الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاحد 16/8/2026 العدد 1687
|
الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
هآرتس/ ذي ماركر 16/8/2026
هذه هي الحرب الأكثر كلفة: 420 مليار
بقلم: سامي بيرتس
عند دراسة التاريخ الاقتصادي لإسرائيل نجد في كل عقد حدثا جللا هز الاقتصاد وغير ملامحه تماما: التعويضات من المانيا في خمسينيات القرن الماضي، حرب الأيام الستة في ستينيات القرن الماضي، فشل حرب أكتوبر في سبعينيات القرن الماضي، انهيار البنوك والتضخم المفرط في ثمانينيات القرن الماضي وموجة الهجرة الكبيرة في تسعينيات القرن الماضي. في العقد الأول من الالفية الجديدة شاهدنا ازمة اسهم التكنولوجيا والركود الاقتصادي الناتج عن الانتفاضة الثانية، وفي العقد الماضي برزت التكنولوجيا المتقدمة كمحرك رئيسي للنمو، وشاهدنا اكتشافات هامة. في العقد الحالي اعتقدنا ان وباء الكورونا هو الحدث الأبرز الى ان وصلنا الى 7 أكتوبر 2023.
الحرب التي بدات في ذلك اليوم هي الأطول والأكثر تكلفة في تاريخ الدولة. فقد تركت صدمة نفسية عميقة في نفوس الشعب الإسرائيلي، وستستمر آثارها – بما في ذلك على الاقتصاد – لسنوات كثيرة قادمة.
استمرت الحرب تقريبا ثلاث سنوات. وحسب احد التقديرات بلغت تكلفتها المالية حتى الان 420 مليار شيكل، وستصل في القريب الى نصف تريليون شيكل. يقول احد رؤساء الأركان السابقين: “ثمن يوم واحد من الضعف هو باهظ جدا، لذلك يجب ان لا يتكرر”. سيفرض الواقع الأمني الراهن والصدمة الوطنية إضافة مئات مليارات الشواقل للميزانية في السنوات القادمة.
تثير هذه الأرقام الافتراضية الكثير من التساؤلات المقلقة: هل حصلنا على القدر الكافي من الامن الوقت مقابل الأموال التي انفقناها؟ هل كان يمكن تحقيق نفس الإنجازات بتكلفة اقل؟ والسؤال الذي سيشغلنا بشكل خاص تقريبا هو من الذي سيدفع نفقات الحرب؟.
من اجل الحصول على إجابة على السؤال الأول علينا الانتظار لسنوات قادمة، فالحملة لم تنته حتى الان ولم تغلق أي جبهة. يقول مصدر اقتصادي: “لو حصلنا على القدر الكافي من الامن، لما كانت هناك حاجة الى مضاعفة ميزانية الدفاع في العقد القادم”. أما السؤال الثاني فتوجد له أجابة واضحة، وهناك اجماع واسع عليها وهي: صدمة 7 أكتوبر أدت الى استنزاف حاد للميزانية، وحرب مهدرة – باستخدام السلاح والذخائر، والاعتماد المفرط وغير المعتاد على قوات الاحتياط.
أما الإجابة على السؤال الثالث فستشغلنا مباشرة بعد الانتخابات. فقد أدت الحرب الى زيادة الدين الوطني بحوالي 400 مليار شيكل، وستتطلب إضافة مئات المليارات من الشواقل لميزانية الدفاع في السنوات القادمة. لا شك ان جهة ما ستمول كل ذلك، لكن من هي هذه الجهة؟.
في سلسلة مقالات ستنشر في صحيفة “ذي ماركر” في الأسابيع القادمة سنتناول هذه المسائل الاقتصادية المقلقة وغيرها من المسائل الناتجة عن الحرب. ومن اجل اعداد هذه السلسلة تحدثنا مع عشرات الأشخاص، بعضهم شغل مناصب رفيعة اثناء الحرب وبعضهم ما زال يشغلها. معظمهم رفضوا إعطاء تصريحات شخصية: سيتم التحقيق في اكبر اخفاق في تاريخ البلاد من قبل لجنة تحقيق رسمية، ولا أحد يتطوع لتقديم معلومات أو تصريحات مثيرة للجدل. يحتفظون بما لديهم لقوله للجنة التحقيق الرسمية، وبعضهم يفعلون ذلك بناء على نصيحة من المحامين. تعمل هذه الجهات في أجواء شك وريبة، سواء بين المستويات السياسية والأمنية أو في كل مستوى على حدة. وهناك الكثير من اللوم المسؤولية التي يجب تقاسمها.
اطلع مسؤول سابق رفيع المستوى من المؤسسة الأمنية مؤخرا على تكلفة الحرب، وتساءل ماذا كان سيحدث لو انه توفر للجيش حتى 10 في المئة فقط من هذه الأموال قبل 7 أكتوبر. هل كان يمكن تجنب المذبحة؟ هل كان يمكن تقليص الاضرار الناتجة عن اقتحام حماس للمستوطنات والقواعد في غرب النقب؟. وكانت الإجابة المفاجئة هي “لا”.
يقول احد كبار المسؤولين في هيئة الأركان العامة، المطلع على عملية اتخاذ القرارات منذ بداية الحرب: “لا يمكن الجزم بأنه لو توفرت للجيش ميزانية اكبر لكانت الكارثة قد تم تجنبها، لكن على كل المجتمع الإسرائيلي إعادة النظر في ميزانية الجيش غير الكافية في السنوات الأخيرة”. ويعتقد نفس هذا المسؤول أيضا ان الحرب طالت لفترة طويلة جدا، وانه كان يمكن تحقيق نفس النتائج، أو حتى افضل منها، في حرب اقصر، لو ان القيادة السياسية اهتمت بالترتيبات السياسية.
ويطرح سؤال بطبيعة الحال: هل ستمنع زيادة الموارد الان وقوع خطأ فادح آخر؟. تستعد إسرائيل لانفاق حوالي 1.5 تريليون شيكل على الامن في العقد القادم، وهي تعد نفسها لما اسماه المدير العام في وزارة الدفاع، الجنرال احتياط امير برعام، في وثيقة “الاستراتيجية وتوجهات العمل”، التي وضعها بعد تولي منصبه في آذار 2025، لـ “عقد الأشجار”. هذا يحدث حتى قبل التحقيق في اكبر اخفاق في تاريخ البلاد، وبدون ان تجري الحكومة عملية منظمة لصياغة مفهوم امني محدث، والاهم من ذلك، بدون ان تحدد الحكومة ورئيسها نتنياهو مصادر تمويل هذه الزيادة الكبيرة على الميزانية: من أين ستأتي الأموال وما هي التكلفة؟.
هذا يحدث في وقت يبدو فيه ان المساعدات الأمنية الامريكية، التي تبلغ 3.8 مليار دولار في السنة، ستتقلص في القريب وستتوقف كليا في السنوات القادمة. والاسوأ من ذلك هو انه في وقت تكتفي فيه الحكومة في تجاهل معالجة النقص الكبير في القوة العاملة في الجيش الإسرائيلي، بل سعت أيضا الى سن قانون يمنع اعتقال المتهربين الحريديين حتى موعد الانتخابات.
لكن الجيش لا يستطيع الانتظار حتى الانتخابات. ومثلما كتبت المستشارة القانونية للحكومة في تموز 2026 ردا على المحكمة العليا في التماس ضد قانون الغاء اعتقال المتهربين الحريديين: “لقد تغيرت احتياجات الجيش الإسرائيلي للقوة العاملة بشكل جذري، واصبح تعزيز صفوف الجيش ضرورة امنية ملحة ومستعجلة ووجودية”.
كان محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور امير يارون، قد جهز حقيبته للسفر الى مؤتمر البنك الدولي في المغرب، لكنه الغى الرحلة في الساعات الأولى للمذبحة، قبل ان تتضح فظاعة المذبحة. كان الخوف من ان تتسبب الكارثة في انهيار سوق الأوراق المالية، الذي كان من المقرر افتتاحه في اليوم التالي. هو تردد اذا كان من الصحيح افتتاحه. وفي نهاية المطاف افتتح خشية ان يؤدي اغلاقه الى تفاقم حالة الذعر الوطني.
كانت وزارة المالية تناقش بدورها ما يجب فعله في ذلك الحين. كان من الواضح ان إسرائيل تواجه حرب، لكن لماذا يجب عليها الاستعداد؟ وسعيا منها لاتخاذ اجراء، نظرت وزارة المالية في تكلفة الاحداث الأمنية السابقة، وحاولت وضع حسابات لتقديمها لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش. لم يكن لأي من وزراء الحكومة ما يقوله للجمهور في ذلك الحين، وفي مثل هذه الظروف فان العبارة الوحيدة التي توحي بالسيطرة على الوضع هي: “نحن بصدد تقييم الوضع”.
لكن لم تكن هناك سيطرة على الوضع في ذلك الحين. لم يدرك رئيس الأركان حجم وشدة هجوم حماس الا بعد الظهر. لم يكن احد يعرف في حينه ان الحرب ستستمر تقريبا ثلاث سنوات، وستمتد الى جبهات بعيدة، من اليمن الى طهران، ومن بيروت الى رفح.
لم يقم احد باجراء أي حساب اقتصادي. طوال الحرب لم تكن الأموال موضع اعتبار. صدرت الأوامر بدون تفكير وتم تجنيد آلاف جنود الاحتياط، الذين خدموا لفترة طويلة حتى في ظل غياب الحاجة اليهم، أو عندما كان يمكن اختيار حلول اقل تكلفة، وفي مجال التسلح كان اطلاق النار اسهل من أي وقت مضى.
تمثلت الإجراءات الفورية التي اقرت في 7 أكتوبر في تعبئة قوات الاحتياط لعدد من سرايا حرس الحدود وتخصيص 600 مليون شيكل لنقل الجنود والغذاء والمعدات والسلاح الثقيل من كل ارجاء البلاد الى الجبهتين الشمالية والجنوبية. حدثت المذبحة في يوم عطلة، حيث كانت وسائل النقل العام متوقفة، الامر الذي تطلب توفير وسائل نقل. في الأيام العادية يحتفظ الجيش بمتوسط 6 آلاف جندي احتياط. وفي غضون أيام من اندلاع الحرب تم تجنيد حوالي 220 الف جندي احتياط، وتضاعف حجم الجيش الإسرائيلي. وتطلب هذا تخصيص سريع للموارد اللازمة للمعدات والغذاء والنوم.
لقد فاجأ العدد الكبير من جنود الاحتياط الجيش. فرقة شاركت في القتال في غزة لم تكن مدربة على الاطلاق على دخول قطاع غزة. ويقول الضابط المسؤول: “عندما ترسلهم الى غزة، لا تجد لديهم المعدات المناسبة. كان الجميع يبحثون عن الخوذ والسترات الواقية في كل مكان”.
كانت الرسالة التي نقلها المدير العام في وزارة الدفاع في حينه ورئيس الأركان الحالي ايال زمير، والمستشار المالي لرئيس الأركان في حينه العميد غيل بنحاس، هي: “اعملوا. لا تنشغلوا بالاموال”. هذه ليست عبارة يسمعها القادة عادة. وهم ليسوا لوحدهم. نتنياهو الذي كان ما يزال مصدوم من الفشل الذريع والخسائر الكبيرة وعدد الأشخاص الذين تم اخلاءهم من بيوتهم (اكثر من 200 ألف شخص)، قال في بداية الحرب: “هناك أموال للجميع”، في محاولة لتهدئة الرأي العام القلق. وفي بيان مشترك مع سموتريتش في مقر وزارة الدفاع في 2 تشرين الثاني 2023، قال: “توجيهاتي واضحة. افتحوا الصنبور واعطوا الأموال لكل من يحتاجها”.
وقد تم فتح الصنبور. في قواعد الجبهة الداخلية تضاعف عدد الجنود عشرة اضعاف أو اكثر مقارنة مع الأيام العادية، واضطر الكثير من جنود الاحتياط الى النوم في السيارات وفي شقق مؤقتة وفي مؤسسات عامة قرب القواعد. في قاعدة سديه تيمان في الجنوب تم تحويل ورشة لصيانة السيارات الى مساكن. نصف الجنود فيها أسرة مؤقتة وناموا ساعات طويلة. بعد عدة أسابيع من بدء العملية البرية في غزة اجبروا على اخلائها لصالح مستخدمين آخرين – عناصر مخربي النخبة الذين اعتقلوا في القطاع.
مقارنة مع ظروف النوم الصعبة كان الطعام فاخر نسبيا. أرسلت مطاعم كثيرة وعدد من المتطوعين شحنات ضخمة من الطعام والكثير من المعدات الى القواعد. وجد الجنود انفسهم بدون مأوى، لكنهم استمتعوا بالوجبات التي وصلت مباشرة من المطاعم في تل ابيب. ووجد حل بسرعة للجنود الذين يلتزمون بالاكل الحلال من خلال اشراف جمعية حاخامات تساهر، التي تم تجنيدها للحملة.
الناس أصيبوا بالصدمة من هذا السلوك
عندما بدأت العملية البرية في غزة في نهاية تشرين الأول 2023، كان الاعتقاد السائد انهم سيخوضون حملة ستستمر لثلاثة اشهر على الأقل، لكن مخزون الذخيرة لدى الجيش كان يكفي لحروب اقصر. قال ضابط سابق في هيئة الأركان: “في الواقع، في بعض المناطق، كان لدينا مخزون اقل من المطلوب لحرب قصيرة، في حين كان الاستهلاك الفعلي ضعف ما كان مخطط له”.
هل دفع الشعور بالاهانة الذي ساد في 7 أكتوبر الى استخدام قوة نارية مفرطة؟. قال مسؤول سابق رفيع المستوى في هيئة الأركان: “في الأسابيع الأولى اطلقوا النار بكثافة. جزء من المهمة هو الدخول بقوة مفرطة لكسب الثقة. ولكن في مرحلة معينة لم يعد لدينا قذائف 120 ملم (للدبابات)، لم نجدها في أي مكان في العالم. رفضت الولايات المتحدة تزويدنا بها بحجة نقصها. كل ما كان لدينا كان في الدبابات، ولم يكن هناك ما يكفي منها أيضا”.
لقد اجبر عدد القذائف التي اطلقت في الأسابيع الأولى شعبة العمليات في هيئة الأركان على اصدار أوامر لقيادة المنطقة الجنوبية بتخصيص قذيفتين فقط لكل دبابة كل يوم، ليس اكثر. وقال ضابط رفيع في هيئة الأركان في حينه: “في مرحلة معينة عرفوا ضرورة توفير القذائف لعملية في لبنان، بدأت في صيف 2024. عندما غير الجيش استراتيجيته وبدأ ينظر الى لبنان كساحة رئيسية والى غزة كساحة ثانوية”.
لم يقتصر النقص على القذائف فقط، بل شمل أيضا القنابل الدقيقة بوزن طن، التي تأخر وصولها بأمر من إدارة الرئيس الأمريكي في حينه جو بايدن، خشية دخول الجيش الإسرائيلي الى رفح. وقد تم احتجاز شحنة بوزن 1800 طن من القنابل في ميناء امريكي بأمر من الرئيس الأمريكي.
هذه كانت في الواقع احد القضايا الاقتصادية والأمنية التي كانت محل خلاف بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية. قبل دخول رفح في أيار 2024 ابلغ رئيس الأركان هليفي رئيس الحكومة نتنياهو ان الوقت قد حان للتوجه شمالا لمحاربة حزب الله، شريطة وجود مخزون كاف من السلاح. اقتنع نتنياهو بذلك، لكن وزير المالية سموتريتش هدده بانه اذا قام بإلغاء امر دخول رفح فانه “لا يحق لحكومتك الاستمرار”. وكان هذا كاف لتغيير القرار مرة أخرى. بعد ذلك شكل الحظر الذي فرضه جو بايدن (الذي تم رفعه عند وصول ترامب الى البيت الأبيض) ذريعة لخطاب نتنياهو الشهير، الذي تحدث فيه عن ضرورة زيادة الإنتاج المحلي للسلاح وتقليص الاعتماد على المصادر الخارجية.
من المفروض ان يخضع مثل هذا القرار المهم لنقاشات معمقة في المجلس الاقتصادي بسبب تاثيره الكبير على الاقتصاد، ولكن هذا لم يحدث. فقد اجتمع الكابنت الاقتصادي برئاسة نتنياهو عدة مرات، على الاغلب بدون نتنياهو نفسه، لكن برئاسة وزير المالية سموتريتش. ووصف مسؤول اقتصادي شارك في اجتماعين النقاشات بانها “مخجلة”. فبدلا من فحص التداعيات الاقتصادية الكبيرة جدا للحرب، انشغلوا بقصص وحكايات لا تساهم في تقدم النقاش. وحسب قوله “تحدثوا عن أمور تافهة”. احد الوزراء روى قصة عضو في المركز ابلغ عن مشكلة في فندق في ايلات، جلبوا عناصر من جمعية “زاكا” من اجل تقديم التحية لهم على عملهم. هذا كابنت كان من المفروض ان يتخذ قرارات وليس الانشغال بالمجاملة. لقد أصيب الناس بالصدمة من هذا السلوك.
انتقد مراقب الدولة أيضا ضعف أداء الكابنت الاقتصدية وقلة فعاليته وقرار سموتريتش تعيين مدير لمركز التحكم لتنسيق علاج المشكلات المدنية، الذي استقال بعد شهرين ونصف. وقد فشل سموتريتش في ممارسة صلاحياته، وقال ان فشل مركز التحكم وضعف أداء الكابنت الاقتصادي خلال الحرب ناتج عن صعوبات خلقها مسؤولون في وزارة المالية ووزارة العدل وهيئة الخدمة المدنية. الموظفون هم المذنبون، لكن ماذا يعني ذلك.
لقد تم اتخاذ القرارات الاقتصادية الهامة في بداية الحرب في أماكن أخرى: في بنك إسرائيل، الذي قرر – بالتشاور مع رئيس البورصة التنفيذي – فتح البورصة لاظهار السيطرة على الوضع، مع اعلان نية البنك المركزي بيع تقريبا ما يصل الى 30 مليار دولار لمنع انهيار الشيكل، وفي الحوار الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة التي أرسلت السلاح جوا وزادت المساعدات الأمنية بحوالي 8.7 مليار دولار.
------------------------------------------
هآرتس 16/8/2026
نحو نصف الدروز في الجولان اصبحوا مواطنين، فهل سيصوتون؟
بقلم: عيدي حشمونائي
في هذا الصيف تجاوزت درجة الحرارة المعدل الطبيعي ووصلت الى جبل الشيخ. حتى في مجدل شمس، اعلى بلدة في البلاد، يصعب إيجاد ملاذ من الحر الشديد.
يتحدث وليد (اسم مستعار)، وهو من سكان مجدل شمس (35 سنة)، عن تحول جذري ويقول: “خلال 60 سنة كان الناس هنا يخشون التعبير عن موقفهم من النظام السوري، خوفا من اضطهاد أقاربهم وراء الحدود. لكن مذبحة الدروز في السويداء غيرت المشهد. انا اشعر اننا نقترب من استكمال عملية اندماج الدروز في هضبة الجولان في المجتمع الإسرائيلي. نحو عهد جديد”.
تؤكد البيانات التوجه الذي يتحدث عنه وليد. فهذه الصحوة المدنية من شأنها ان يتم التعبير عنها في صناديق الاقتراع. ففي العام 1981، عندما تم سن القانون الذي ضم هضبة الجولان رسميا، رفض معظم سكان الهضبة الدروز قبول الجنسية الإسرائيلية، واعلنوا الولاء لسوريا، وطنهم. بل ان القيادة الدينية المحلية فرضت مقاطعة دينية واجتماعية على الذين حصلوا على الجنسية. استمر هذا الوضع لثلاثة عقود، حتى اندلاع الحرب الاهلية السورية التي مثلت تغيير بطيء ولكنه ثابت. زاد عدد الدروز الذين قدموا طلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وحصلوا عليها بشكل متزايد، من بضعة افراد الى عشرات، بعد ذلك من عشرات الى مئات. مع ذلك، حتى قبل ثلاث سنوات لم يكن الا خمس الدروز في هضبة الجولان لديهم الجنسية.
في السنة والنصف الأخيرين حدث تحول جذري. فقد قفز عدد المتقدمين للحصول على الجنسية من مئات الى آلاف. ففي العام 2024 تقدم 572 شخص من سكان القرى الدرزية الأربعة بطلبات للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وفي 2025 تضاعف عدد الطلبات ستة اضعاف ووصل الى 3750 طلب. ويستمر هذا التوجه في العام الحالي. ففي النصف الأول من هذا العام تقدم 1444 درزي في هضبة الجولان بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية. في غضون ثلاث سنوات تضاعفت نسبة المواطنين من بين السكان الدروز في هضبة الجولان الذين لديهم الجنسية اكثر من ضعفين، من 20 في المئة في 2023 الى 44 في المئة تقريبا في 2024.
يتفق سكان هضبة الجولان والباحثون في شؤون الدروز على السبب الرئيسي لهذا التحول: مذبحة الدروز في السويداء في تموز الماضي ورد فعل إسرائيل. يقول الدكتور سليم بريك، عالم السياسة المتخصص في دراسة المجتمع الدرزي في إسرائيل: “انا اعتقد ان الدروز في هضبة الجولان سقطوا ضحية للظلم. ويعود هذا بالأساس الى ان إسرائيل كانت الدولة الوحيدة التي وقفت الى جانب الدروز في سوريا، رغم انتقاداتهم للحكومة. وقد تم تنفيذ المذبحة على يد مليشيات سنية بتشجيع من النظام. وبعد احتجاجات الدروز في إسرائيل، شملت مئات من سكان هضبة الجولان الذين عبروا الحدود الى سوريا، شن الجيش الإسرائيلي هجوم على السويداء وبعد ذلك على دمشق. ويوضح بريك انه في اعقاب هذه التطورات “اصبح السكان الموالين لسوريا في هضبة الجولان اقلية هامشية”.
يقدر بريك ان الزيادة الحادة في عدد المواطنين الحاصلين على الجنسية ترتبط أيضا بالكارثة التي وقعت في مجدل شمس قبل سنة، في تموز 2024، عندما قتل 12 طفل في ملعب كرة القدم في المدينة بسبب سقوط صاروخ اطلقه حزب الله. “حصل السكان في حينه على دعم كبير من الإسرائيليين واليهود في كل ارجاء العالم”. قال سلمان (اسم مستعار)، وهو من سكان مجدل شمس في الستينيات: “ما حدث في السويداء جعل الكثير من السكان يشعرون انهم لم يعودوا ينتمون لسوريا. نحن نعرف ان منفذي المذبحة هم متطرفون، بما في ذلك قوات احمد الشرع. ولكن حتى السنة الليبراليين في سوريا لم يظهروا الا ادانة ضعيفة”. لم يتقدم سلمان نفسه بطلب للحصول على الجنسية الإسرائيلية حتى الان. وهو يوضح: “تاثر اعلان الدروز بالولاء لسوريا في 1951 أيضا بالانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء كجزء من اتفاق السلام مع مصر”. وبحسبه كان السكان يخشون من توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا ذات يوم، وأن تنسحب إسرائيل من هضبة الجولان. “لكن منذ وصول الشرع الى السلطة صدرت عدة تصريحات من الإدارة الجديدة تشير الى توجه مختلف. ففي بث تلفزيوني سوري قبل سنة ازالوا هضبة الجولان من خريطة سوريا لأول مرة، وانا اعتقد ان تردد النظام السوري الجديد بشأن هضبة الجولان يؤثر على السكان هنا بدرجة معينة”.
هل ستنعكس عملية الاسرلة على نسبة المشاركة في الانتخابات؟ سيتمكن آلاف المواطنين الجدد من التصويت للمرة الأولى في الانتخابات، لكن من غير الواضح كم عدد الذين سيختارون استخدام حقهم. يقول وليد بابتسام: “اعتقد ان الشباب سيصوتون، لكن السكان هنا لا يناقشون الامر حاليا. الخطاب السياسي الإسرائيلي الداخلي لا يعتبر جزء من ثقافتنا حتى الآن، لكن تذكروا ما قلته لكم – نحن سنتعلم مع مرور الوقت”.
في الواقع، رغم ان المقيمين الدائمين الذين لا يحملون الجنسية، لهم الحق أيضا في التصويت في الانتخابات المحلية، الا انه لم يتم فتح مراكز اقتراع في التجمعات الدرزية الأربعة الا في العام 2018. وحتى ذلك الحين، على مدى خمسين سنة، كانت وزارة الداخلية تعين رؤساء المجالس بنفسها. لم تكن الحملة الانتخابية الأولى سلسة أيضا، حيث اعلن شيوخ المنطقة مقاطعة أي شخص يرغب في المشاركة. انسحب الكثير من المرشحين، وكانت نسبة الاقبال منخفضة جدا. ففي بقعاتا مثلا، اعلن عن فوز المرشح الوحيد الذي بقي في السباق. وفي مجدل شمس، اكبر التجمعات السكانية، لم تتجاوز نسبة المشاركة 3 في المئة من السكان.
في الانتخابات المحلية التالية في 2024 حدث تغير ملحوظ. فرجال الدين لم يتدخلوا وارتفعت نسبة المشاركة. ففي بقعاتا مثلا ترشح أربعة من السكان لرئاسة المجلس، وبعد فشلهم جميعهم في الحصول على 40 في المئة من الأصوات تم اجراء جولة ثانية.
يقول رئيس مجلس بقعاتا وليام أبو عوض: “انا اعتقد ان السكان سيشاركون في الانتخابات العامة. لقد تم تمهيد الطريق بالفعل. وأنا الاحظ، لا سيما في أوساط الشباب، دافع قوي لاستخدام حق التصويت”. ويعتقد عوض أيضا ان احداث السويداء كان نقطة تحول. ويؤكد على ان التغيير يلاحظ أيضا في نسبة تجند الشباب للجيش الإسرائيلي. وحسب قوله “هناك أيضا بداية للتنظيم من اجل الانتخابات. فقد بدأ ممثلو الأحزاب البارزة في التجول في القرى”. ويضيف أبو عوض بانه حتى الانتخابات الأخيرة كان السكان الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية يذهبون للتصويت في مراكز الاقتراع التي أقيمت في الكيبوتسات والمستوطنات الزراعية القريبة. وفي 2022 أقيم اول مركز اقتراع في بقعاتا.
خلافا لما كان سائد في السابق، والممارسات المتبعة في قطاعات أخرى، لا يتوقع في هذه المرة ان تتدخل القيادة الدينية في الانتخابات. وقد صرح الشيخ طاهر أبو صالح، الزعيم الروحي للدروز في هضبة الجولان، في حديث له مع “هآرتس”: “لن تكون هناك أي مقاطعة. أنا لا اجري مقابلات في العادة. ولكني سأقول هذا: كل شخص له حرية اختيار ما يريد. نحن لا نتدخل، هذا اختيار حر. الشيء الوحيد الذي يهمنا هو ان تقدم الحكومة التي ستشكل الدعم لاخواننا الدروز في السويداء وفي سوريا بشكل عام”.
------------------------------------------
يديعوت 16/8/2026
لدى لبنان واسرائيل مصلحة للاستفادة من الاهتمام الأمريكي لاتمام صفقة سياسية
بقلم: تساحي هنغبي
رئيس هيئة الامن القومي ومستشار الامن القومي سابقا
ينبغي على إسرائيل أن تأخذ دعوة جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، بمناسبة الذكرى السادسة لاتفاقيات أبراهيم، على محمل الجد. فقد كتب كوشنر: “ان الشرق الأوسط يقف مرة أخرى عند مفترق طرق. هناك الآن فرصٌ سانحةٌ قد يعتبرها الكثيرون مستحيلة. لقد فاجأنا العالم مرةً. مع القيادة الرشيدة، والتركيز، والصبر، والشجاعة، أعتقد أننا قادرون على تكرار ذلك.”
لا أعرف في أي مجال يتوقع كوشنر تحقيق اختراق. في غزة، ثمة تحركات إيجابية من جانب “مجلس السلام”، لكن من المتوقع أن يكون التقدم نحو نزع السلاح من القطاع، إن حدث أصلاً، بطيئاً ومحبطاً. أما سوريا؟ فيُظهر الرئيس الجديد، الشرع، اعتدالاً وجدية، لكنه لم يُبدِ أي إشارة إلى إدراكه أن إسرائيل لن تنفصل أبداً عن مرتفعات الجولان.
كانت السعودية قد أشارت قبل مجزرة 7 أكتوبر إلى استعدادها للمشاركة في الخطوة الكبرى التي أطلقتها إدارة بايدن، لكن في السنوات التي تلت ذلك، تغير المسار بشكل لا يترك مجالاً للتفاؤل المفرط.
يبقى لبنان قائماً. إذا كان هذا ما يقصده كوشنر، فهو مُحق تماماً. سأذكر من نسي: تذكروا الاسم جيداً. هوكشتاين. عاموس هوكشتاين. عندما يجلس قادة إسرائيل ولبنان على جانبي الرئيس ترامب ويوقعون اتفاقية السلام بين البلدين، لن تروا عاموس في الصورة. بصفته مبعوثًا خاصًا لم يسبق له العمل إلا في عهد رؤساء ديمقراطيين، ستبقى أبواب البيت الأبيض موصدة في وجهه حتى كانون الثاني 2029 على الأقل. لكن لا يمكن تصور مثل هذا الاتفاق دون الجهود الحثيثة التي بذلها أوباما والمبعوث الأمريكي لبايدن لرسم واقع جديد في العلاقات اللبنانية الإسرائيلية.
لقد بدأ هذا بمساهمته الفريدة في توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين في 27 أكتوبر 2022. هذه الاتفاقية، كما نتذكر، تعرضت لانتقادات بسبب امتناع الحكومة آنذاك، رغم توصية المستشار القانوني، عن عرضها على الكنيست للموافقة عليها، ولم تتخذ الحكومة الحالية أي إجراء لتغييرها. عمليًا، لم تُنفذ الاتفاقيات بين البلدين بشأن حقوقهما الاقتصادية في حال اكتشاف مرابض غاز بالقرب منهما حتى الآن، بعد أن فشلت عدة عمليات حفر تجريبية قبالة سواحل لبنان في العثور على أي مؤشرات على وجود غاز بكميات تجارية. مع ذلك، يمكن ان نستمد التشجيع من نجاح الوسيط هوكشتاين في التوصل إلى أرضية مشتركة بين إسرائيل ولبنان بشأن قضية حساسة ظلت محل نزاع لسنوات طويلة. لقد شكل هذا النجاح نقطة انطلاق للتحدي التالي الذي واجهه عام 2024، بعد نحو عام من القتال العنيف بين إسرائيل وحزب الله. قام هوكشتاين، بمباركة الإدارة الأمريكية، بجولة مكثفة بين القدس وبيروت في محاولة لتجاوز ثلاث عقبات جوهرية: أولها، افتقار لبنان إلى وجهة حوار واضحة بعد فشل البرلمان لأكثر من عامين في انتخاب رئيس؛ وثانيها، اغتيال نصر الله في 24 أيلول الذي هز حزب الله وجعل من الصعب عليه إجراء حوار عقلاني مع القوى السياسية في لبنان؛ وثالثها، حام بي الجو انهيار القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي عام 2006.
خلال اجتماعاته مع الفريق الإسرائيلي، أوضح لنا هوكشتاين كيف يعتزم التغلب على هذه الصعوبات. كان يؤمن بقدرته على تسخير نفوذ الزعيم المخضرم لحركة أمل الشيعية، نبيه بري، الذي أصبح، في ظل غياب رئيس والفراغ الذي خلفه اختفاء نصر الله، شخصية محورية في صياغة سياسة بلاده. ورداً على تشكيكنا في إمكانية دعم بري، المدعوم من إيران، لقرارات لا تمليها عليه أو على الأقل لا تخدم مصالحه، أجاب هوكشتاين بأنه مقتنع بأن بري ملتزم قبل كل شيء بالمصالح اللبنانية العامة. وفيما يتعلق بالخوف من إعادة العمل بالقرار 1701، الذي انتُهك منذ صدوره، أعرب هوكشتاين عن دعمه للمطلب الإسرائيلي بحرية العمل التي تسمح للجيش الإسرائيلي بإنفاذ الاتفاق بحزم بغض النظر عن موافقة اللبنانيين أو الأمريكيين. أما بالنسبة للمقاومة المتوقعة من حزب الله، فقد اعتقد الوسيط الأمريكي أنه في هذا الوقت بالذات، حين يكون موقف المنظمة الموالية لإيران أضعف من أي وقت مضى، ستتمكن القوى اللبنانية المنافسة من تجاهله. وقد تحققت هذه التوقعات في الأسابيع التالية، وهكذا وُلد اتفاق وقف إطلاق النار. أجازت صياغة الاتفاقية فعلياً، لفترة غير محددة، استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في خمس مناطق دفاعية شمال حدودها مع لبنان، وحقها في مواصلة مهاجمة عناصر التنظيم الإرهابي وبنيته التحتية كلما تم انتهاك بنود الاتفاقية. وقد تصرفت إسرائيل بالفعل وفقاً لهذا المبدأ دون أي عائق، فقضت على مئات الإرهابيين الذين عادوا إلى عادتهم.
في العامين اللذين مرا منذ توقيع الاتفاقية، وقعت خمسة أحداث إقليمية وعالمية ذات أهمية استراتيجية: انتخاب دونالد ترامب لولاية ثانية في الولايات المتحدة؛ سقوط نظام الأسد واعتبار خليفته في سوريا إيران وحزب الله عدوين لدودين؛ تجدد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله في سياق الحملة ضد إيران، مما أدى إلى سيطرة إسرائيل على مناطق واسعة في جنوب لبنان؛ انتخاب جوزيف عون، الزعيم المسيحي القوي الموالي للغرب، رئيساً للبنان. وبمبادرة من الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته روبيو، تم توقيع “اتفاقية إطارية ثلاثية” في واشنطن في حزيران الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، مما مهد الطريق لتغيير تاريخي في علاقات الدول.
وخلاصة القول التي تلخص كل ما سبق هي: أن هناك الآن مجالاً لاستكمال العملية الدبلوماسية مع الحكومة اللبنانية. لا ينبغي إضاعة أشهر ثمينة في انتظار الانتخابات والعملية السياسية التي ستجري في ضوء نتائجها. لدى كلا البلدين مصلحة واضحة في الاستفادة من الاهتمام الأمريكي الحالي بهذه القضية، إذ لا سبيل للتنبؤ بسياسة الرئيس ترامب بعد انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني. والأهم من ذلك: أن جميع الخلافات بين البلدين قابلة للتسوية. لا توجد قضية لاجئين، ولا أماكن مقدسة، ولا استيطان يهودي في أراضي الأجداد، ولا آثار تاريخية دامية. تكمن المشكلة العميقة، بطبيعة الحال، في مقاومة حزب الله، ويجب على الأطراف التركيز على هذا الأمر مع إظهار حسن النية والحكمة السياسية، ووضع خطوط حمراء تُمكّن من إدارة المخاطر بوعي. لم يعد عاموس هوكشتاين موجوداً في الصورة، ولكن يمكن الاحتفاء بإرثه الإبداعي والحيوي.
------------------------------------------
هآرتس 16/8/2026
هكابي يفضح الكذبة: الإرهاب في قصرة هو اسرائيلي
بقلم: جدعون ليفي
إسرائيلية مثلي ومثلك تجلس في البرنامج الحواري بيرس مورغان، وترفض لدقائق طويلة الإجابة على سؤال بسيط: هل حياة الفلسطيني تساوي حياة اليهودي؟. مورغان يكرر السؤال اربع مرات، وترفض دانييلا فايس الإجابة في كل مرة. تحاول التهرب من الإجابة باللجوء الى التحدث عن المساواة بين الجنسين، ثم تتراجع في النهاية، وأخيرا تتمتم بشيء عن الله خالق البشرية، وذلك من اجل صد هذا الشخص المزعج. المحاور يذكرها باقوال مستوطن آخر مثلها، المحامي يهودا شمعون من حفات جلعاد، الذي قال قبل بضعة أيام لـ “بي.بي.سي”: “حياة يهودي واحد تساوي حياة 10 ملايين فلسطيني.
ملايين الأشخاص في ارجاء العالم يشاهدون هذه الأمور. فماذا يقولون بينهم وبين انفسهم؟ هذه هي إسرائيل. يجلس الإسرائيليون ويشاهدون هذه الاحداث. فماذا يقولون لانفسهم؟ هذه ليست إسرائيل.
نحن ما هي علاقة فايس بنا؟ هي لا تمثلنا. وزير الامن القومي ايتمار بن غفير؟ لا يمثلنا أيضا. بتسلئيل سموتريتش؟ لا يمثلنا أيضا. تصريحات إسرائيل كاتس المثيرة للجدل؟ لا علاقة لنا بها.
شبيبة التلال لا يمثلونا أيضا. المذابح في الأراضي المحتلة؟ لا علاقة لنا بها. الكهانية؟ ما هي علاقتها بنا؟ بالنسبة لنصف الشعب، حتى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لا يمثلنا.
لقد أصبحت إسرائيل دولة غريبة وفريدة في نوعها في العالم. التي أي شر خبيث ينمو فيها، لا يمثلها. يا لها من دولة عجيبة!. المتطرفون ليسوا منا. القبح ليس منا. التفوق اليهودي لا علاقة لنا به. لا شيء يثير المشكلات يمثلنا. حتى الحكومة لا تمثلنا. فمن الذي يمثلنا أيضا؟ أين هم ملايين الإسرائيليين الذين لا يمثلهم أي شيء تقوم به إسرائيل؟.
لقد حان الوقت للفهم بان إسرائيل هي بالضبط ما يراه المشاهدون في بريطانيا وفي الولايات المتحدة. فبالنسبة لهم فايس هي إسرائيل وإسرائيل هي فايس. بعد عشرات آلاف القتلى في قطاع غزة، بما في ذلك آلاف الأطفال، والمظاهر البشعة للتفوق اليهودي في الضفة الغربية كل يوم، لم يعد بالإمكان اقناع العالم بأن “هذا ليس نحن” و”ليس باسمنا”. العالم ببساطة لم يعد يقتنع بهذه الحجة (السؤال المثير للاهتمام هو كيف ما زالت هذه الفروق الوهمية تجد لها مصداقية في إسرائيل).
كان الأول من بين كل الذين قالوا هذا الكلام، ربما بدون تجميل، هو السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هكابي. من بين شظايا رؤيته المزيفة عن إسرائيل، من النيل الى الفرات، الذي تحدث لأول مرة عن “الإرهاب الإسرائيلي”. بعد سنوات قلنا فيها عن عدم وجود إرهاب يهودي، وهذا تناقض بحد ذاته، جاء فيها المعمداني من اركنساس واطلق عليه اسم حقيقي: “الإرهاب الإسرائيلي”. كان اليمين الذي بقي يدعي لسنوات عدم وجود إرهاب يهودي، على حق. لا وجود لارهاب يهودي. بل يوجد، ولكن كيف، إرهاب إسرائيلي.
كان الهدف من طمس تعريف الإرهاب من خلال ربطه بالإرهاب اليهودي هو ابعاد إسرائيل عن المسؤولية المباشرة وتخويفها، وقد خدم ذلك الدولة بالطبع. ولكنه خدم أيضا الإسرائيليين الذين استمروا في خداع انفسهم بالاعتقاد بوجود جماعة متطرفة لا تمثل الدولة، وبالتاكيد لا تمثلهم.
لكن بعد ذلك جاء هكابي وفضح هذه الكذبة، وحمل إسرائيل المسؤولية بشكل جماعي. وقد كان على حق. الإرهاب في قصرة هو إسرائيلي، والإرهاب في تل ابيب هو إسرائيلي. دولة إسرائيل، ليس فايس أو شمعون، هي المسؤولة عنه. نحن نتصرف نيابة عنها ونمثلها، يجب علينا الادراك بانها من منظور كل العالم هي تمثلنا. تمثل كل الإسرائيليين.
لم يعد العالم يتقبل تمييزنا بين إسرائيل الحقيقية (الجميلة)، وإسرائيل التي تظهر على كل شاشات العالم (القبيحة)، وهو على حق. علينا الادراك بانه من منظور تاريخي في نهاية المطاف جميعنا فايس، بن غفير وسموتريتش.
------------------------------------------
يديعوت احرونوت 16/8/2026
القيادة الإيرانية تتبنى نهجًا متشددًا وجريئًا وتستعد لمواجهة طويلة الأمد
بقلم: د. راز تسيمت، باحث كبير وخبير في الشؤون الإيرانية في معهد بحوث الامن القومي ومركز ايليانس للدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب
لا يزال الحصار البحري الأمريكي يُلحق ضررًا اقتصاديًا بالغًا بإيران. وتشير بيانات نشرها مؤخرًا الخبير الاقتصادي الإيراني مسعود نيلي إلى تدهور ملحوظ في المؤشرات الاقتصادية. فبين عامي 2018 و2026، قفز سعر الصرف قرابة 50 ضعفًا، وارتفع مستوى الأسعار أكثر من 19 ضعفًا، وانضم 16 مليون شخص إلى السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر. وانضم نحو 5 ملايين شخص إلى السكان في سن العمل، بينما لم يزد عدد العاملين إلا بمقدار 400 ألف شخص. وفي الأشهر الأخيرة، تجاوز معدل التضخم الرسمي عتبة 70 في المئة، وانخفض عدد العاملين في الصناعة بنحو 630 ألف شخص.
ومع ذلك، لا يوجد، على الأقل في هذه المرحلة، ما يدل على أن القيادة الإيرانية تعتزم تخفيف حدة مواقفها للعودة إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة وتخفيف الأعباء الاقتصادية برفع الحصار البحري، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. بل على العكس، شهدت الأسابيع الأخيرة تشدداً ملحوظاً في المواقف الإيرانية. لم تعد إيران تكتفي بالمطالبة برفع الحصار البحري مقابل فتح مضيق هرمز، حتى في حال التوصل إلى اتفاقات في المحادثات مع عُمان بشأن الترتيبات المستقبلية للمضيق. بل تطالب الآن بتنفيذ الالتزامات الأمريكية بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران 2026، بما في ذلك الإفراج عن الأموال وتخفيف العقوبات بشكل كبير، كشرط مسبق لفتح المضيق.
علاوة على ذلك، تطالب إيران بوقف إطلاق النار على جبهات أخرى، لا سيما في لبنان والساحة الفلسطينية. وصفت افتتاحية نشرتها وكالة أنباء فارس، المقربة من الحرس الثوري، إضافة مطلب وقف إطلاق النار في الساحة الفلسطينية بأنه خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز الردع والتوضيح للعدو أنه في كل مرة يفرض فيها حرباً جديدة على إيران، سيواجه مطالب وشروطاً أكثر صرامة من تلك التي وُضعت عشية الحرب.
كما تُنذر سلسلة التعيينات التي أقرها مؤخراً المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، بتغير في التصور الأمني نحو الاستعداد لنزاع طويل الأمد وتصعيد الهجوم. وتعكس هذه التعيينات، التي تنضم إلى تعيين قائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد في المجلس، استمرار استخلاص العبر من “هدير الأسد”، وتنقل ثلاث رسائل رئيسية.
أولًا، كان الهدف من قرار دمج قيادة خاتم الأنبياء للطوارئ مع هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة هو تحسين عملية صنع القرار والحد من الازدواجية الناتجة عن وجود قيادتين متوازيتين: إحداهما مسؤولة عن بناء القوات والتخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين الحرس الثوري والجيش النظامي، والأخرى عن استخدام القوة في حالات الطوارئ.
ثانيًا، تؤكد وثائق التعيين على التحول نحو عقيدة هجومية أكثر. ففي الوثيقة التي عُيّن فيها أحمد وحيدي قائدًا للحرس الثوري، طالب خامنئي بعدم الاكتفاء بالردع الأقصى، بل الحفاظ على الجاهزية لشن “عمليات هجومية قوية ضد العدو”. وصرح كبير مستشاري قائد الحرس الثوري، محمد رضا نقدي، بأن على المنظمة أن تكون مستعدة لنقل القتال إلى أراضي العدو كلما اقتضت الظروف ذلك، وذلك في إطار تبني عقيدة عسكرية هجومية، وعدم الاكتفاء بعقيدة قتالية دفاعية بحتة تهدف إلى حماية البلاد من أي تهديد. وصرح إسماعيل كوثري، عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي، بأن الحرب الأخيرة أثبتت فعالية العمليات الهجومية الإيرانية في الأردن والكويت والبحرين، وأن إيران ستواصل تبني عقيدة هجومية.
ثالثًا، على الصعيد الداخلي، يُعدّ تعيين حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز المخابرات التابع للحرس الثوري، قائدًا لقوات الباسيج، خطوةً هامة. ويشير تعيين طائب، الذي يمتلك خبرة واسعة في القمع السياسي والمدني، إلى مسعى لتعزيز الاستعدادات لاحتمال تجدد الاحتجاجات، لا سيما في ظل تدهور الوضع الاقتصادي. ويتطلب ذلك تقوية “شبكة استخبارات شعبية”، وتوسيع نطاق استخدام التقنيات الحديثة، وتوسيع نشاط شبكات الباسيج في مختلف القطاعات والمناطق الحضرية. وقد تُسهم هذه الخطوة في تعزيز التعاون بين الباسيج وأجهزة الاستخبارات، وتحسين السيطرة على المجال العام في أعقاب الإخفاقات الاستخباراتية التي كُشِف عنها خلال الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
لا يعني هذا أن إيران غير راغبة في العودة إلى المفاوضات، بل وحتى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في المستقبل، رغم أن فرص ذلك تبدو ضئيلة في المستقبل القريب. مع ذلك، من الواضح أن طهران لا ترغب في العودة إلى الوضع الراهن الذي سبق الحرب. فهي عازمة على ترسيخ مكاسبها، ولا سيما سيطرتها على مضيق هرمز وقدرتها على إلحاق خسائر فادحة بجيرانها العرب والقوات الأمريكية في المنطقة، وذلك لمنع أي هجوم آخر. ومع تزايد الضغط عليها، تتبنى القيادة الإيرانية نهجًا أكثر صرامة وتحديًا وهجومية، مستعدة لمواجهة وتصعيد مطولين، حتى وإن كان ذلك على حساب تضحيات جسيمة، لضمان أنه إذا ما انتهت الحملة، فلن يكون ذلك بوقف إطلاق نار مؤقت، بل على أساس الاعتراف بقدرة إيران على الردع.
------------------------------------------
يديعوت 16/8/2026
يروج قادة المستوطنين لرؤية تبدو ظاهريًا تتعلق بالأمن القومي، بينما يخفون الأساس الديني الأيديولوجي
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية – مركز ديان جامعة تل أبيب
لا شيء يُثير الدهشة تقريبًا في الأحداث الصعبة التي استمرت نحو أسبوع في قرية قصرة في السامرة: لا العنف الوحشي للمستوطنين ضد الفلسطينيين، ولا عجز قوات الأمن (ومشاركة الجنود في “حصار” منازل القرية)، ولا الصمت المريب من صناع القرار، ولا حتى الإدانة الأمريكية القاسية التي تُظهر أن إسرائيل تُرسخ تدريجيًا صورة دولة مضطربة.
المفاجأة الوحيدة هي دهشة، بل وتمرد، الكثيرين في معسكر اليمين، وخاصة أولئك الذين يروجون لتوسيع الاستيطان في المناطق، إزاء ما يُوصف بأنه أعمال شائنة تضر بالمشروع برمته. إنه لأمر غريب أن يحاول المرء الجمع بين الطرفين: فمن جهة، يدعم إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، ويصاحب وجودها احتكاكات عنيفة مع الفلسطينيين، ويدعو في الوقت نفسه إلى تطبيق السيادة في المناطق، ويدعم “ثورة سموتريتش” الرامية إلى إقامة دولة واحدة بين البحر والأردن بنوعين من الجنسية (دون أي نقاش حقيقي حول مصير ثلاثة ملايين فلسطيني في المناطق)، ومن جهة أخرى، يُبدي دهشته من تحركات أخرى تُوصف بأنها غير قانونية وغير أخلاقية. لا بد من مواجهة الحقائق: إن أحداث قصرة ليست “حادثًا تاريخيًا عابرًا”، بل هي تطور مرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ”الثورة” في المناطق وتداعياتها.
إن الأحداث التي شهدتها قصرة، كتلك التي وقعت في قرية تل والتي بدأت بـ”رحلة” وانتهت بمقتل مستوطن وضابط في الجيش الإسرائيلي، تُظهر للرأي العام تشكيل كيان “خارج عن القانون” ذي قوانين وقيم فريدة، حيث لا يقتصر ما يحدث هناك على “جبال الظلام”، بل يؤثر على البلاد بأسرها. لقد آن الأوان لتوضيح الأمور: ما يجري في يهودا والسامرة تحت غطاء عاصفة سياسية غير مسبوقة هو مشروع قطاعي قائم على الإيمان والأيديولوجيا، فُرض على عامة الشعب، الذين لا يفهم معظمهم أو لا يعلمون ما يجري في المناطق، ولا يزورون المنطقة، ولا يتبنون رؤية “الثورة”، ويشكّون في رغبتهم بالعيش في بلد تشمل “أهدافه الاستراتيجية” في القرن الحادي والعشرين تشجيع بناء الهيكل وتطبيق الشريعة.
… يعود تعقيد الوضع إلى حد كبير إلى أن معظم الناس ما زالوا يعانون من صدمة أحداث السابع من أكتوبر. فقد رسخت المجزرة المروعة التي ارتُكبت بحق الإسرائيليين في الوعي الجمعي نفورًا من رؤية العرب وسماع اللغة العربية، وانعدام ثقة تام بالعرب (بما في ذلك الأحزاب العربية في إسرائيل)، وتطبيع مصطلحات مثل “الترحيل” (“الهجرة الطوعية”) و”لا يوجد محايدين”، وإيمانًا بضرورة الاعتماد على الذات فقط (“إسبرطة الجديدة”)، ودعمًا لاستمرار استخدام القوة، وبالطبع رفضًا للتسوية السياسية، لا سيما مع الفلسطينيين. إن العيش في ظل هذه الصدمة المستمرة دون معالجة – والمتجسدة في تحقيق رسمي – يحول دون فهم شامل للواقع. وبالتالي، لا يفكر الإسرائيليون مليًا في المعنى المستمد من النهج “الواعي”، ويجدون صعوبة بالغة في تخيل شكل دولة واحدة يعيش فيها شعبان عدوان لبعضهما البعض دون فواصل، وهو ما يضمن واقعًا بلقانيًا.
لقد حدد دعاة “الثورة” نقطة الضعف ويسعون لاستغلالها، مقدمين أنفسهم كحلٍّ واع لما فعله عماليق بنا، بينما يصورون رؤيتهم القطاعية كمشروع وطني يُسهم في مصلحتنا جميعًا ويحظى بتوافق جماعي. كل هذا مع إخفاء الأساس الديني الذي تقوم عليه “الثورة” من خلال تبريرات تبدو استراتيجية يسهل على العامة استيعابها: فالمزارع تجسد دروس أحداث 7 أكتوبر (وهو فشلٌ وقع في ظل حكومة ينتمي إليها دعاة “الثورة”)؛ والاستيلاء على المزيد من الأراضي يُمكّن من تحقيق الأمن والنصر والردع؛ وبالطبع، يُعد الاستيطان في كل مكان مكسبًا وطنيًا ورادعًا للإرهاب. الرؤية مشروعةٌ بلا شك، لكنها تتطلب توضيحًا بأن دوافعها دينيةٌ في جوهرها، وشرحًا للعواقب الوخيمة لتطبيقها على الطابع الديمقراطي لإسرائيل وشرعيتها الدولية.
في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى تزايد نفاد صبر ترامب تجاه إسرائيل. أُعجب بأدائها العملياتي، لكنه اكتشف تدريجيًا أنها خارجة عن التوازن الاستراتيجي، تروج لأوهام تُورِّط واشنطن في مشاكل (خاصة مع إيران)، وفوق كل ذلك، مُدمنة على استخدام القوة ومتعطشة للأراضي. ونتيجة لذلك، يلجأ ترامب إلى ضبط النفس الخارجي وفرض العقوبات، كما تجسد في لبنان وغزة، وقد يؤدي ذلك إلى استنتاج، بروح التدويل، أن من الأفضل للأمريكيين فرض النظام في المناطق. وهكذا، في قصرة، تجلى مرة أخرى فشل فكرة أن ترامب دائمًا معنا وأننا من نتخذ القرارات.
تدور الانتخابات المقبلة حول العديد من القضايا المصيرية، ومن بينها مستقبل العلاقات مع الفلسطينيين. في ظل أحداث 7 أكتوبر، أصبح الخطاب حول هذه القضية سطحيًا، مشوهًا، مليئًا بالأوهام وخاليًا من التحليل المعمق، حيث يُوصم أي نقد على الفور بأنه “انهزامية على غرار أحداث 6 أكتوبر”. تُقدّم معظم الأحزاب شعاراتٍ حول القضية الفلسطينية، مثل “إدارة الصراع” التي انهارت في السابع من أكتوبر، ولا يطالبها الرأي العام ببرنامجٍ أكثر نضجًا.
يُقدّم منظورٌ واقعي خيارين سيئين في ظلّ الوضع المُعقّد الذي يمرّ به الصراع حاليًا: إما التقدّم نحو دولةٍ واحدة، كما يتحقّق يوميًا من خلال بناء ودمج البنية التحتية والإجراءات؛ أو إيجاد سبيلٍ لتحقيق فصلٍ جغرافي، لا يستلزم بالضرورة إقامة دولةٍ فلسطينية (وهو سيناريوٌ لا تزال جدواه وفرص نجاحه ضئيلة)، مع بناء منطقةٍ عازلة بطريقةٍ مدروسة ودون المساس بأمن إسرائيل، بما في ذلك الحفاظ على السيطرة على غور الأردن وحرية العمل في الساحة الفلسطينية. إنّ الفصل الواقعي ليس خيارًا مثاليًا، ولن تنتهي المشاكل إذا ما تمّ المضيّ فيه، لكنّه يبقى أفضل من وجودٍ دمويّ متوتر في دولةٍ واحدة.
------------------------------------------
إسرائيل اليوم 16/8/2026
أهلا وسهلا الى الشرق الاوسط
بقلم: ايال زيسر
التقرير الفضائحي الذي بموجبه توجهت احدى دول المنطقة (تركيا؟) لدولة جارة (سوريا؟)، واقترحت عليها السعي “التظاهري” نحو اتفاق سلام مع إسرائيل لكن أن تستغل عمليا السلام الوهمي كي تبني لنفسها قوة عسكرية توجهها في المستقبل ضد إسرائيل، اثار اهتماما بل وضجيجا في إسرائيل.
لكن للحقيقة هذا نبأ على نمط “كلب عض انسانا”. فحتى لو كان هذا نبأ جديا ليس له أي صلة بالانتخابات القريبة القادمة في إسرائيل، والامر ليس مؤكدا على الاطلاق، فليس في هذا التقرير أي جديد او مفاجيء. فبعد كل شيء هذا هو الشرق الأوسط الذي يتحدث فيه الجميع ويعملون الواحد من خلف ظهر الاخر، لا يقصدون جميعهم ما يقولون، وفي السطر الأخير الجميع يخدع الجميع – العرب، الإيرانيين، الاتراك وحتى الأمريكيين.
وبعامة، فان الفكرة التي تقول انه مسموح التوقيع على اتفاق سلام حين تفترض المصلحة، لكن مسموح ومرغوب فيه خرق هذا الاتفاق حين لا تكون فيه حاجة، هي فكرة قائمة في الإسلام منذ عهد النبي محمد.
وقع النبي معاهدة في العام 628 مع اعدائه، اهل مكة. وهذه هي معاهدة الحديبية لعشر سنوات. لكن بعد سنة من ذلك، حين شعر بنفسه قويا بما يكفي لمواجهتهم، خرق الاتفاق، هاجمهم وفتح مكة.
بالمناسبة، هذه ليست بالضرورة مجرد ممارسة شرق أوسطية بل هي ممارسة مقبولة وحتى شائعة في العلاقات الدولية ولا حاجة للعودة الى اتفاق مولوتوف – ريبنتروف، معاهدة عدم الهجوم الذي وقعها هتلر مع ستالين في آب 1939 كي يخرقها بعد سنتين من ذلك في حزيران 1941.
ويمكن بالطبع ذكر ايران التي وقعت على اتفاق نووي لم تنوي الالتزام به.
لكن عودة الى موضوعنا. التقرير القضائحي هو مثابة صحافة سيئة، إذ لا يمكن ان نتعلم منه شيئا. ليس واضحا من قال لمن وفي أي سياق، سواء في حديث خاص وغير ملزم بين زعيمين على كأس قهوة ام ربما في اثناء جلسة رسمية سجل لها بروتوكول، وبعامة ماذا كان عليه سياق الاقوال التي يزعم انها قيلت.
فهل يدور الحديث عن خطة لتصفية دولة إسرائيل كتلك التي عملت عليها في حينه ايران ام عن قول بالمناسبة وغير ملزم، مثل الاقوال التي يتميز بها الامريكيون في المفاوضات التي يجرونها مع ايران، لكن أيضا بالنسبة لغزة، لبنان وسوريا، بل وباسم إسرائيل. اقوال تقضي بانه لا حاجة للمرء أن يأخذ بجدية اكثر مما ينبغي الالتزامات التي يأخذها الجيش اللبناني او حماس على نفسيهما، ببساطة ينبغي ان يبدو المرء كمن يفعل شيئا ما والامريكيون هم من سيهدئون روع إسرائيل.
وبعامة، يجدر بنا ان نذكر بما قاله الرئيس المصري حسني مبارك، حين حاول اقناع الرئيس السوري حافظ الأسد بالتوقيع على اتفاق سلام مع إسرائيل. فقد قال له ان لا حاجة للتأثر بمطالب إسرائيل بالتطبيع إذ انه مثلما في الحالة المصرية لن يخرج منها أي شيء وإسرائيل تعرف ذلك. ومع ذلك تبقي مصر منذ قرابة خمسين سنة على الهدوء على طول حدودنا معها وخير فعل من سارع وأوضح بان ليست مصر هي الدولة التي يقصدها التقرير.
منطق بسيط يفيد بان الحديث يدور على ما يبدو عن تركيا وسوريا، وعن تسوية سياسية يسعى الامريكيون لان يروجوا لها بيننا وبين دمشق.
لكن عن هذا ينبغي القول:
أولا، السبب الذي جعل الدول العربية توقع معنا على اتفاقات سلام ليس محبة صهيون انما قوة إسرائيل، وطالما بقيت هذه القوة فليس لنا ما نخشاه على مستقبل هذه الاتفاقات.
ثانيا، في الشرق الأوسط، وليس فقط فيه، يجب على المرء ان يتجول ليس فقط مع عصا كبيرة وبين الحين والآخر يستخدمها أيضا بل أساسا مع عيون مفتوحة، وهكذا لا يفاجئنا احد.
وأخيرا، في اتفاق قصير المدى أيضا توجد أحيانا قيمة. وطالما لم نضحي بشيء ونخاطر بامننا بل وقعنا على اتفاق يحقق لنا ربحا، حتى لو كان قصير المدى، فثمة في الامر قيمة. في الشرق الأوسط كل شيء مؤقت وكل شيء عابر.
------------------------------------------
هآرتس 16/8/2026
نتنياهو معلقاً على إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: “بريطانيا تحولت إسلامية”!
بقلم: آيريس ليعال
قبل أسبوع، أجريت مقابلة مع نتنياهو في بودكاست “صوت الجيش”، وقال بابتسام وهو راض عن روح دعابته إن “أول جمهورية إسلامية تمتلك سلاحاً نووياً ستكون جمهورية بريطانيا الإسلامية”. وها هو رئيس حكومة إسرائيل يظهر أمس، ويطلق على بريطانيا اسم “الجمهورية الإسلامية”، وهذا لا يثير ضجة إعلامية، ربما لأن نتنياهو قد يئس تماماً من الرأي العام الغربي. يسود جو من اليأس وكأن “كل شيء انتهى، سنحاول عقد تحالفات مع مضطهِدي المسلمين وكارهي الأجانب والنازيين الجدد وحثالة أوروبا، ونمضي قدما”.
في الوقت نفسه، وكأن الأمر منسق تماماً، أغلق إرهابيون يهود منزلاً في قرية قصرة، ونفد الطعام، ومنعت فتاة مريضة من الذهاب إلى الطبيب. هذا الحدث الذي كانت أنظار العالم تشخص إليه، أدى إلى تنفيس ما يحدث في الضفة الغربية كل يوم. يقتحم الإرهابيون اليهود الحقول والمراعي، ومؤخراً المنازل الخاصة أيضاً، ليس دائماً من أجل قتل الأغنام وقلع عيونها، أو اقتلاع أحواض الورود على القبور. أحياناً يكون الأمر مجرد استعراض للسيادة. للإظهار لهم، والأهم من ذلك للجيش ولنا، من هو صاحب الكلمة العليا.
في حالة قصرة، بعد ستة أيام على الهياج، حيث تصرف المستوطنون وكأن القرية ملك لهم، قرر الجيش استكمال المهمة، وطالب بإخلاء بيوت 20 عائلة فلسطينية، لمنع الاحتكاك، و”حماية السكان”
في حالة قصرة، بعد ستة أيام على الهياج، حيث تصرف المستوطنون وكأن القرية ملك لهم، قرر الجيش استكمال المهمة، وطالب بإخلاء بيوت 20 عائلة فلسطينية، لمنع الاحتكاك، و”حماية السكان”. لم يسمح للفلسطينيين بالعودة إلى بيوتهم إلا بعد تدخل البيت الأبيض، حيث وجد قرآن ممزق بين أعمال التخريب. إن مزيج المذابح المتكررة التي يرتكبها المستوطنون دون اعتقال أحد، هذه المرة أيضاً مع حكومة كهانية وقائد عسكري يستغله المستوطنين ورئيس أركان ضعيف، يحول حياة الفلسطينيين إلى جحيم ويجعل إسرائيل دولة غير مرغوب فيها.
كان نتنياهو يأمل بأن يكون الناس قد فقدوا القدرة على إدراك جرائم الحرب والتجويع المتعمد والحرمان من العلاج والتطهير العرقي. لستة أيام، يمارس النازيون اليهود انتهاكات ضد الفلسطينيين. ولكن عندما يتجرأ رؤساء الدول على الإشارة بأن هذا الوضع غير مقبول، فإن التكتيك الدبلوماسي هو وصفهم بـ “الجمهورية الإسلامية”. ولمن يعزي نفسه بأن الحكومة ستختفي بعد شهرين ونصف وأن التغيير قادم، لدي أنباء محبطة: أولاً، لم يعلق نفتالي بينيت على أحداث قصرة حتى اليوم الخامس. وعندما سئل عن رأيه بشأن هاكابي، السفير الأمريكي في إسرائيل، قال: “مرة أخرى، نسمح لدول أخرى بحكمنا”. بعد ذلك، وفي غفلة، قال الشخص الذي كان يتجاهل حتى تلك اللحظة ما يحدث أمام عيونه: “هذا عمل إرهابي، علينا إدانته، ولا يجب أن ننتظر الأمريكيين يأمروننا بذلك”. كان غادي آيزنكوت يأمل أيضاً ألا يضطر إلى التعليق، لكنه انهار في اليوم الخامس وأصدر بياناً كاملاً من دون ذكر كلمة فلسطينيين. وهذا يئير لبيد صمت، وأفيغدور ليبرمان يكره العرب أكثر من أي عضو كنيست آخر في الليكود. يئير غولان وحده الذي اجتاز الامتحان بنجاح باهر.
بطبيعة الحال، حكومة نتنياهو لا ترغب بمعالجة العنف في الأراضي المحتلة. ولكن، هل ستتمكن الحكومة التي ستأتي بعدها من فعل ذلك؟ من غير المؤكد أن يتخلى أتباع حيلي تروفر وبينيت ومتان كهانا عن رومانسية المستوطنين الذين يجسدون قيم الصهيونية في أبهى صورها، وأن يطلقوا عليهم الاسم الحقيقي “المخلون بالقانون”، واعتبارهم تهديداً استراتيجياً وأخلاقياً لإسرائيل.
إذا تساءلتم عن سبب فشل ياريف لفين في تنفيذ الانقلاب، في حين نجح سموتريتش في ثورته الهيكلية في المناطق المحتلة، انظروا إلى المعسكر الليبرالي، وما الذي تظاهر ضده في الشوارع لمدة سنة وما الذي تجاهله. سيكون التخلص من هذه الحكومة بمثابة راحة، لكنها ليست أكثر راحة من المسكنات التي لا تعالج المرض الكامن.
------------------------------------------
هآرتس 16/8/2026
420 مليار شيكل تكلفة الحرب منذ “7 أكتوبر”: هل ستكون سهماً مرتداً علينا؟
بقلم: أسرة التحرير
الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر ولم تنته رسمياً بعد، كلفت نحو 420 مليار شيكل، وستبقى تداعياتها ملموسة لزمن طويل آخر. في العقد القادم، ستصل نفقات الأمن إلى تريليون ونصف شيكل.
مفهوم الأمن الإسرائيلي غير الرسمي الذي ولد في عهد بن غوريون كان مبنياً على خوض حروب قصيرة، بسبب ضرر اقتصادي ينبع من اعتماد الجيش الإسرائيلي على جنود احتياط يسحبون من سوق العمل. وفي تناقض مع هذا المبدأ، تتواصل الحرب –الأطول والأغلى في تاريخ الدولة– لقرابة ثلاث سنوات. وقد أتيحت استطالتها بفضل ثلاثة عوامل: جنود الاحتياط الذين امتثلوا للخدمة وتحملوا العبء الأكبر بدلاً من الدولة، ومناعة الاقتصاد الإسرائيلي، والمساعدة الأمريكية في توليد الذخيرة بالمال (نحو 20 مليار دولار في الحرب) وفي القتال النشط ضد إيران.
القدرة على خوض حرب طويلة ومتعددة الساحات أقرب إلى سهم مرتد: فمن جهة، كان خيراً أن هناك قدرات كهذه كما في معارك الدفاع الجوي، ومن جهة أخرى، الهدف توفير طول نفس للقيادة السياسية لاتخاذ القرارات
إن القدرة على خوض حرب طويلة ومتعددة الساحات أقرب إلى سهم مرتد: فمن جهة، كان خيراً أن هناك قدرات كهذه كما في معارك الدفاع الجوي، ومن جهة أخرى، الهدف توفير طول نفس للقيادة السياسية لاتخاذ القرارات والوصول إلى تسويات سياسية. لكن هذا ما لا تفعله حكومة إسرائيل. لقد تم نقل اتخاذ القرارات السياسية إلى مصدر خارجي، وباتت الإدارة الأمريكية هي التي تفرض على إسرائيل وقف النار وتحاول الدفع قدماً بتسويات سياسية في غزة ولبنان وإيران.
إن سلسلة تقارير جديدة لسامي بيرتس، التي تنشر ابتداء من هذا الصباح في “ذي ماركر”، تراجع كلفة الحرب وتأثيرها اقتصادي، والواقع الاقتصادي – الاجتماعي الذي نشأ في أعقاب الحرب الأطول والأغلى في تاريخ إسرائيل. وبخلاف المخاوف التي تقبع في أساس مفهوم الأمن، تبين أن الاقتصاد لم ينهر عندما يقتطع رجال احتياط كثيرون جداً من سوق العمل لفترات طويلة. لكن الذي قد ينهار هو جيش الاحتياط كما حذر رئيس الأركان إيال زامير. وتستهدف تحذيراته دفع الحكومة للعمل على تجنيد الحريديم، لكنها وقعت على آذان صماء. ومثلما فرت من مسؤوليتها عن الوصول إلى تسويات سياسية، تملصت الحكومة أيضاً من مسؤوليتها عن العمل على توزيع أكثر عدلاً للعبء.
المساعدة الأمريكية هي الأخرى تقف أمام علامة استفهام كبيرة وواضحة في أنها تتقلص جداً لدرجة وقفها، في السنوات القادمة. وهذا سيفرض على دافع الضرائب الإسرائيلي عبئاً جسيماً آخر. لقد أظهر الاقتصاد مناعة مبهرة بفضل قوة فرع التكنولوجيا العليا، وازدهار الصناعات الأمنية ونقطة الدخول إلى الحرب مع دين عام منخفض وأرصدة عملة صعبة كبيرة، لكن الحرب زادت الدين القومي بنحو 400 مليار شكل والجمهور لم يبدأ بدفعه. من سيدفع النفقات؟ إذا كان هذا منوطاً بالحكومة الحالية، فهي جماعة الأشخاص الذين يتحملون العبء منذ سنوات عديدة. نأمل جواباً آخر بعد الانتخابات القريبة القادمة.
----------------انتهت النشرة-----------------