فرانس برس: الخروج من غزة وزيارة بيت لحم نعمة مزدوجة لميلاد عياد

عندما خرج ميلاد عياد آخر مرة من قطاع غزة كان عمره عشر سنوات، وهذا العام كانت هديته في عيد الميلاد غير متوقعة إذ حصل على تصريح لزيارة بيت لحم في الضفة الغربية المحتلة حيث ولد يسوع المسيح وفق التقاليد المسيحية.

يقول عياد الذي حصل على تصريح سار لنحو شهر "فرحتي لا توصف ولا تقدر بثمن".

 

وعياد واحد من بين 500 مسيحي من قطاع غزة سُمح لهم بزيارة مهد يسوع المسيح.

 

يوضح الشاب أنه لا يستطيع تعداد المرات التي حاول فيها الحصول على تصريح لمغادرة القطاع الذي تحاصره إسرائيل منذ نحو 15 عاما.

لم يستطع ميلاد الوصول إلى بيت لحم عشية عيد الميلاد حيث ذروة الاحتفالات، إذ صدر التصريح قبل يومين فقط، لكنه كمسيحي أرثوذكسي سيحتفل بعيد الميلاد في السادس والسابع من كانون الثاني/يناير.

ويقول طالب الدراسات العليا في التاريخ المعاصر إن "الاحتفالات في مدينة السلام بيت لحم خاصة".

ويضيف "لا يمكن مقارنتها بالاحتفالات في غزة حيث تتم خلف جدران الكنيسة مع قداس بسيط وفرقة كشافة صغيرة".

 

وتسجل أعداد المسيحيين في قطاع غزة تراجعا منذ سنوات، إذ هاجر كثير منهم وخصوصا بعد سيطرة حركة حماس الإسلامية على القطاع العام 2007.

وتسبب ذلك وفق الكنيسة المحلية بتراجع عدد المسيحيين في القطاع من 7000 إلى 1000 مسيحي فقط.

- عقبات -

بدت رحلة عياد للوصول إلى بيت لحم مليئة بالعقبات، أولاها أن السلطات الإسرائيلية لم تحدد موعد إصدار التصريح وبالتالي لا ضمانات أكيدة لحصوله عليه.

خلال تلك الفترة، اتصل ميلاد بعمه الذين يقطن مدينة بيت ساحور التابعة لمحافظة بيت لحم للتأكد من استعداده لاستضافته في منزله.

ولاحقا، بدأ التخطيط لرحلة العبور عبر "إيريز"، المعبر الشديد التحصين وحيث الاجراءات كثيفة، وهي مهمة تحتاج الى أعصاب حديد.

لكن التحدي الأكبر بالنسبة لميلاد تمثل في إقناع والده بقدرته على الذهاب في هذه الرحلة بمفرده.

يقول والده أبو ريمون الذي يعاني من مرض خطير "أنا أهتم بأولادي مثل عيوني".

وبالنسبة للأب فإن العبور إلى إسرائيل مرتبط بذهنه بصور الجنود الذين يطلقون النار على الفلسطينيين ما يجعله يتخوف من أن يواجه ابنه المصير ذاته.

في فناء منزل العائلة حيث كانت أضواء شجرة الميلاد تومض بين الحين والآخر بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، استغرق إقناع أبو ريمون بأمان الرحلة جهدا جماعيا تطلب تدخل أحد الجيران أيضا.

 

وأوضح الجار المذكوؤ أنه ما دام لدى ميلاد تصريح فلن يكون هناك أي خطر على حياته.

 

وفي يوم الرحلة الكبرى كان ميلاد الذي لم يتذكر ما إذا كان التقى إسرائيليا من قبل، يحدق في اللافتات التي تشير إلى المدن الإسرائيلية.

وبينما كان يرتدي معطفا ثقيلا يقيه "برد بيت لحم"، كان يتأمل بإعجاب المساحات الخضراء على جانبي الطريق ويقول "لا توجد غابات مثل هذه في غزة".

- حرية العبادة -

وصل عياد الى بيت لحم الأحد، وبالنسبة اليه فإن أعداد المسيحيين المتجمعين في ساحة المهد يفوق عدد المسيحيين في كل قطاع غزة.

بدأ بالتقاط صور "السيلفي" أمام شجرة عيد الميلاد العملاقة التي نصبت وسط الساحة قبل أن يزور كنيسة المهد ويضيء شمعة ويجثو على ركبتيه عند المغارة التي ولد فيها السيد المسيح.

ورغم كل العقبات، شكلت زيارته لبيت لحم استراحة قصيرة من معاناته اليومية في قطاع غزة. فالقطاع الفقير ما زال يتعافى من آثار التصعيد الدموي الأخير بين إسرائيل والفصائل المسلحة قبل سبعة أشهر.

ويعلق ميلاد "ما زلنا نبكي ضحايا العدوان".

يعيش في قطاع غزة نحو مليون نسمة وسط ارتفاع في معدلات البطالة والفقر.

من جهتها، تقول الباحثة في جامعة ييل جانين دي جيوفاني إن المسيحيين في غزة "يجب أن يتمتعوا بحرية الوصول إلى حيث يريدون لممارسة العبادة".

وتضيف الباحثة التي نشرت مؤخرا كتابا بعنوان "التلاشي، الإيمان، الخسارة، وغروب المسيحية في أرض الأنبياء" أن القيود المفروضة على حركتهم تمثل "إهانة مطلقة للحرية الدينية".

رغم كل ذلك، بدا ميلاد عياد سعيدا بتذوق طعم هذه الحرية في عيد الميلاد هذا العام، فرحلته من أرض فلسطينية إلى أخرى تجعله يشعر بأنه "سافر من دولة إلى أخرى" رغم أنه لم يستقل طائرة.

disqus comments here