آمنة عبد الجبار الريماوي: دور سياسي ونقابي ونسوي ملهم

«ما بِكفي إنقوّي المرأة في منظمات المرأة، مراكز التقوية الحقيقية للمرأة بدمجها في المجتمع كله».

آمنة الريماوي

---

رحلت آمنة الريماوي يوم 29 تشرين الثاني 2021؛ وبقي حلمها بالحرية متوهجاً.
لم تكتفِ بالحلم، حلمت وعملت لتحقيق حلمها الذي بدأ من فلسطين، وامتدّ ليشمل المضطهدين والمظلومين عبر العالم، نساء ورجالاً.
انطلقت من قرية بيت ريما، لتنتسب إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ولتصل إلى عضوية اللجنة المركزية للتنظيم. عملت بشكل رئيس مع المنظمات الجماهيرية والشعبية، دفاعاً عن حقوق العاملات.
وبدأت العام 1977 بالعمل مع اتحاد العمال الفلسطينيين؛ لتشغل موقع عضو الأمانة العامة واللجنة التنفيذية فيه، ولتشغل موقع رئيسة النقابة العامة للعاملين في الزراعة والصناعات الغذائية، وسكرتيرة دائرة المرأة للنوع الاجتماعي، حتى العام 2012، حيث ناضلت للحصول على حقوق المرأة في المساواة في الأجور وكامل شروط العمل.
مثلت الاتحاد في مؤتمرات دولية ومحلية وعربية، وعبر عملها النوعي شاركت في تدريب مدرّبين في النوع الاجتماعي، وفي تدريب مجموعات عمالية ونقابية، وبشكل خاص النساء، حول التنظيم النقابي، والمفاوضة الجماعية، وآلية تشكيل الفريق الوطني للمفاوضات، والسلامة والصحة المهنية، والنوع الاجتماعي، والقوانين والتشريعات الناظمة لعلاقات العمل، ومعايير العمل الدولية.
وحين دهمها مرض الفشل الكلوي نهاية العام 2013؛ لم ينتبها اليأس؛ صمدت وقاومت وساهمت في تشكيل جمعية لمرضى الكلى في محافظة رام الله، تختصّ بمتابعة قضايا المرضى والخدمات الصحية المقدمة لهم/ن، وشغلت موقع الناطقة الإعلامية للجمعية؛ لتحقق مع زملائها بعض الإنجازات على صعيد زيادة التمريض، وإشراف طبي دائم من خلال طبيب متفرغ لوحدة الكلى، وتطور نسبي في الأدوية.

*****

روت محطات من مسيرة حياتها الكفاحية، ضمن مشروع التأريخ لأدوار المرأة الفلسطينية منذ منتصف الستينيات حتى العام 1982؛ الذي بادر إلى تنفيذه «مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق» العام 2011.
تبيّن من روايتها وعيها السياسي المبكر المرتبط بوعي نسوي؛ بدأ مع ذكرياتها طفلة عن الدور السياسي للوالد والوالدة والجدة في ثورة 36؛ ما رسّخ لديها إيماناً عميقاً بقدرة المرأة اللامحدودة على العمل الفاعل والتأثير الإيجابي.
تحدثت عن تفتح وعيها إثر العدوان الإسرائيلي العام 1967، على الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة، وعلى سيناء والجولان؛ حين لجأت مع عائلتها وعدد كبير من قرية بيت ريما إلى المغر الطبيعية؛ اتقاء لطائرات الاحتلال الإسرائيلي، ثم روت عن تطوّر مشاركتها السياسية منذ العام 1969.

*****

بدأت آمنة نضالها وهي على صفوف الدراسة، وتبيَّن من شهادتها الدور القيادي للطالبات والمعلمات، في التظاهرات والاعتصامات السياسية، في أواسط السبعينيات.
تحدَّثت عن اعتصام طلابي مميز، في مدرسة رام الله الثانوية؛ حين اقتحم الإسرائيليون المدرسة لفضّ اعتصام الطالبات، اللواتي قاومن ولم يرضخن لجيش الاحتلال؛ ما جعله يحاصر المدرسة، إلى أن تدخّل الصليب الأحمر، ورئيس بلدية رام الله كريم خلف الذي وصف شجاعة ووعي بنات المدرسة بقوله: «بناتكم طالعات وغصن الزيتون في إيدهم والشرار في عينيهم».
كما تحدثت عن دور لجنة التوجيه الوطني، التي تأسَّست العام 1976، ومشاركة النساء في إنجاح انتخابات البلديات في العام ذاته، عبر عمل جماهيري مميز، في مواجهة مؤامرة روابط القرى لخلق بدائل عن منظمة التحرير الفلسطينية «نضلّ نقول على رأي «زهيرة كمال»: «بنِتشرَّف وبنِعتزّ إنه كنّا بنات شوارع بالمعنى النضالي»، ومثال: معركة خضناها مع الاحتلال، كانت كبيرة، انتخابات البلديات العام 76».
كانت تنزل قوائم مرشحة تحت إطار مسؤولية الإدارة المدنية بحينها، فواجهنا وقاومنا الاحتلال بعنف، إنُّه قائمة وطنية، وليس إدارة مدنية، كانت معركة بيننا وبين الاحتلال.

*****

كانت اللحظة الفارقة في حياة ونضال آمنة الريماوي عملها ضمن النقابات العمالية، حيث ربطت النضال العمّالي النسوي، بالنضال الوطني والسياسي.  تحدَّثت عن بداية التحاقها بالنقابات العمالية، في أواخر السبعينيات، بطلب من تنظيمها. وتبيَّن من شهادتها، أثر الارتباط بالعمل النسوي السياسي، والإيمان بالرؤية السياسية للتنظيم السياسي، على الانخراط ضمن النقابات العمالية: «بعد التحاقي بالنقابات العمّالية مع بداية تشكيل اتحاد لجان العمل النسائي، كانت أول خطوة إلنا بالاتحاد نعمل دراسة، ولا كنا نستنّى تمويل ولا مساعدات. صمّمنا استمارة خاصة بالنساء في سوق العمل، من ضمنها، تنظيم النساء في النقابات العمّالية. عملنا تفريغ وتحليل للاستمارة. كنا نحثّ النساء على الانتساب للنقابات العمّالية. كنا نربط دايماً النضال العمّالي بالنضال الوطني  والسياسي».

*****

لم تكتفِ آمنة بالعمل السياسي الجماهيري، والعمل ضمن النقابات العمالية؛ آمنت بدور الثقافة المرتبطة بالسياسة والمرتبطة أيضاً برؤية نسوية، قادرة على التأثير المجتمعي. انتسبت إلى فرقة دبابيس المسرحية، وشاركت في تمثيل مسرحيتين: الحق، والخيمة، وكانت تناقش مع زملائها كتباً اجتماعية، ذات بعد وطني أو نسوي.
تحدَّثت أيضاً، عن الأثر الإيجابي، الذي أحدثته مشاركة النساء، في العمل السياسي السري، في فلسطين، على شخصية النساء، وبيَّنت أن التطوّر الذي حدث على شخصية المرأة الفلسطينية، من قوة وصلابة وعنفوان؛ جعلها قادرة على التحدي، والمجابهة، والتمرّد على القيود الاجتماعية، التي تحدّ من قدرتها على الحركة، والمساهمة السياسية.

*****

نتيجة لعملها القيادي المؤثِّر، لتحقيق العدالة الاجتماعية، والحرية، والسلام العادل، في المجال الاجتماعي والسياسي؛ اختيرت آمنة الريماوي، من بين ثماني نساء فلسطينيات، للترشح مع ألف امرأة عبر العالم لنيل جائزة نوبل للسلام، العام 2005، ضمن هدف نبيل، سعى إلى جعل نضال النساء مرئياً، ومعترفاً به. كما سعى لمدّ جسور التواصل، وتبادل الخبرات والتجارب والمعرفة، بين نساء العالم، وهدف إلى نشر رؤية نسوية للسلام، حيث النضال من أجل تحقيق الأمان الإنساني، في كل بقاع العالم.

*****

آمنة الريماوي، أيتها المناضلة الصلبة والإنسانة الجميلة، سوف يذكرك بحب وإعجاب وتقدير كل من عرفك، أو عمل معك، أو تعرَّف على مسيرة حياتك الكفاحية والإنسانية، وسوف يفتقدك إلى جانب عائلتك؛ زملاء وزميلات النضال، والنقابات العمالية، والحركة النسوية الفلسطينية، والنساء اللواتي يعملن من أجل تحقيق السلام العادل عبر العالم ■

disqus comments here