الاستيطان في 2021.. حلقات تكتمل وممانعة ضعيفة

على الرغم من تغير حكومة الاحتلال، وإزاحة نتنياهو عن المشهد الحكومي لدولة الاحتلال وتزامن ذلك مع تغير الإدارة الأمريكية الأكثر دعما للاستيطان في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب فإن القاسم المشترك لأجندة حكومة الاحتلال الذي لم يتغير عام 2021 هو الاستيطان حتى أن حكومة الاحتلال تعرَف بأنها حكومة المستوطنين.

وقال الوزير إلكين من حزب "الأمل الجديد" في حكومة بينيت: إن "تعزيز الوجود اليهودي في يهودا والسامرة أمر أساسي في الرؤية الصهيونية".  وذلك ردًّا على تصريح المتحدث باسم الخارجية الأميركية، نيد برايس، في مؤتمر صحفي في (26/10/2021): إن الولايات المتحدة "قلقة بشدة حول خطة الحكومة الإسرائيلية للتقدم بآلاف من الوحدات الاستيطانية العديد منها في الضفة الغربية. نحن نعارض ذلك بشدة".

وصرح رئيس مجلس "السامرة" (شمال الضفة) الاستيطاني، يوسي دغان، للقناة السابعة العبرية في (19-10-2021): "لن نسمح بتجميد البناء (في الضفة الغربية)، لا في هذه الحكومة ولا في أي حكومة أخرى".

وبحسب بيانات حركة "السلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية؛ تضم الضفة الغربية مع (شرقيّ القدس) 145 مستوطنة كبيرة، و140 بؤرة استيطانية عشوائية (غير مرخصة من الحكومة الإسرائيلية)، وبلغ عدد المستوطنين حتى 2021 نحو 660 ألف إسرائيلي، يعيش 230 ألفاً منهم في (شرقيّ القدس) ومحيطها، في حين تعيش الأغلبية 440 ألفاً، في الضفة الغربية، وتحديداً في الكتل الاستيطانية الكبرى، ويشكلون 14 بالمئة من سكان الضفة.

وأعلن مايكل لينك، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ او بالاكريشنان راجاغوبال، المقرر الخاص المعني بالحق في السكن اللائق، في بيان في (3-11-2021) أن "المستوطنات الإسرائيلية تعدّ جريمة حرب مفترضة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويجب أن يعاملها المجتمع الدولي على هذا النحو".

ووثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2021 أكثر من (700) حالة اعتداء حتى الآن من المستوطنين على مواطنين فلسطينيين، أكثر من 90% منها لم تلق التحقيق والمتابعة من حكومة الاحتلال.

خطوات استيطانية متسارعة

عُدّ أيلول وتشرين الأول من العام الجاري الأكثر خطورة من حيث قرارات الاستيطان العلنية من حكومة الاحتلال حيث  صدّق ما يسمّى مجلس التخطيط الأعلى، التابع للإدارة المدنية الإسرائيلية، في اجتماع هو الأول منذ ما يقرب من عام، على مخطط لبناء بناء 3144 وحدة استيطانية في (30) مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية والقدس.

وسبق القرار الصادر في النصف الثاني من أكتوبر الفائت، إعلان القناة السابعة الإسرائيلية عن مخطط لبناء 104 وحدات استيطانية في مستوطنة جيلو جنوب غربي القدس المحتلة على محور السكك الخفيفة؛ ما يساعد في محاصرة القدس وفصلها عن الضفة الغربية.

وإضافة لما سبق أعلن الاحتلال في 21 سبتمبر 2021 عن اعتزام حكومته إنشاء معابد يهودية في مستوطنات الضفة ومناطق أخرى في البلاد وطرحها ضمن خطة الأولويات الوطنية للحكومة، وهي الخطوة التي تضيف لجهود تكريس الاستيطان، وترسيخ الصبغة الدينية لتلك المستوطنات.

وأعلن ما يسمّى وزير شؤون الأديان الصهيوني، ماتان كاهانا على "تويتر" في (20-9-2021) مخططا لإنشاء المعابد اليهودية في بعض "المدن والبلدات الإسرائيلية"، ومنها مستوطنات الضفة الغربية، مؤكداً أن القرار يعدّ أولوية لحكومته.

ومن المقرر وفقاً لتلك المخططات توزيع 625 مليون دولار على 30 مستوطنة بدعوى وجود نقص في المعابد في المستوطنات.

وبحسب تقرير لحركة السلام الآن الإسرائيلية لعام 2021؛ فإنه إضافة لما سبق فإن حكومة الاحتلال تعمل على تنفيذ سبع خطوات استيطانية كبرى في الأراضي المحتلة، بما فيها التقدم في ثلاثة مشاريع استيطانية ضخمة بشرقي القدس ومحيطها.

أرض مطار قلنديا

أنشئ مطار قلنديا عام 1920 أي قبل النكبة بـ28 عاما، وسيطر عليه الاحتلال بعد ذلك إلى أن أغلق في العام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الثانية.

وكان لافتا دعوة "وزير" التعاون الإقليمي الصهيوني عيساوي فريج في (30-11-2021) الحكومة الصهيونية إلى ترميم وفتح مطار عطروت (قلنديا) في القدس الذي أغلق في العام 2000 مع بدء الانتفاضة الثانية، كمطار إسرائيلي فلسطيني مشترك.

وجاءت تصريحات فريج قبل مناقشة "لجنة التخطيط والبناء اللوائية" خطة بناء حي جديد بسعة 9000 وحدة سكنية على مدرج مطار عطروت في القدس ما يعني هدم المطار ومدرجه بمساحة 2000 دونم إلا أن تسريبات صحفية للاحتلال أشارت إلى أن تدخلات أمريكية تعيق المشروع.

وعدّ رئيس هيئة مقاومة الجدار وليد عساف أن مشروع المستوطنة المذكورة هو الأخطر استيطانيا لعام 2021، حيث إنه يعني استكمال عزل القدس، وتمزيق النسيج الاجتماعي والاقتصادي لبلدة قلنديا ومخيمها، وكفر عقب، والجديرة، والرام وبيت حنينا.

وأضاف أنه في حالة إقامة هذه المستوطنة فستكون الأولى على أراضي (شرقيّ القدس)، منذ أن صدّقت دولة الاحتلال على مستوطنة "هار حوما"، التي أقيمت على جبل أبو غنيم عام 1997.

القدس.. وملف الشيخ جراح

شكلت أحداث الشيخ جراح الحدث الفارق في القدس لعام (2021)، والتي تسببت مع اقتحام المستوطنين للأقصى في معركة سيف القدس صيف العام الجاري.

ولم تقف السياسات الإسرائيلية العام الجاري عند حدود السيطرة على منازل فلسطينية لمصلحة جماعات استيطانية، وإخلاء ومحاولات إخلاء المنازل في حي الشيخ جراح وسلوان وبطن الهوى لنفس السبب، بل امتدت إلى تجريف المقبرة اليوسفية في القدس لتحويلها إلى حديقة توراتية.

ويلخص واقع الاستيطان في القدس الحوار الذي دار بين مني الكرد، من حي الشيخ جراح والمستوطن أمريكي الجنسية يعقوب فاوتشي، الذي يسكن جزءاً من منزل العائلة المهددة بالتهجير. حيث قال فاوتشي ما عُدّ المنهج الحاكم للمستوطنين بقوله: "إذا لم أسرقه أنا (المنزل)، سوف يسرقه شخص آخر".

تؤكد منى الكرد أن معركة الشيخ جراح هي معركة القدس، وأن حملة التضامن العالمية التي كانت أحد مشعليها أربكت الاحتلال ومخططه، مطالبة أحرار العالم بأن يكونوا يقظين سيما وأن مخططات الاحتلال في دهاليز المحاكم لا تقل خطوة عما يتم على الأرض.

الأغوار.. تمدّد ملفت

شكلت حمصة الفوقا عنوان المواجهة الأول لعام 2021 في الأغوار، وذلك بعد أن هُدمت وهُجّر أصحابها أكثر من خمس مرات ما بين شباط وأيار 2021 بعد أن يعاد بناؤها من النشطاء والمواطنين.

وتعدّ حمصة أول قرية فلسطينية تهجر بالكامل بعد عام 1967. ووفقا لإحصائيات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في ذلك الوقت، فإن عمليات الهدم في خربة حمصة أكبر حادثة تهجير القسري منذ سنوات.

لم يكن مخطط تهجير حمصة -وفق رئيس مجلس المضارب البدوية في المالح مهدي دراغمة لمراسلنا- سوى حلقة من حلقات استهداف شامل طال بعد ذلك مواقع عديدة في وادي المالح في الأغوار الشمالية، سيما السيطرة على جميع عيون المياه ومنها الساكوت وعين حلوة في أغسطس 2021، وهي مصادر المياه المفتوحة الوحيدة التي كانت متاحة في المنطقة.

وفي (20-10-2021) قالت صحيفة "إسرائيل اليوم": إن وزارة البناء والإسكان الصهيونية تعكف على بلورة خطة لمضاعفة عدد المستوطنين، على طول أراضي غور الأردن، عبر تخصيص 90 مليون شيكل لتعزيز المستوطنات القائمة.

ووفقاً لدائرة الإحصاء المركزية للاحتلال؛ فإن عدد المستوطنين في الأغوار يقدر بنحو 6 آلاف مستوطن، في حين تشير المصادر الفلسطينية إلى أن عددهم ارتفع خلال السنوات الأخيرة ليصل إلى 13 ألف مستوطن، يتوزعون على 38 مستوطنة غالبيتها زراعية، أقيمت على 12 ألف دونم، إضافة إلى 60 ألف دونم ملحق بها، وتتبع معظم المستوطنات في الأغوار للمجالس الاستيطانية الإقليمية المعروفة باسم “عرفوت هيردن” و”مجيلوت”.

أدوار ضعيفة للمستوى الرسمي

ولا يرى الخبير في شؤون الاستيطان محمد إلياس أن الحكومة والسلطة تقوم بما يجب القيام به من أدوار في مواجهة الهجمة الاستيطانية، فالمطلوب حسب حديثه : خطة وطنية جادة في قطع العلاقة تماما مع الاحتلال ما استمر الاستيطان.

وأضاف: أيضا التحرك الدولي ضعيف، ولا يرقى لحجم الهجمة الاستيطانية على الأرض، وبالتالي لا بد من تفعيل الملاحقات الدولية للاحتلال ومحاكمته دوليا ورفع ملفات الاستيطان للمحاكم الدولية بوضوح، تزامنا مع عمل شعبي جاد وعميق على الأرض يربك مشاريع الاستيطان.

يتوافق مع ذلك الباحث في الاستيطان والأغوار عارف دراغمة -في حديثه - أن الأداء العام للسلطة في التعامل مع ملف الاستيطان وملف الأغوار غير كافٍ، والمواطنون في الأغوار يتم التعامل معهم وفق مبدأ "اذهب أنت وربك فقاتلا" فصمود الناس في مواجهة الاستيطان يتطلب سياسات وطنية داعمة فعليا ومنظمة ووجود دائم ومستمر.

 

disqus comments here