بروتوكولات سرية: مجازر صهيونية ضد الفلسطينيين في العام 1948 يُكشف عنها لأول مرة

قال وزير الهجرة والصحة حاييم موشيه شابيرا (العامل الشرقي)، إن «تذهب إلى ذلك الحد محرم حتى في أوقات الحرب»، هذه الأمور وردت أكثر من مرة في اجتماعات مجلس الوزراء، وتحقق وزير الدفاع وطالب، وصدرت الأوامر.
«أعتقد أنه من أجل إعطاء الانطباع بأننا نأخذ هذه المسألة على محمل الجد يتوجب علينا اختيار لجنة وزارية يسافر أعضاؤها إلى تلك الأماكن لكي يروا بأنفسهم ما الذي جرى، يجب معاقبة من يقومون بمثل هذه الأعمال. المسألة لم تكن سراً، اقتراحي هو اختيار لجنة من ثلاثة وزراء تناط بهم مهمة التعامل مع هذه المسألة الخطيرة».
وقال وزير الداخلية اسحق غرين بويم (الصهاينة العامون)، «وأنا أيضاً أنوي توجيه سؤال في الموضوع ذاته. تنامى إلى علمي وجود أمر بتطهير المنطقة»، وعند تلك اللحظة روى غرين بويم حكاية ضابط قام بنقل السكان في حافلة إلى خطوط العدو، حيث طردهم، مضيفا: «لكن يبدو أن الآخرين ينقصهم الذكاء ذاته والإحساس ذاته، يبدو أن الأوامر يمكن أن تنفذ بوسائل أخرى».
ويقول وزير العمل موردخاي بن طوف (مبام)، «يزعم الناس الذي قاموا بهذا العمل بأنهم تلقوا أوامر بذلك، يبدو لي أننا ما كنا في قضية من القضايا بمثل هذا العجز الذي نحن فيه، الآن، تجاه هذه المسألة، في رأيي هذه ليست مسألة عربية، بل هي مسألة يهودية، والسؤال: أي اليهود سيبقى في البلد بعد الحرب؟، لا أرى سبيلاً سوى اجتثاث الشر بيد قوية، ونظراً لأننا لم نر هذه اليد القوية في مقرات (الجيش) أو في وزارة الدفاع، فإنني أؤيد مقترح السيد شابيرا بتشكيل لجنة تمنحها الحكومة الصلاحية للتحقيق مع أي شخص تريد. من الضرورة بمكان التحقيق مع الرتب القيادية المتسلسلة، فمن الذي تسلم الأوامر وممن، وكيف تتم الأمور دون أوامر مكتوبة، هذه الأمور تتم بناء على أسلوب معين، وها قد تبين أن الأمر شيء والسلوك شيء آخر تماما».
وقال رئيس الوزراء ووزير الجيش، دافيد بن غوريون (مباي)، «إذا هربوا، فلا يوجد داع للجري وراءهم، ولكن الأمر يختلف في حالة السكان الذين يبقون في أماكنهم، وتقوم جيوشنا بمطاردتهم، ذلك يمكن منعه، لا حاجة لمطاردتهم. في اللد والرملة صدرت أوامر صريحة بعدم مطاردة السكان ثم تبين أنهم أجبروا على المغادرة، أردت أن أتوجه إلى اللد في الأيام الأولى للاحتلال، وقدمت لي بعض الأعذار لماذا يجب علي ألا أذهب، في المرة الأولى قبلتها بسذاجة، والمسألة الأكثر خطورة هي المتعلقة بالسطو، الوضع فظيع».
فردوس الحمقى
انتهى اجتماع السابع من تشرين الثاني 1948 بقرار يقضي بتعيين لجنة من ثلاثة وزراء للنظر في الشهادات حول المجازر، وتشكلت اللجنة من كل من حاييم موشيه شابيرا، وبن طوف، ووزير العدل بنحاس روزنبلوث من الحزب التقدمي، بعد ذلك بأسبوع أخبروا مجلس الوزراء بأن الصلاحيات المحدودة التي منحت لهم لم تمكنهم من الوصول إلى حقيقة الأمر، مرت ثلاثة أيام أخرى، واجتمعت الحكومة مرة أخرى لمناقشة التحقيق في الجرائم.
قال بن طوف، «من المعروف لدي أن هناك دوائر داخل الجيش تريد تخريب قرارات الحكومة».
وقال شابيرا، «يجب أن نجد أفضل السبل لوقف الوباء، فالوضع في هذه المسألة أشبه ما يكون بالوباء، استمعت اللجنة، اليوم، لشاهد واحد، ولقد وضعت وجهي في يدي خجلاً وخزياً، إذا كان ذلك هو الوضع، لا أدري من أي جهة يتربص بالدولة خطر أكبر – من جانب العرب أم من جانبنا نحن. في رأيي، جميع أسسنا الأخلاقية تقوضت ونحتاج للبحث عن طرق للجم هذه النزعات، لقد وصلنا إلى هذا الوضع لأننا لم نعرف كيف نتحكم بالأمور عندما بدأت للوهلة الأولى، انطباعي هو أننا نعيش في فردوس الحمقى، إذا لم يحدث تغيير، فإننا حينها نكون قد قوضنا بأيدينا الأساس الأخلاقي للحكومة».
وقال وزير الزراعة أهارون سيلزينغ (مبام)، «تلقيت رسالة من شخص معين بشأن هذه المسألة، يجب أن أقول لكم، إنني علمت عن الوضع بخصوص هذه المسألة، وقد أثرت الموضوع على هذه الطاولة أكثر من مرة، بعد أن قرأت الرسالة التي وصلتني لم أتمكن من النوم طوال الليل، شعرت بأن شيئاً يحدث ويؤثر على روحي، على روح منزلي، على أرواحنا جميعاً نحن الذين هنا، لم أتمكن من تصور من أين جئنا وإلى أين نحن ذاهبون، أعلم أن هذا ليس من باب المصادفة وإنما هو شيء يحدد معايير الحياة في الأمة، وأعلم أنه يمكن أن تكون لذلك عواقب في كل جانب من جوانب حياتنا، وذلك أن العدوان يولد العدوان، وتصبح هذه المسألة طبيعة ثانية للناس».
وقال وزير الشرطة بيشور شالوم شتريت (السفرديم والطوائف الشرقية)، «منذ الأيام الأولى لإدارة الجمهور (الكيان التشريعي المؤقت ما قبل أيار 1948)، طالبت بمقاربة صارمة بشأن هذه المسألة ولكنكم لم تستمعوا إلي، أنتم هائجون بسبب أفعالهم الجسيمة، لقد تقدمت بالعديد من المقترحات بشأن هذا الموضوع، وحتى هذا اليوم، لم يقبل أي منها».
وقال وزير النقل دافيد ريمز (مباي)، «لقد انزلقنا نحو منحدر مريع؛ صحيح أنه ليس الجيش بأسره، ولكن إذا وجدت أعمال كهذه ويتكرر حدوثها في الكثير من الأماكن، فهي بلا ريب أعمال فظيعة ومخيفة».
بعد النقاش، أعلن بن غوريون بشكل حاد: «طالما أن اللجنة لم تنجز المهمة التي أوكلت إليها، فإنني أعلن إلغاءها»، فرد غرين بويم قائلاً، «إننا بذلك ندفن المسألة»، أما الوزير شابيرا، الذي كان هو من دعا إلى تشكيل اللجنة في المقام الأول، فعلق على ذلك بالقول، إنه «شعر بأن الأرض تتحرك تحت قدميه».
في الحقيقة، سرعان ما أدرك الوزراء أن رئيس الوزراء لم يكن مهتماً بإجراء تحقيق كامل في جرائم الحرب، فقد رفض منح اللجنة الوزارية الثلاثية صلاحية استدعاء الشهود، ثم عزا فشلها إلى كسل أعضائها، وفي الوقت الذي طالب بعض الوزراء تأسيس لجنة يكون لها أسنان، وألحوا على ضرورة تقديم المسؤولين عن تلك الأعمال إلى العدالة كان بن غوريون يسحب بالاتجاه المعاكس، وفي النهاية، توصل الاجتماع إلى القرار التالي: «توكل الحكومة لرئيس الوزراء المسؤولية عن التحقيق في جميع المزاعم التي أثيرت بشأن سلوك الجيش تجاه العرب في الجليل وفي الجنوب».
بعد يومين من اللقاء، وتحديداً في التاسع عشر من تشرين الثاني 1948، كلف بن غوريون النائب العام يعقوب شمشون شابيرا بالتحقيق في الأحداث، وأشار رئيس الوزراء في كتاب التكليف بأن النائب العام «مطلوب منه بموجب هذا التكليف القيام بالبحث والتحقيق فيما إذا كان ضرر قد ألحقه الجنود والجيش بحياة السكان العرب في الجليل وفي الجنوب، لم يكن منسجماً مع القواعد المقبولة للحرب».
بعد أسبوعين، تقدم النائب العام بتقريره لرئيس الوزراء، وفي اجتماع الحكومة المنعقد في الخامس من كانون الأول قرأ بن غوريون النقاط الرئيسة، إلا أن هذا القسم من محضر الاجتماع ما زال مطموساً. في ثمانينيات القرن الماضي قدم المؤرخ بني موريس التماساً لدى محكمة العدل العليا طالباً تزويده بالتقرير، إلا أن الالتماس قوبل بالرفض. وعمل معهد عكفوت منذ سنين من أجل رفع صفة السرية عن التقرير.
ورد ذكر التقرير مرات قليلة جداً في الأدبيات الأكاديمية، بل كان ذلك نادراً لدرجة أن البعض ذهب إلى حد التشكيك في وجوده أصلاً، وكتب المؤرخ يواف غيلبر، مؤلف واحد من أفضل الكتب حول «حرب الاستقلال» (1948)، عنوان النسخة العبرية منه «الاستقلال مقابل النكبة: الحرب العربية الإسرائيلية في 1948 » إنه لم يجد «تقرير شابيرا حول نتائج التحقيق أو أي إشارة إليه، أو أي دليل آخر يفيد بأن تحقيقاً تم إجراؤه في موضوع التصرفات الشاذة التي حدثت في الجليل.» إلا أن التقرير موجود بالفعل، ويستدل من المحاضر التي باتت متوفرة، الآن، على أن وزراء الحكومة لم يكونوا مسرورين على الإطلاق بمحتواه أو بتوصياته.
بعد قراءة النقاط الأساسية التي وردت في التقرير على مسامع وزراء الحكومة، قال بن غوريون، «لا أقبل بكل ما كتبه شابيرا، ولكني أعتقد أنه أنجز شيئاً مهماً وقال أشياء لم يكن الآخرون ليجرؤوا على قولها». ثم اغتنم الفرصة لينتقد زملاءه أعضاء الحكومة قائلاً، «بالطبع، من السهل أن تجلس هنا حول هذه المائدة وتوجه اللوم إلى عدد قليل من الناس، إلى هؤلاء الذين قاتلوا».
وقال حاييم موشيه شابيرا، «بالفعل، قدم النائب العام تقريراً بناء على ما قيل له، ولكن هذه ليست مهمته هو. في رأيي، الشيء الوحيد الذي ما زال من الممكن فعله هو اختيار لجنة عامة تنوب عن الحكومة لتقوم بالتحقيق في المسألة وتغوص في التفاصيل. ولكن إذا ما تم التستر على هذه الأفعال، فإن الحكومة بأسرها ملامة إذا لم تجلب الجناة ليمثلوا أمام العدالة».
وقال ريمز، «تلك الأعمال تخرجنا من فئة اليهود ومن فئة البشر قاطبة. بالضبط حول هذه المسائل الخطيرة ما زلنا نلتزم الصمت حتى اليوم، يجب أن نجد سبيلاً لوضع حد لهذه الأعمال، ولكن لا ينبغي أن نسكت ضميرنا من خلال تركيز كل لومنا على كاهل أولاد تم جرهم على خطى أعمال ارتكبت من قبل».
قانون الصمت
طوال اجتماعات مجلس الوزراء ورد مراراً القول، إنه «يوجد قانون صمت بين الجنود تجاه جرائم الحرب»، وعن ذلك قال الوزير شابيرا، «الحقيقة هي أن الجنود يخشون الإدلاء بشهاداتهم، سألت أحد الجنود عما إذا كان على استعداد للمثول أمام اللجنة، فطلب مني ألا أذكر اسمه، وأن أنسى أنه تحدث معي، وأن اعتبره شخصاً لا يعرف شيئا».
كما تحدث بن غوريون عن صعوبة كسر دائرة الصمت قائلاً، «فيما يتعلق بالجليل، تم نشر القليل من الأمور، وليس كل ما يشاع موافقا للحقيقة، العديد من الأمور تأكدت بالفعل، أما ما حدث في الدوايمة فلا يمكن تأكيده، هناك تستر، ومسألة التستر غاية في الخطورة، لقد كلفت شخصاً للقيام بالاستيضاح بشأن مسألة بعينها، فنظمت عملية ضده لمنعه من القيام بالاستيضاح، وتعرض لضغط شديد».
وأكد بن غوريون بأنه كان من المستحيل التأكد من الحقيقة، لا في الشمال ولا في الجنوب، وأضاف، إنه «في النقب ارتكبت أعمال لم تكن أقل صدمة من تلك التي ارتكبت في الجليل».
ساعد قانون الصمت أولئك الذين رغبوا في كنس الجرائم وإخفائها تحت البساط تجنباً للتحقيقات وللإدانات، وبالفعل كان شموئيل لهيس، قائد الوحدة التي ارتكبت مجزرة الحولة، من بين القلة الذين اتهموا بارتكاب جرائم قتل أثناء «حرب الاستقلال»، ولكن مذبحة الدوايمة، التي تم التحقيق فيها داخلياً من قبل الجيش الإسرائيلي، لم تنجم عنها أي لوائح اتهام.
يكشف عن مدى كثافة التستر داخل الجيش كتاب من تأليف يوسف شاي - ل، وكان جندياً يخدم في فرقة لهيس وشاهداً في محاكمة قائده السابق في مذكراته غير المنشورة من العام 2005 بعنوان «أول ثمانين سنة من حياتي»، يقول شاي - ل، «بعد أن نطقت المحكمة بالحكم، مررت بأوقات عصيبة لفترة من الوقت، كان الناس يمسكون بي في المقاهي ومختلف الأماكن الأخرى في المدينة وينهالون علي ضرباً، فصرت أتعمد الخروج وفي جيبي مسدس، وكنت قد وجدت المسدس في منزل مهجور في عكا قبل وقت طويل من ذلك، كان الجميع يعرفون أنني قناص، وبذلك نعمت بالهدوء لبعض الوقت، ثم أخبرت الشرطة والدي بوجود خطة لاختطافي من البيت فاختبأت في منزل أحد الأصدقاء».
وحتى أولئك الذين لم يستفيدوا من الصمت والتستر وحوكموا على جرائم ارتكبوها أثناء الحرب، ما لبثوا أن أخلي سبيلهم، وصدر في شباط 1949 عفو عام بأثر رجعي على أي جرائم ارتكبت أثناء الحرب، ولا يبدو أن الجمهور بشكل عام كان يزعجه أي من ذلك. وقعت الأحداث المذكورة آنفاً خلال الفترة التي كان يتم فيها تأسيس النظام القضائي العسكري، ولعل ذلك يفسر لماذا أوجد الجيش في داخله ثقافة تنظيمية تتساهل مع قتل الفلسطينيين على يد الجنود أثناء العمليات. كان الفيلسوف مارتن بوبر قد أطلق على العقلية التي هيمنت على المجتمع اليهودي في ذلك الوقت مصطلح "جنون الحرب».
بعد نصف عام من ذلك، مثل أول رئيس للكنيست، يوسف شبرينتس، أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان، وورد في اللقاء ذكر تقريرين نشرا في الصحافة في ذلك اليوم، وكلاهما يختصر الموقف من جرائم القتل التي ترتكب أثناء الحرب، وأشار أحد التقريرين إلى ضابط أصدر أثناء القتال أمراً بقتل أربعة من الأفراد الجرحى، بينما كان التقرير الثاني حول شخص قام ببيع معدات مسروقة من الجيش؛ حكم على الأول بالسجن ستة أشهر بينما حكم على الآخر بالسجن 3 سنين، وعلى كل حال، لم يساور شبرينتس أي شك، بل كانت الرؤية لديه واضحة، حين قال مخاطباً اللجنة، «نحن أبعد ما نكون عن الإنسانية، وما نحن إلا كغيرنا من الأمم».
عن «هآرتس»

disqus comments here