مجرمون بلباس مجرمين

كانت الساعة تشير إلى قرابة الثالثة فجرا عندما استفاق وائل مقبل في بلدة قريوت جنوب نابلس، على ضرب عنيف على باب منزله، وأصوات مجموعة من خلف الباب "افتح الباب جيش".

ما أن فتح مقبل (62 عاما) باب المنزل، حتى تفاجأ باقتحام أكثر من ثلاثين مستوطنا منزله، ثم باغتوه بغاز الفلفل بعينيه وانهالوا عليه بالضرب المبرح بالحجارة والعصي، قبل أن يسحلوه إلى ساحة المنزل، وفق والده محمد مقبل (81 عاما) لمراسل "وفا".

ويشير إلى أن ولده وزوجته كانوا يتواجدون لوحدهما في المنزل عند هجوم المستوطنين، وأن أهالي الحي الذي يقطن فيه ولده هبوا للمنزل بعد أن تعالى صياح نجله إثر الإصابات التي تلقاها بكامل أنحاء جسده.

"المستوطنين هجموا على دار ابنك وائل"، كانت محتوى المكالمة التي تلقاها المسن مقبل في الرابعة فجرا، ليخرج من منزله راكضا مسافة قرابة كيلومتر حتى وصل لمنزل ولده الذي تحول لساحة حرب، وفق قوله.

ويقول "ما حل بمنزل وائل كان أشبه بزلزال، دمر المستوطنون كامل محتويات المنزل، فيما احتمت زوجته داخل غرفة في المنزل وطلبت النجدة من الأهالي".        

الناشط في مقاومة الجدار والاستيطان بشار قريوتي تحدث ، بأن كاميرات المراقبة أظهرت أكثر من ثلاثين مستوطنا بعضهم يرتدي لباس جيش الاحتلال، دمروا مركبة وجرارين زراعيين وحطموا زجاج منزل شقيق وائل.

ويشير إلى أن منزله يبعد قرابة 100 متر عن منزل وائل، وأنه هب برفقة أهالي الحي لإنقاذه بعد أن سمع تعالي صيحاته، وما أن وصل الأهالي للمنزل حتى هرب المستوطنون على مجموعتين لمستوطنتي "شافوت راحيل" و"شيلو".  

ويوضح أنه جرى نقل المصاب مقبل وزوجته للمستشفى لتلقي العلاج، حيث أصيب في كسور بليغة بكامل أنحاء جسده خاصة بالرأس والصدر، إثر الاعتداء عليه بالحجارة والعصي وأدوات حادة، فيما أصيبت زوجته بالاختناق بغاز الفلفل الذي رشه المستوطنون في المنزل.

ويؤكد أن المستوطنين دمروا جهاز تسجيل الكاميرات في المنزل في محاولة لإخفاء جريمتهم، إلا أن الأهالي تمكنوا من استعادة التسجيلات التي أظهرت بشاعة الجريمة التي ارتكبها المستوطنون.

ويؤكد القريوتي أن الجريمة البشعة التي حلت بالمواطن مقبل، خطط المستوطنون لارتكابها منذ أسبوع أو أكثر، حيث حضر الجمعة الماضية مجموعة من المستوطنين إلى محيط المنزل ظهرا، ورصدوا المنطقة جيدا قبل أن يصدهم الأهالي.

وينوه إلى أن لجان الحراسة كانت متجهزة على أسطح منازل عدة مواطنين في أطراف القرية القريبة من المستوطنات، إلا أنهم تفاجئوا بهجوم المستوطنين على منزل مقبل الذي يوجد بمنطقة وسط القرية.

وينوه إلى أن شرطة الاحتلال حضرت لمسرح الجريمة صباح اليوم وأجرت تحقيقا في الحادثة وصادرت تسجيل الكاميرات وحجارة عليها آثار دماء المصاب مقبل، لكنه يؤكد أنه لا يؤمن بأن شرطة الاحتلال ستحاسب الجناة، فالقاضي والجلاد ذاته والضحية دائما الفلسطيني.

ويوضح أن قريوت من أكثر القرى والبلدات الفلسطينية التي رفعت قضايا ضد المستوطنين واعتداءاتهم أمام محاكم الاحتلال، إلا أن ما تم الحكم فيه لصالح الفلسطينيين يكاد لا يذكر ودائما تسجل القضايا ضد مجهول، رغم أن المستوطنات المحيطة بالقرية محاطة بكاميرات مراقبة تظهر كافة تحركات المستوطنين.

وقتل الليلة الماضية مستوطن وأصيب اثنان آخران خلال عملية إطلاق نار على مدخل مستوطنة "شافي شمرون" المقامة على أراضي سبسطية ودير شرف شمال نابلس، وعقب العملية شهدت منطقة شمال الضفة هجوما لمجموعات المستوطنين الإرهابية على المنازل والمركبات.

وحطم المستوطنون 180 مركبة منذ الليلة الماضية وحتى إعداد هذا التقرير، على طول الطرقات الممتدة من ترمسعيا مرورا باللبن الشرقية حتى حاجز زعترة، وكذلك على الطريق الواصلة بين مدينتي قلقيلية – نابلس، ونابلس – جنين، ما أدى لإصابة عدة مواطنين، وفق مسؤول ملف الاستيطان شمال الضفة الغربية غسان دغلس.

وأشار دغلس ، إلى أن المستوطنين اعتدوا على 30 منزلا منذ الليلة الماضية، بينها 25 منزلا في قرية برقة شمالا وأحرقوا بركسا يعود للمواطن نزار سيف كما دمروا سبعة مركبات وثلاثة منازل في سبسطية وآخر في قريوت.

من جهته، يؤكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف أن ما يجري من اعتداءات يأتي ضمن عمل منظم ومخطط وليست ردات فعل ، وهناك ارتفاع كبير وخطير في اعتداءات المستوطنين.

ويشدد على أن الإرهاب الاستعماري منظم ومخطط له برعاية من الحكومة الإسرائيلية ومؤسساته العسكرية من الشاباك والجيش التي تتعامل بازدواجية في التعامل مع حوادث الاعتداء.

ويحذر عساف من خطورة أن تشهد الأيام المقبلة اعتداءات منظمة للمستوطنين في الضفة وأراضي الـ48، وذلك لتحويل حياة الفلسطيني إلى جحيم وإذلالهم وكسرهم وإجبارهم على الرحيل.

ويشير إلى أن ما يجري هو بداية مرحلة التطهير العرقي الثالثة، حيث كان النكبة الأولى والثانية، وبالتالي يخططون للقيام بنكبة ثالثة في ظل الانهيار العربي الذي نشهده والتخاذل الدولي وعدم القيام بمسئولياتهم وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني والتراجع عن الاتفاقيات الكاملة.

ويؤكد عساف أنه يجب أن ننظم صفوفنا كفلسطينيين عبر تنظيم لجان الحراسة في كل القرى والمواقع، وأن تكون هذه اللجان قادرة على توفير الحماية من المستوطنين، مشددا على أن حق الدفاع عن النفس قد كفله القانون الدولي والشرائع السماوية فيجب أن ندافع عن أنفسنا وألا نسمح للمستوطنين بالاعتداء على قرانا وصدهم بكل الأشكال وعدم السماح لهم بالاستفراد بالمنازل المتواجدة على أطراف القرى.

وأوضح أن الهيئة ومجموعة أخرى من المؤسسات تسعى لتقديم الحماية للمنازل التي تقع على أطراف القرى والمناطق المعرضة لاعتداءات المستوطنين، داعيا أصحاب تلك المنازل للتوجه للهيئة بهدف توفير الحراسات والحمايات وتمكينهم من الحفاظ على أرواحهم.  

وأشار إلى أنه لدى الهيئة برنامج منذ سبع سنوات لحماية المنازل الواقعة على أطراف القرى، وتم تقديم الحماية لقرابة ألف منزل من خلال توفير الأسيجة وكاميرات المراقبة وكشافات وغيرها، وأن هناك اتفاق مع مؤسسات دولية لتوفير الحماية لها.

ودعا عساف في ظل الحملة الحالية التي يشنها المستوطنون ضمن قوى إرهابية جديدة ومنظمة بدعم من حكومة الاحتلال وجيشه، إلى زيادة البرنامج المخصص لحماية المنازل من أجل تمكين المواطنين من العيش، وإلى تفعيل لجان الحراسة لحمايتهم.

"نحن شعب غير مسلح وأطالب بتوفير حماية دولية فورا لأبناء شعبنا في الضفة بما فيها القدس وأراضي الـ48 وتحديدا في مناطق (ج) والقرى والأغوار" يتابع عساف.

وأضاف: "لا يجوز أن تبقى الطرق آمنة للمستوطنين وأن نتعرض للاعتداءات نحن كفلسطينيين فقط، بل يجب أن تغلق لجان المقاومة الشعبية الطرق أمام المستوطنين والقيام بعملية التصدي لجيش الاحتلال والمستوطنين الذين يغلقون الطرق وإغلاقها أمامهم".

ووفق ما أوضح مدير الإسعاف والطوارئ في الهلال الأحمر في نابلس أحمد جبريل لـ"وفا"، فإن طواقم الإسعاف تعاملت مع 102 إصابة في محافظة نابلس (بيتا، وبيت دجن، وبرقة، وكفر قدوم)، 14 منها بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، و6 إصابات سقوط وحروق، و82 بالاختناق.

وأشار إلى أنه جرى إخلاء منزل فيه أم وأطفال تعرضت فيه العائلة لاستنشاق الغاز خلال المواجهات مع قوات الاحتلال في بلدة بيتا، كما تعرضت سيارة إسعاف تابعة للجمعية لإصابة بقنبلة غاز أدت لأضرار بهيكلها الخارجي، وجرى الاعتداء على مواطن (62 عاما) من قبل المستوطنين قرب مستوطنة "يتسهار" بحجر في الصدر ونقل إلى مستشفى رفيديا الحكومي.

disqus comments here