ساهر سكافي.. أتعبه الوطن حتى تركه وأتعبت الدنيا أباه فمات!

انطفأت الدنيا بوجه ذاك الشاب الطويل الهادئ رغم كل الصعوبات، ذلك الشاب ذو الـ23 من عمره، أو أقل بقليل، ذاك العسكري السابق الذي حمى الوطن وتحمل الصعاب لأجله، ذاك الشاب الذي أتعبه أكبر سجن في هذا العالم، وأرهقته أسواره الكئيبة، وخذله من وضعوا أيدهم وأقسموا أمام الله أولاً وشعبهم ثانياً بأنهم سيكونوا سنداً لهم.

عشرات الأعوام التي عاشها ذو البشرة البيضاء والعيون الملونة في غزة، جلبت له الويل والألم والوجع، وكتبت في سجل حياته المأساة، مستخدمة طرق طويلة وأساليب عنفوانية قاسية، جردته معنى الراحة في حضن الوطن، أو حتى نكهة الطعام الشهية في غرفته البسيطة.

 

ساهر حمدي سكافي من حي الشجاعية شرق غزة، شاب غادر من الوطن تاركاً قبله أمه ومودعاً حضن أبيه، مهاجراً من أسوار الحصار إلى أسوار تركيا الظالمة.

لا أحد يعلم ما بداخله سوى نفسه، ودقات قلبه التي أتعبها مر الحياة وسرقت منه طمأنينة حلِم بها لعقدين ونيف من عمره، دون أن تأتي، وكأنها لن تأتي بعد.

وبعد معاناة للبحث عن فرص عمل ليستطيع سد رمق حياته المظلمة، استطاع ساهر، أن يحصل على عقد عمل كجندي في وزارة الداخلية بغزة لمدة عام تقريباً، ولكن رغم ذلك كانت الأعين قد ملأت حياته وسدت راحته النفسية، وسرقت ضحكته التي رسمت على وجهه وقتاً قصيراً، وأمام الأبواب المغلقة وقف مهاتفاً نفسه عمّا سيحدث أيضاً وماذا سيفعل في الضربات القادمة؟!، وكيف سيتصدى لها؟!.

 

عودة إلى الوراء قليلاً.. خطوات حمدي والد ساهر التي بدأت لتطرق أبواب البحث عن راحة فلذات كبده ولو بشكلٍ جزئي، حيثُ عمل في مهمة تصليح "الستلايت- المختصة بالقمر الصناعي والتلفاز"، وتفنن فيها، ثم انضم لصفوف أجهزة الأمن في قطاع غزة بعد مجيئ السلطة الفلسطينية عام 93، بدأها بجهاز الشرطة البحرية وانتقل إلى آخرين منها الأمن الوطني، حتى حدوث الانقسام الفلسطيني الفلسطيني وأحداث 2007، فجلس في المنزل كغيره الآلاف من منتسبي أجهزة الأمن.

يعاني والد ساهر الذي يبلغ من العمر 42 عاماً، من انفصام في الشخصية الذي ينتج عن الحالة النفسية السيئة حيثُ أضر بكليته وأعضاء جسده.

أما ساهر، الذي سار مع التيارات الهوائية، وأتبعت خطواته طريق ملأتها المطبات والصعاب، وداسها من الوجع الكثير، في ظل حصار ظالم من عدو لا يرحم، وأشقاء باعوا ضمائرهم وبلا شفقة.

 

وبعد انتهاء مدة عقد عمل ساهر في داخلية غزة، عاد سواد الدنيا يغشي عينيه، وبدأ الألم يتغلغل في جسده ويتحكم في نبضات قلبه، وحتى دقات عقارب الساعة التي ينتظر أن ينتهي كل يوم بسلام وبدون أي خروقات قد تكون قاتلة، أو حتى رصاصات يطلقها الأقرباء قبل الأعداء تجاه ذاك العضو المتواجد في منتصف قفصه الصدري من جهته اليسرى، فقلبه الذي عاش الفترة الماضية بسكينته، عاد من جديد لتنخفض دقاته وكأنها تعطي له إنذار حقيقي بتوقف عقارب الساعة وانتهاء الحياء.

هنا.. صعدت أحلام الشاب الغزي إلى العلى دون رجعة، وبدأ يخطط لمستقبل مجهول وهجرة قد تنقذه من غياهب الموت في تركيا، لكنه صمم على أن يترك وطنه المتعب ليستطيع أن يجد حياة جديدة قد تغير نظام حياته المرهق.

وبعد أن جهز أوراق سفره وكتب لوجوده في نهاية الحكاية ليبدأ في تركيا حكاية جديدة، غادر ساهر عبر معبر رفح البري، تاركاً خلفه والده وأمه وأخوته ومعاهداً أباه بأن يغير حياتهم إلى الأفضل، بعد أن يصل الأراضي التركية عبر الطيران المصري.

وصل الشاب الغزي إلى تركيا التي تغيّر جوّها عليه، ورغم البرد القارس والشتاء العليل إلّا أنه صمم بأن يبحث عن عمل له عن طريق ابن عمه الذي يتواجد هناك، فوجد بعد عدة أيام، واستطاع النزول إلى دوامه الذي يستمر لأكثر من 12 ساعة يومياً.

هكذا مرت أيامه الأولى في تركيا، وبعد ثلاثة أسابيع كُسرت كاسة كانت يشرب بها، علّها تسد رمق ريقه الذي غاب في ظل تعب الحياة، وكتبت بشظايا زجاجية انتثرت على الأرض بأن الحكاية القادمة ستقلب مجرى حياته للحزن بسبب خبر سيتلقاه حول والده.

هنا كانت الصدمة.. رن هاتفه فكانت يداه ترتجفان وكأنه يشعر بوجود شئ مغاير لكل شئ، فتمتمات صوت الشخص الذي اتصل به دقت في آذانه ببطء وبصوت ثقيل لتقول له "أبوك مات".

 

غادر والد ساهر هذه الليلة عن الدنيا، دون أن يودع ابنه الذي حرمه الوطن من العيش بين طياته أو احتضانه بثنايا رائحته العبقة التي غبّرها تراب أحذية المسئولين المتسخة بالسرقات والفساد.

بكى ساهر بحرقة على وفاة والده، الذي دفن في تراب حي الشجاعية، وبلا قبلة لجبينه أو احتضان لجسده للمرة الأخيرة، وكأنّ دموعه تحاسبه على ذلك كله، بسبب تركه له ينعى في طيات الألم بلا أبيه.

دفن والد ساهر بحسب ما أعلمنا به معمر ابن شقيقة حمدي، الذي تحدث لنا عن سماع خبر وفاة خاله عندما كان يعمل في محله لبيه المثلجات والبراد والبوظة، وكيف رمى هاتفه أرضاً وسار مسرعاً كسرعة الأسود عندما تريد الامساك بفريستها.

لوالد ساهر الشاب الغزي الرحمه، ولفلسطين عزاء بمن رحلوا، وللمسئولين العار في ظل ضياع شبان حرموا وانحرموا من ذويهم ليبحثوا عن لقمة عيشهم بين مافيا البلاد الأخرى.

disqus comments here