادة في الخارج. ما يوجد بالتأكيد هو الدافع والقدرة لدى خلايا حزب الله، حماس والجهاد الإسلامي وكذا الطواقم القتالية للحرس الثوري، الكفيلة بان تعمل تقريبا في كل نقطة على وجه المعمورة.
أمس استيقظ الجيش كله قبل قليل من الساعة 5:00 في تدريب مفاجيء اعده رئيس الأركان الفريق ايال زمير. المناورة التدريبية “بزوغ الفجر 2” تسعى لان تفحص على نحو مفاجيء مستوى جاهزة الجيش لحرب شاملة في كل واحدة من الساحات.
في المناورة التدريبية كانت قوات الجيش الإسرائيلي مطالبة بان تتصدى لكل سيناريو محتمل: هجمات حوامات، تسلل مخربين من البحر، نار هاون وصواريخ، اجتياح لبلدات، اخذ رهائن وغيرها.
الحقيقة هي انه ما كانت حاجة للمناورة التدريبية كي نفهم بان الجيش الإسرائيلي مطالب بتحفز عالٍ. فمراجعة يومية في الساحات المختلفة تدل على مدى التوتر – من حدود سوريا، عبر لبنان والضفة وحتى قطاع غزة.
تناول رئيس الأركان أمس الوضع الأمني وقال: “نحن نوجد في فترة متوترة وقابلة للانفجار في عموم الساحات ونستعد لفترة الأعياد القريبة. نحن نواصل استخلاص الدروس، وكما حددت – الوضع الأساس الذي يكون فيه الجيش الإسرائيلي كله هو الجاهزة لهجوم مفاجيء”.
وبالتالي في الجيش الإسرائيلي كفيلون بان يحافظوا على حالة تأهب عالية، لكن التأهب العسكري لا يكفي. السؤال الكبير هو هل استيقظ المستوى السياسي وهل حدد عقائد ردع عموم المشاركين في المنطقة. عندما اطلق الإيرانيون النار في نهاية الأسبوع على سفينة للجيش الأمريكي، سرعان ما اكتشفوا ما هو الرد – اغراق ناقلتي نفط ايرانيتين.
هكذا بحيث أنه فضلا عن المناورات العسكرية، التي ننتصر فيها دوما، وفضلا عن التحفظ العالي، من الأهمية بمكان ان يقوم المستوى السياسي بواجبه فينقل الرسالة لكل الجيران في الغابة حول فيلتنا في الشرق الأوسط.
----------------انتهت النشرة-----------------