الشيخ جراح.. صراع وجود ومعركة سيادة

عدت إلى حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة مجددا، في مشهد خيم عليه الصمت، ينذر باندلاع شرارة الاحتجاجات شبيهة بتلك التي اندلعت في أيار/ مايو الماضي، دفاعا عن 28 عائلة فلسطينية مهددة بالإخلاء من منازلها لصالح الجمعيات الاستيطانية.

 

على جانبي شارع نابلس الذي يتوسط الحي ويوازي الخط الأخضر أو ما يسمى "خط وقف إطلاق النار"، تدور معركة صراع الوجود والسيادة على المكان بمحطة جديدة من حرب الرابع من حزيران/ يونيو من العام 1967، التي على ما يبدو لم تحسم بعد.

يعود تاريخ الحي وتأسيسه إلى ما قبل أكثر من 900 عام، وأخذ اسمه من الأمير حسام الدين بن شرف الدين عيسى الجراحي، وهو طبيب القائد صلاح الدين الأيوبي، وما زال ضريحه موجودا بمسجد الشيخ جراح.

 

شرطة الاحتلال توفر الحماية للبؤرة الاستيطانية 

يسكن الشيخ جراح أكثر من 3 آلاف فلسطيني على مساحة أراض تقدر بنحو ألف دونم، وهي آخر ما تبقى لهم من أراض بعد مصادرة آلاف الدونمات من أراضي السكان التي أقيمت فوقها 3 مستوطنات تعرف بمستوطنات "التلة الفرنسية".

معارك ودعاوى

على طول شارع نابلس وفي منطقة شيكونات اللاجئين وكبانية أم هارون، تدور منذ العام 1982 معارك قضائية في المحاكم الإسرائيلية، إذ رفعت الجمعيات الاستيطانية دعاوى قضائية ومزاعم ملكية في الشيخ جراح.

ورفعت بالعام 1982 أولى الدعاوى ضد 28 أسرة فلسطينية في شارع عثمان بن عفان، طالبت الجمعيات الاستيطانية من خلالها إخلاء منازلها وعقاراتها والأراضي وتسليمها للمستوطنين الذين يزعمون الملكية على الأرض منذ العام 1885.

 

صالح ذياب من لجنة الشيخ جراح يحذر من التعاطي مع التسوية 

يستحضر شارع عثمان بن عفان فصول ومشاهد النكبة من جديد، إذ توجد أملاك وعقارات ومنازل العائلات الفلسطينية المهددة بالإخلاء والتهجير، وعادت معركة السيادة والملكية لتتفاعل مجددا عقب مقترح التسوية للمحكمة العليا الإسرائيلية الذي ينص على أن الجمعية الاستيطانية "نحلات شمعون" مالكة للأرض وسكان الحي مستأجرين محمين لمدة 15 عاما، إلى حين البت النهائي بملكية الأرض.

قمع ومعاناة

وبينما يشهد الحي عودة متدرجة للحراك الشعبي والاجتماعات التنسيقية للفعاليات السياسية الفلسطينية والقوى الوطنية والحراكات الشبابية، تنتظر المحكمة العليا الإسرائيلية لغاية مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، رد العائلات المقدسية التي ترفض أي مقترح وقرار يسلب حقوقها بالأراضي والعقارات والمنازل التي تقطنها منذ العام 1956.

 

حسين ذياب لاجئ من يافا استقر بالشيخ جراح يرفض المساومة على منزله 

يعيش سكان الحي حالة من القلق والمصير المبهم عقب مقترح التسوية، إذ تحول المكان وعلى مدار عدة أشهر لثكنة عسكرية، وأغلق بسواتر وكتل أسمنتية حرستها عناصر من الوحدات الخاصة التابعة لشرطة الاحتلال التي حاولت بممارساتها القمعية حجب معاناة العائلات المقدسية، لكنها تكشفت أمام العالم وانفضحت بممارسات التطهير العرقي التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية ضد الوجود الفلسطيني في الشيخ جراح.

إخلاء وتهجير

يترقب الناشط وعضو لجنة أهالي الشيخ جراح، صالح ذياب، أسوة بغيره من العائلات المهددة بالإخلاء والتهجير، قرار المحكمة العليا بشأن مقترح التسوية في قضية تهجير أربع عائلات فلسطينية من الحي، وهي الجاعوني، وإسكافي، والكرد، والقاسم، إذ يجدد تأكيده على موقف جميع العائلات التي رفضت تسويات تعد اعترافا بملكية المستوطنين للأراضي.

وشكك ذياب، في حديثه، بالقضاء الإسرائيلي رافضا أي مقترح تسوية لا يثبت حقوق الملكية للعائلات المقدسية بالأرض والعقارات، مؤكدا أن التجربة أثبتت بأن المحاكم الإسرائيلية، على مختلف مسمياتها، بمثابة ختم مطاطي للجمعيات الاستيطانية التي وضعت الحي في محط أطماعها منذ الاحتلال.

 

حوش منازل ذياب بالشيخ جراح.. رفض 10 ملايين دولار مقابل الإخلاء 

وأكد أن الشيخ جراح بمثابة البوابة للقدس القديمة، وصموده يعني صمود المسجد الأقصى وكنيسة القيامة وإحباط مشاريع التهويد والاستيطان داخل أسوار البلدة القديمة.

تحذير وتصعيد

وحذر ذياب من مقترح التسوية للعليا الذي يعتبره محاولة لكسب المزيد من الوقت بغية إخماد الحراك الشعبي المناصر لأهالي حي الشيخ جراح، والمماطلة من أجل تمرير السنوات لتجريد الأهالي من عقاراتهم وممتلكاتهم في ظل دحض مزاعم المستوطنين المتعلقة بادعاء الملكية للأراضي.

وأشار إلى أن الجمعيات الاستيطانية مثلما هو مسجل بدوائر الطابو الإسرائيلية منذ العام 1972 اعتمدت بادعاءاتها على مستندات ووثائق مزورة، إذ أثبتت 4 عائلات مقدسية عام 1976 أمام المحاكم الإسرائيلية بأنها موجودة في المكان بوجه قانوني وحسب صلاحيات الحكومة الأردنية.

 

جدارية تحذر من نكبة جديدة بالشيخ جراح وسلوان 

واستذكر عضو لجنة أهالي الشيخ جراح، تجند القضاء الإسرائيلي إلى جانب المستوطنين وانحيازهم لهم رغم عدم وجود أي وثائق ومستندات بشأن مزاعم الملكية، إذ صدر أول قرار إخلاء رسمي من محكمة إسرائيلية بحق عائلتين فلسطينيتين عام 2002.

وأوضح أن قرار المحاكم الإسرائيلي بإخلاء عائلتي غاوي وحنون أسس لمرحلة تواصل من خلالها الجمعية الاستيطانية "نحلات شمعون" مخططها الهادف لسيطرة على 28 منزلا بالشيخ جراح وتهجير قاطنيها البالغ تعدادهم 500 نسمة.

تسوية واستيلاء

وأبدى ذياب، وهو متزوج وأب لخمسة أولاد، قلقه من إمكانية تجاوز المحكمة العليا مقترح التسوية الذي ترفضه العائلات في الحي وتصر على حقها بالملكية للأراضي والمنازل، وحذر من مغبة إصدار المحكمة قرارا يقضي بإخلاء العائلات وإحلال المستوطنين.

 

جدارية لن نرحل.. لسان حال أهل القدس 

واستذكر أنه بعد أسابيع من احتلال الحي تم وضع اليد من قبل المستوطنين على أول عقار يعود لعائلة الشنطي التي هجرت، وكذلك مغارة سعدي حجازي التي حولت إلى مقام "شمعون هتصديق" وبذلك أسست أول بؤرة استيطانية.

وعزز ذياب من قلقه مستشهدا بما حصل في آب/ أغسطس 2009، حين تم الاستيلاء على منزلي عائلة حنون والغاوي وطردهم بالقوة تحت تهديد السلاح وإحلال المستوطنين بالمنزلين، إذ سكن أفراد العائلتين بالمنزلين منذ خمسـينيات القرن الماضي بعـد أن أصبحوا لاجئيـن عقب النكبة إثر تهجيرهم من منطقة يافا وقرى مشارف القدس.

مساومة وإغراءات

وحمل ذياب وصية والدته التي توفيت قبل 5 أشهر خلال معركة الصمود وهبة الكرامة، إذ حملته أمانة ووصية بعد ترك منزل العائلة في الشيخ جراح ونقل هذه الوصية للأحفاد ورفض أي مقترحات لا تثبت حق العائلة بملكية الأرض والمنزل.

 

جدارية هنا باقون.. التجذر بأرض الشيخ جراح 

رفض التسوية والتمسك بالأرض والمسكن والتجذر بالمكان، مثلما عكسته الجداريات التي زينت جدران الحي، هو الموقف الذي يعيش عليه التسعيني حسين ذياب أبو صالح، المنحدر من قرى يافا، والذي حط في الشيخ جراح لاجئا، ورفض كذلك كافة الإغراءات المالية لترك منزله، إذ أبدت شركة استيطانية استعدادها دفع مبلغ 10 ملايين شيكل مقابل إخلاء المنزل.

ورأى عضو لجنة أهالي الحي أن المؤسسة الإسرائيلية لم تحسم بعد حرب حزيران في حي الشيخ جراح الموجود في منطقة إستراتيجية، إذ عملت على مدار عقود على تفريغ الحي من الفلسطينيين، بكل الوسائل والأساليب، وهي تستعين بالجمعيات الاستيطانية من أجل حسم معركة السيادة والوجود بالحي عبر تحريك دعاوى بشأن الملكية على الأراضي.

سيطرة وتفرد

وأوضح ذياب أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالتنسيق مع الجمعيات والشركات الاستيطانية تريد السيطرة ووضع اليد على 73 منزلا تمتد من منطقة خط وقف إطلاق النار مرورا بكبانية أم هارون وشارع نابلس ومجمع شيكونات اللاجئين، وصولا للعقارات والمنازل بشارعي عثمان بن عفان وأبو بكر الصديق، حتى ربطها بالبؤرة الاستيطانية "شمعون هتصديق".

 

منازل فلسطينية مهددة بالإخلاء 

وأكد عضو لجنة أهالي الحي أن الاحتلال يهدف من مخطط تهجير أهالي الشيخ جراح وتفريغه من الفلسطينيين إلى التفرد بالقدس القديمة من جهة باب العمود، وضمان تواصل جغرافي استيطاني، وهو ذات المخطط الذي تسعى سلطات الاحتلال لتمريره في سلوان لمحاصرة المسجد الأقصى وأسوار البلدة القديمة من الجهة الجنوبية.

disqus comments here