البترودولار يشعل الحروب

يلحق بيع النفط الإيراني للصين باليوان ضرراً على مكانة الدولار بوصفه العملة الدولية لبيع وشراء النفط، ويسهم في تقويض العقوبات الأمريكية على طهران التي تستهدف بشكل أساسي تصدير النفط، وهو عامل اقتصادي وسياسي جوهري يميل لصالح الصين في الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، تشتري الصين حوالي 90% من النفط الإيراني، مما يوفر لإيران مورد مالي مهم يفشل العقوبات المشددة التي تفرضها واشنطن على إيران، كما أن استخدام عملات أخرى في مثل هذه الصفقات يشكّل تحدياً مباشراً لسيطرة الدولار الأمريكي على تجارة النفط العالمية، وهو ما ترفضه واشنطن، ويجعل من «الدولار النفطي» أحد أسباب الحرب الأميركية على عدد من الدول المنتجة للنفط، حيث يعتبر البعض حرب الخليج الرابعة حرباً لاستمرار هيمنة «الدولار النفطي»، ومنع سقوطه أو فقدان مكانته الأولى في الاقتصاد الدولي. وفي هذا الإطار تأتي الحروب الأميركية على العراق، وفنزويلا، وليبيا، والسؤال عن القاسم المشترك بين هذه الدول بيع النفط بعملة غير الدولار، وقد تشمل الحرب الأميركية مستقبلاً دولاً أخرى اكتشف فيها وجود احتياطي نفطي تجاري، بما يعني أن مرحلة النهب الاستعماري القديم ينتقل إلى مرحلة جديدة من التحكم الامبريالي المطلق بمصادر الطاقة وعمليات إنتاجها وبيعها.

تشير شراكة الولايات المتحدة لإسرائيل في الحرب على إيران إلى أنها لا تقتصر على النفط، وهو مصلحة أميركية أكثر منها إسرائيلية، أما إسقاط النظام الإسلامي فهو هدف مصلحي مشترك، لاستبداله بنظام مطبّع مع إسرائيل حليف لها، عميل للولايات المتحدة، وظيفته أميركياً أن يضع النفط الإيراني تحت تصرف الإدارة الأميركية، كما حدث في عدد من الدول النفطية، من يبيعه؟. لمن يُباع؟. وبأي عملة يُباع؟. وبأي عملة يُسعّر.؟ مثلاً يباع إلى الصين، إذا الصين قبلت ببيع المعادن النادرة للولايات المتحدة، في هذا المجال تأتي زيارة الرئيس ترامب للصين خلال الفترة من 31 آذار/ مارس إلى 2 نيسان أبريل/ القادم لبحث التداعيات الخطيرة للحرب على أمن الطاقة والتجارة الدولية.

الحرب على إيران لها أبعادها التي تتجاوز المنطقة لتصل إلى الصين التي اكتفت بإدانة الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران دون أن تبادر عملياً بدعمها، رغم الشراكة الاقتصادية بين طهران وبكين، ورغم أن جزءاً كبيراً من وارداتها النفطية تمر عبر مضيق هرمز، ورغم علمها بمخططات واشنطن ومحاولاتها احتواء الاقتصاد الصيني، وإبعاد الصين عن الاستثمارات في الخليج. ومحاصرة دور بكين السياسي في الشرق الأوسط الساعي إلى تهدئة التوترات الإقليمية لضمان إمدادات الطاقة، وأي اضطراب في سوق النفط أو في طرق الإمداد ينعكس مباشرة على اقتصادها، وإذا كانت واشنطن من يحدثه فهو يشكل وسيلة ضغط أمريكية مباشرة على الصين تدخل في حسابات ترامب في حربه الاقتصادية التجارية.

من حيث الأسباب يتشابه ما يحدث في إيران مع ما قد سبق وجرى في فنزويلا التي تملك أكبر احتياطي للنفط في العالم، أرادت واشنطن أن تكون لمخططاتها نتائج متماثلة، لكن الاختلاف تمثل في استهداف القادة من حيث الاعتقال والاغتيال. زودت فنزويلا الصين بالنفط الخام بغير الدولار، فرضت عليها عقوبات أميركية، تقول واشنطن إنها تهدف إلى منع نظام مادورو الدكتاتوري من مصدر تمويل مهم لضمان استمرار حكمه في ظل ديون وانخفاض احتياطي العملات الأجنبية.

في 8/9/2017 أعلن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن حكومته ستبيع النفط وعدداً من السلع بعملات غير الدولار في محاولة للالتفاف على العقوبات الأميركية. قال مادورو: «لقد قررت البدء ببيع النفط والغاز والذهب والمنتجات الأخرى التي تصدرها فنزويلا بعملات جديدة، من بينها اليوان الصيني والين الياباني والروبل الروسي والروبية الهندية وغيرها.. وأن إقامة نظام اقتصادي متحرر من الإمبريالية الأميركية أمر يمكن تحقيقه»، مما كان ذريعة لواشنطن لمهاجمة كراكاس واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته 3 كانون الثاني/ يناير 2026.

للدولار الأميركي دور مهم فيما يسمى «الحرب الناعمة»، فقوة أميركا ليست عسكرية فقط، حيث تتيح العقوبات المالية القائمة على الدولار لأميركا الضغط على الدول التي تعارض سياستها. تستمد الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من هيمنتها العالمية من قوة الدولار كعملة دولية لتسعير السلع الأساسية وخاصة النفط، مما يجعله العملة القياسية في أسواق السلع، والمهيمن على التجارة والتمويل الدوليين، يمنح واشنطن نفوذاً سياسياً واقتصادياً ومالياً كبيراً، حيث يُعدّ العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، تحتفظ الدول باحتياطيات كبيرة من الدولار لتدعيم اقتصادها، وتستخدمه البنوك المركزية في صفقاتها.

مرت الهيمنة الدولارية بمرحلتين، الأولى من 1944-1971، بدأت بعد الاتفاقية النقدية العالمية اتفاقية «بريتون وودز» عام 1944، بربط الدولار بالذهب وأصبح الدولار العملة الوحيدة القابلة للتحويل المباشر إلى الذهب بواقع 35 دولاراً لكل أوقية، بينما تم ربط باقي العملات بالدولار، ساهمت الاتفاقية في تعزيز الاستقرار الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية. وتم تأسيس صندوق النقد الدولي لمراقبة أسعار الصرف، والبنك الدولي لتمويل إعادة الإعمار والتنمية، والتزمت الدول بربط قيمة عملاتها بالدولار، ومنع التخفيضات التنافسية للعملات. استمر هذا على مدى 27 سنة حتى العام 1971، بالانتقال من المرحلة الأولى: مرحلة «الدولار الذهبي»، إلى المرحلة الثانية: مرحلة «البترودولار»، وقد نسمي المرحلة الدولارية الثالثة المقبلة: «الدولار المنهار».

ظهرت خلال سنوات حكم الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون اضطرابات سياسية واقتصادية كارثية، وظهور أزمات معقدة، كان من بينها أزمة النفط في العام 1973 عندما فرضت الدول العربية النفطية حظراً على تصدير النفط يشمل الدول الداعمة لإسرائيل في حرب أكتوبر بما فيها الولايات المتحدة، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة 400%، ونتج عنه ركود اقتصادي عالمي، وتغيير جذري في سياسات الطاقة الدولية.

في العام 1971 قرر نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب، وأعلن إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى المعدن النفيس، وفرض ضوابط على الأجور والأسعار، أنهى ذلك القرار اتفاق «بريتون وودز» الذي حكم النظام المالي العالمي 27 عاماً بعد الحرب العالمية الثانية ساهم هذا النظام في فترة ذهبية من الاستقرار والنمو الاقتصادي، كان الدولار ضماناً اقتصادياً يدعم استقرار الأسواق المالية، وحكم فترة سادت فيه الثقة بالاقتصاد الأميركي كضمانة لقيمة الدولار. أما الآن صار وسيلة ضغط أمريكية ضد الدول والشعوب التي تعارض السياسة الأميركية، ومكّن وزارة الخزانة الأمريكية أن تفرض عقوبات مالية دولية عبر شبكة «سويفت» للتحويلات المالية.

عقب انهيار النظام النقدي الدولي المتمثل باتفاقية «بريتون وودز» التي ترتكز على ربط الدولار بالذهب، وفي 9 حزيران/ يونيو 1974 عقدت السعودية اتفاقية لربط مبيعات نفطها بالدولار الأمريكي حصراً، مع إعادة استثمار لفائض عائداتها في سندات الخزانة الأمريكية لتعزيز هيمنة الدولار، مما يوفر سيولة كبيرة للاقتصاد الأمريكي، وفي المقابل تضمن الولايات المتحدة أمن المملكة. بعد ذلك اتبعت الدول النفطية الخليجية هذا النهج.

أنقذ هذا الاتفاق مكانة الدولار الأمريكي، وأدى إلى تعزيز هيمنته في المعاملات العالمية، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث أصبح العملة المفضلة لتجارة النفط، وفي الأسواق المالية، ليصبح «البترودولار» الركيزة الأساسية للنظام الاقتصادي العالمي. في التاسع من يونيو/حزيران 2024 انتهت رسمياً صلاحية اتفاقية «البترودولار» بين الولايات المتحدة والسعودية، وقد مضى على العمل بها 50 عاماً، وسط غموض الأخبار المتداولة حول إنهاء اتفاقية «البترودولار»، وإذا بدأت الرياض بيع النفط بعملات غير الدولار سيؤدي إلى فقدان الدولار مكانته تدريجياً، لكن هل يمكن تعويضها بالشراكات الاقتصادية الاستراتيجية والاستثمارات السعودية الضخمة التي أعلن عنها الرئيس ترامب في شباط/نوفمبر 2025 بالتريليونات من الدولارات؟.

لم تقم السعودية حتى الآن ببيع نفطها رسمياً باليوان الصيني بدلاً من الدولار، لكنها تدرس هذا الخيار بجدية لتعزيز شراكتها مع بكين. ورغم المفاوضات والتوجهات نحو تنويع العملات، لا تزال صادرات النفط السعودي تُسعّر بالدولار الأمريكي، في حين تسعى الصين لتعزيز دور اليوان في تجارة الطاقة، وإذا تمت هذه الخطوة الاقتصادية والسياسية ستمثل تحدياً للدولار الأميركي، وتحولاً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الدولار، قد يؤدي عدم تجديد الاتفاقية إلى ضعف تدريجي في هيمنة الدولار الأمريكي عالمياً على المدى الطويل، وإذا تم تسعير النفط بعملة أخرى غير الدولار سيؤدي إلى انخفاض الطلب العالمي على الدولار، وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، وضعف سوق السندات في الولايات المتحدة. كما يمثل انتهاء صلاحية اتفاقية «البترودولار» تحولاً كبيراً في الهيمنة الأميركية كقوة عالمية أولى، وصف مسؤول أمريكي كبير فكرة أن يبيع السعوديون النفط إلى الصين باليوان بأنها شديدة التقلب وعدوانية.

disqus comments here