الدائرة القانونية في الجبهة الديمقراطية: الأسرى الفلسطينيون والمحكمة الجنائية الدولية

ينعقد إختصاص المحكمة الجنائية الدولية على كامل إقليم دولة طرف في نظام روما الأساسي، وبما أن دولة فلسطين دولة طرف في نظام روما الأساسي، وبما أن إسرائيل إرتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل إقليم دولة فلسطين بحدود الرابع من حزيران عام 1967، فإن للمحكمة الجنائية الدولية إختصاص في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المتعلقة بملف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، ولكن إلى الآن لم يفتتح مكتب المدعي العام التحقيق في قضية الأسرى.
تحرم إسرائيل الأسرى الفلسطينيين من المحاكمة العادلة، حيث تتم محاكمتهم في محاكم القدس، وعوفر، وإيريز، وسالم،  الواقعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والتي تدخل في إختصاص المحكمة الجنائية الدولية، حيث تمارس إسرائيل جريمة الحرمان من الحرية من خلال ممارسة الإعتقالات العشوائية، وجرائم التعذيب والتنكيل، والحرمان من العلاج.
ما يعيق عمل المحكمة الجنائية الدولية في ملف الأسرى هو أن معظم المحاكم الإسرائيلية في أراضي 1948، والتي هي خارج النطاق الإقليمي لإختصاص المحكمة الجنائية الدولية، مثل محكمة تل أبيب، حيفا، بئر السبع...، بما أن إسرائيل لم تنضم إلى نظام روما الأساسي كما أن الإختصاص الزماني للمحكمة الجنائية الدولية هو أحد المعوقات التي تواجه عمل المحكمة في قضية الأسرى، بإعتبار أن نظام روما الأساسي دخل حيز التنفيذ بعد توقيع 60 دولة، عام 2002، وبالتالي لا تنظر المحكمة إلى الجرائم التي تدخل بإختصاصها قبل عام 2002، لاسيما أن دولة فلسطين إنضمت إلى نظام روما عام 2015.
بموجب المادة 12/3 من نظام روما الأساسي، التي تجيز التحقيق بأثر رجعي، فتح التحقيق بجرائم غزة عام 2014، ويمكن الإستفادة من هذه المادة لفتح قضية الأسرى الفلسطينيين، ولكن بعد العام 2002، على الرغم من ذلك، فقد وضع القانون الدولي ضمانات لعدم الإفلات من العقاب، وذلك من خلال المحاكم الدولية الخاصة، عبر صلاحية مجلس الأمن بموجب المادتين 41 و42 من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بإختصاصات مجلس الأمن، أو من خلال إعتبار أن هذه الجريمة مازالت ممتدة إلى اليوم، ولم تنته في الماضي.  
وقد ورد في ديباجة نظام روما الأساسي مبدأ التكامل بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية، وبالتالي فيه إشارة على حث الدول الأطراف على المبادرة في التحقيق وعندما تعجز، تمارس المحكمة الجنائية الدولية إختصاصها، وبما أن إسرائيل دولة طرف في إتفاقيات جنيف الأربعة، فهي ملزمة بإتخاذ التدابير اللازمة لملاحقة الذين ينتهكون إتفاقيات جنيف الأربعة، بموجب المادة 129 من إتفاقية جنيف الثالثة التي تعنى بأسرى الحرب، والمادة 146 التي تعنى بحماية المدنيين أثناء الحرب، وقد شرعت إسرائيل قانونا خاصا لمحاكمة النازيين ومساعديهم عام 1950، ومنحت المحاكم الإسرائيلية حق ملاحقتهم، لكن خلا القانون من أي إلتزام للمحاكم الإسرائيلية من ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب من غير النازيين.
تستند القوانين الإسرائيلية لمرتكبي جرائم الحرب من مواطنيها إلى الأوامر العسكرية الإسرائيلية، وإلى قانون المعاقبات الإسرائيلي، لكن المحاكم الإسرائيلية لا تقوم بأي ملاحقة أو محاسبة لمرتكبي جرائم الحرب، وإن فعلت فتقوم بتخفيف العقوبة وتبرر العمل الإجرامي، وسرعان ما تبرؤه المحكمة، ولم يجر أي تحقيق إلى اليوم فيما يتعلق بقضايا التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الموجهة ضد قياديين إسرائيليين.
ويجب الإنتباه إلى المادة 20 من نظام روما الأساسي الذي ينص على عدم جواز محاكمة الشخص مرتين، لكن يجوز ذلك إذا كانت إجراءات التقاضي التي قامت بها الدولة تهدف إلى حماية الشخص من تحمل المسؤولية، أو إذا لم تتم المحاكمة بصورة عادلة ومستقلة.
من هنا، يجب على المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لعدم إفلات مجرمي الحرب والمجرمين ضد الإنسانية من العقاب، من خلال الضغط على مجلس الأمن لإنشاء محكمة دولية خاصة للأسرى الفلسطينيين، وتدويل قضية الأسرى لناحية الإفراج عنهم، وإتخاذ خطوات جدية لمنع المجرمين والمتورطين بجرائم الحرب من السفر وإستقبالهم في المطارات الدولية، والعمل على إقناع مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية فتح التحقيق في قضية الأسرى والمعتقلين الإداريين التي تدخل في إختصاصها الزماني والمكاني، والضغط على إسرائيل لتسليم المتهمين إلى المحكمة الجنائية الدولية وتسهيل عملها إذا فتحت التحقيق بملف الأسرى.

disqus comments here