على وقع النيران الباردة.. غزة تتألم بهدوء

في "إسرائيل" يتجهزون لشتاء خصب تحلو معه جلسة هانئة أمام المِدفأة وسهرات طويلة حتى الفجر في نوادي "تل أبيب"، فالشيكل يصعد بقوة والمال والأعمال تمضي على ما يرام.

يدعي الاحتلال أن "جبهة غزة" تشهد هدوءًا تاريخيًّا، لكن أصوات الرصاص اليومي على حدودها الشرقية وقوارب صياديها مع استمرار حصار المعابر يجعل وصفهم محاولة شاقة لتصديق كذبة صريحة.

كل شيء في غزة على ما يرام سوى عدوان الاحتلال الذي لا يفارق ليلها ونهارها منذ رحيل غبار دبابات الاحتلال في عدوان مايو الماضي.

طنين طائرات الاستطلاع ينغّص حياة سكان غزة وأصوات الرصاص متكرر دون انقطاع وأبواب معابرها موصدة أمام حركة التجارة والتنقّل بواقع يكذّب مزاعم الاحتلال.

هدوء خدّاع

في حكومة الاحتلال يفهمون أنَّ هذه المزاعم لا تعبر عن واقع لالتقاط الأنفاس بعد عدوان مايو الماضي، وإنما لممارسة الخداع والاستفادة من تصالح سياسي بين دول الإقليم للاستفراد بمعاناة غزة.

تدعي دولة الاحتلال أنها زادت من التسهيلات الاقتصادية على المعابر، وفتحت الباب أمام المئات من غزة للعمل في مدنها وبلداتها، لكن واقع الحياة اليومية بغزة لم يشهد تغّيراً حقيقيًّا من الاحتلال.

ويؤكد اللواء يوسف شرقاوي، الخبير في الشؤون العسكرية، أن دولة الاحتلال تحاول الاستفادة من الهدوء المؤقت، وتضلل الرأي العام حول شؤون غزة المحاصرة للنيل من معنويات المقاومة والحاضنة الشعبية لها.

ويضيف : "المزاعم حول هدوء غير مسبوق ليس صحيحاً، وربما في فترات سابقة كان الهدوء أكبر بغزة، والمقاومة تدرك ذلك، وتواصل الاستعداد، وتكشف ذلك بالإعلان عن إطلاق قذائف تجريبية دوماً".

تعاني المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية فشلاً استخباريًّا تجسّد في إخفاق أدائها الميداني والعسكري خلال عدوان مايو الماضي وفي عدوان 2014م من قبل، وقد صبّت نيرانها العمياء على أهداف مدنية، وقتلت عشرات المدنيين.

اللقاءات السياسية والجولات المكوكية متواصلة بين الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية التي ترغب في هدوء الإقليم، ومن عناصره غزة، والتي تعد جبهتها الأقرب دوماً للانفجار.

يقول د.محمود العجرمي، المحلل السياسي: إن الواقع الميداني بغزة منذ عقدين يثبت أن هدوء غزة دوماً يسبق الانفجار، وأن ما تقدمه "إسرائيل" ليس تسهيلات بل حقوق وواجبات يفرضها القانون الدولي على الدولة المحتلة.

ويتابع : "إسرائيل في الواقع تحاول ابتزاز غزة بالضغط المتواصل فقد عطلت مؤخراً دخول وقود محطة الكهرباء الوحيدة، وتغلق المعابر، وتمنع دخول سلع تسميها مزدوجة الاستخدام، وتطلق النار يوميًّا شرقاً وغرباً".

رغم فاصل المسافة بين غزة والضفة والقدس المحتلة إلا أن دولة الاحتلال تدرك تناغم وتجاوب الميدان بينهم، وقد تدحرجت كرة اللهب في مايو الماضي من القدس إلى غزة، واليوم تفهم أن مواصلة العدوان بالقدس وحصار غزة لا ينفصلان.

وتخترق "إسرائيل" اتفاق التهدئة المبرم عقب عدوان عام 2014م بإطلاق النار على المزارعين قرب حدود غزة لمسافة تصل 500 متر، وتمنع الصيادين من العمل في 20 ميلًا معترفٍ بها في اتفاقية أوسلو، وتعتدي عليهم اعتقالا وملاحقة وتخريب قوارب وأدوات صيد.

تعلن "إسرائيل" أن أي تقدم في واقع غزة مرتبط بتطور في ملف جنودها الأسرى لدى المقاومة، وهي معادلة تفهمها المقاومة التي تعي أن "إسرائيل" لن تقدم حقوق دون ثمن تدفعه.

انفجار وشيك

آخر ما ترغب فيه حكومة الاحتلال الآن هو انفجار المشهد الميداني بغزة، لكنها في الوقت ذاته تمارس التضليل، وترفض الاعتراف بحق غزة في الحياة، لذا تكرر فتح النار متى شاءت.

تخطت حكومة الاحتلال قبل أسابيع أزمة التصويت على الميزانية العامة للحكومة بصعوبة بعد 3 سنوات من الأزمة، وتنفتح اقتصاديًّا وتجاريًّا مع دول التطبيع ودول أخرى، لكنها ترفض تقديم شيء في مشروع تسوية متعثرة واستيطان متغوّل.

ويشير الخبير شرقاوي أن دولة الاحتلال تريد في ظل حكومتها الحالية منح رئيس هيئة أركانه "افيف كوخافي" زخماً ليواصل العمل باستقرار، وترغب في تقدم بملف الجنود الأسرى، لكنها غير مستعجلة لإبرام صفقة في الوقت ذاته.

وكان رئيس هيئة الأركان "افيف كوخافي" قال خلال مشاركته في جلسة الخارجية والأمن في الكنيست قبل أسبوعين: "يوجد لإسرائيل تحديات أمنية كثيرة في ستّ جبهات مختلفة. الجيش سيرد بقوة على كل انتهاك للسيادة إن كان في غزة، أو الشمال، أو من قوة إيرانية أو فلسطينية". 

السجل التاريخي لتطور المشهد الميداني بغزة لعدوان أو جولة تصعيد يبدأ عادةً بعدوان عسكري مفاجئ يبدؤه جيش الاحتلال، ثم ترد المقاومة، ثم يتطور لمعركة كبيرة.

في عدوان غزة عام 2008م بدأ المشهد بقصف شامل وعنيف لغزة، وفي عدوان 2011م بدأ العدوان باغتيال نائب قائد القسام أحمد الجعبري، وفي عدوان 2021م بدأ بتصعيد كبير في القدس، أما عدوان 2014م الأطول زمناً والأغزر نيراناً فبدأ بقتل عدد كبير من الفلسطينيين بغزة.

ويرى المحلل العجرمي أن ما تحت السطح يعكس التضليل الذي تسوّقه دولة الاحتلال عن هدوء غزة، وهو مشهد متكرر في القدس والضفة، والمؤشرات تدلل أن الانفجار قادم، ولن يطول إلا إذا عدَلت دولة الاحتلال عن سلوكها، والتزمت بما يمليه القانون الدولي.

 لا يريد الاحتلال من واقع غزة إلا البقاء كما هو وسط حصار وبطالة وفقر مع إطالة زمن الانقسام الذي يفسح لها فرصة زيادة الاستيطان والقفز عن أي محاولة إقليمية للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، لذا فهدوء غزة غربال تحت ضوء الشمس.

 

 

disqus comments here