هدم إسرائيل للطبقة الوسطى الفلسطينيّة الناجية من التهجير

يزداد الاهتمام الفلسطينيّ العامّ، واهتمام الفلسطينيّين المتبقّين في فلسطين بشكل خاصّ، بتاريخ المدن الساحليّة الفلسطينيّة وحاضرها، تلك الّتي هُوِّدت لاحقًا للنكبة. وفي حين يبرز محو البناء والعمران والتهجير والطرد في غيابهم، يغيب مَنْ تبقّى في المدن بعد النكبة عن الاهتمام البحثيّ اللازم؛ ماذا رافق الهدم الفعليّ للمدينة؟ ماذا كان مصير مَنْ بقي من الطبقة الوسطى في هذه المدن؟ وكيف تعاملت السلطات مع النقابات والمؤسّسات التمثيليّة المدنيّة؟ وكيف أثّرت سياسة إدارة السكّان الاستعماريّة في الإرث المدنيّ الفلسطينيّ؟

تحاول هذه المقالة، استحضار هذا الإرث والتوقّف عند الّذي تعمّدت الحركة الصهيونيّة تشويهه؛ وذلك من خلال التركيز على تنظيم سوق العمل في مدينة حيفا مباشرة بعد سقوطها.

 

 

 

تصوّر الحركة الصهيونيّة لبقاء الفلسطينيّين

لم تكن المدينة العربيّة بعمرانها، شوارعها وأسواقها وساحاتها العامّة، ومرافقها الاجتماعيّة والسياسيّة والترفيهيّة، مصدر التهديد الوحيد للمشروع الاستعماريّ الاستيطانيّ؛ فقد شكّل بقاء بعض من أبناء وبنات الطبقة الوسطى الفلسطينيّة، والكثير من إرث التمدّن الحداثيّ الفلسطينيّ، مصدر إرباك وإخلال جدّيّ لتصوّر الحركة الاستعماريّة الصهيونيّة حول شروط بقاء أهل البلاد الأصليّين، وكذلك تحّديًا لمخيال المشروع الاستيطانيّ الّذي عملت الحركة الصهيونيّة على تشييده على شكل دولة، مباشرة بعد نكبة عام 1948.

حيفا العربيّة، وعلى الرغم من أنّها لم تُشْمَل في الحدود الرسميّة لنظام الحكم العسكريّ الرسميّ، لأسباب لا مجال لتفصيلها هنا، إلّا أنّها خضعت لسياساته نفسها.

الحركة الصهيونيّة تصوّرت وصوّرت أهل البلاد الأصليّين الباقين مجموعاتٍ من الطوائف، نازعة عنهم صفة الجماعة بمفهومها الحداثيّ، وشكّل المخيال الجمعيّ الفلسطينيّ، وكذلك المشروع الحداثيّ الفلسطينيّ، تحدّيًا جدّيًا أمام صناعة هذه الصورة. تشكّل السنوات الأولى بعد النكبة مرحلة تاريخيّة مهمّة، يمكن أن يُسْتَدَلّ منها على تصوّر الدولة اليهوديّة لبقاء الفلسطينيّين، ومستقبل مكانتهم في مدنهم محلّيًّا، والدولة الإسرائيليّة قطريًّا.

حيفا العربيّة، وعلى الرغم من أنّها لم تُشْمَل في الحدود الرسميّة لنظام الحكم العسكريّ الرسميّ، لأسباب لا مجال لتفصيلها هنا، إلّا أنّها خضعت لسياساته نفسها. طُبِّقَ نظام الحكم العسكريّ على الباقين الفلسطينيّين دون غيرهم في المدينة، في إنفاذ لسياسة التمييز العنصريّ، الّذي شكّل، وما زال، أحد الأسس المنظّمة للدولة اليهوديّة.

 

 

 

بروليتاريّة الطبقة الوسطى

كان أحد أهداف الحكم العسكريّ تنظيم سوق العمل؛ بحيث يضمن سيطرة كاملة للمؤسّسات الصهيونيّة، العمّاليّة منها خاصّة، على سوق العمل، ومن ضمن ذلك العمالة الفلسطينيّة. سعت المؤسّسات المركزيّة إلى تنفيذ هذا الهدف من خلال تحقيق ثلاثة شروط على الأقلّ:

1. ضمان أولويّة تشغيل للعامل اليهوديّ.

2. تسخير معرفة العامل الفلسطينيّ ومهاراته في خدمة الدولة اليهوديّة، قيد الإنشاء.

3. بروليتاريّة مَنْ تبقّى من الطبقة الوسطى الفلسطينيّة في المدن؛ أي تحويل الطبقة الوسطى إلى طبقة عاملة، كجزء من تغيير عادات المتبقّين المدنيّة، «الهابيتوس» وفق قاموس عالم الاجتماع بورديو، وهو إرث كان قد تجذّر لدى الفلسطينيّين قبل النكبة.

في تقرير تقدّم به مكتب «وزارة الأقلّيّات» في حيفا إلى مكتب «وزارة الأقلّيّات» في الكرياه (הקריה)، ردًّا على أسئلة الوزارة حول أوضاع «الأقلّيّات ومطالبهم»، كُتِبَ في 27 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1948، جاء في البند المتعلّق بالعمل الآتي: "1. في الأسابيع الأولى لعملنا، ساعدنا ‘اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل‘ (أرض إسرائيل) [التابع للهستدروت]، في إرجاع عمّال عرب وأرمن إلى العمل في الميناء وفي أماكن أخرى، بعد أن كانوا فُصِلوا من العمل. نعمل حاليًّا على مساعدة ‘اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل‘ على فتح ورشات عمل للعمّال العرب؛ ورشة أحذية وكراج، على أساس تعاونيّات في ورشات ومعامل لفلسطينيّين غائبين [المقصود المهجّرون واللاجئون]. 2. بعد تدخّل مكتبنا، أعلنت القيادة [العسكريّة] (המפקדה) أنّ ‘سلطات الجيش لا تعارض أن يشتغل العرب عند مشغّلين يهود، في المنطقة الّتي يُسْمَح لهم فيها بالحركة‘. 3. في الفترة الأخيرة، اتُّخِذَ قرار في مؤسّسات الهستدروت، بحسبها، يُسمح للعمّال العرب الذهاب للعمل من قِبَل الاتّحاد في مناطق الهادار - الكرمل وأماكن أخرى، تلك الّتي لا يُسمح للعرب التنقّل فيها. نعمل على استصدار رخص ملائمة للعمّال العرب لاستغلال هذا القرار."

اهتمّت سياسات إدارة السكّان الاستعماريّة الاستيطانيّة للمؤسّسات الصهيونيّة بهدم الطبقة الوسطى الفلسطينيّة، وبإجبار الطبقة المتعلّمة على الاستغناء عن مهاراتهم ووظائفهم المهنيّة...

وفي الصفحة السادسة من التقرير، وفي الإجابة حول «أوضاع الأقلّيّات الاقتصاديّة» جاء " تمّ تشغيل جميع العمّال البسيطين تقريبًا (הפועלים הפשוטים)، وأصحاب المهن الجسديّة (מקצועות פיזיים) [ما عدا السائقين]. تسود بين الموظّفين (הפקידים) بطالة عالية، ويجب التذكّر بأنّ في حيفا كان عدد الموظّفين في حكومة الانتداب والشركات الغربيّة، وخاصّة من بين المسيحيّين، عاليًا جدًّا. 2. بالإمكان استغلال العاطلين من العمل من بين الموظّفين والطبقة الوسطى [رجالًا وشابّات] من أجل المجهود الحربيّ (המלחמתי)؛ وذلك من خلال تشغيلهم في معامل (בתי מלכה)، وفي أعمال لا تتطلّب تخصّصات مهنيّة، وفي أعمال مهنيّة لا يتطلّب تعلّمها الكثير من الوقت. 3. يجب العمل على ‘تغيير قيميّ‘ بخصوص الأعمال الجسديّة، لدى الموظّفين والطبقة الوسطى، وحلّ مسألة البطالة السائدة لدى الموظّفين والطبقة الوسطى، من خلال إدخالهم في أعمال جسديّة مختلفة، وأعمال مهنيّة وأعمال بسيطة (بحسب الجيل، والميول، والفرض)، ومن خلال تأهيل جزء منها لوظائف مكتب (פקידות)، بعد أن تُعْطى لهم إمكانيّة تعلّم اللغة العبريّة في مساقات عمليّة مكثّفة."

لا نحتاج إلى خطّة مكتوبة ومخطّطة مسبقًا، كي نفهم كيف تعاملت السلطات الصهيونيّة مع الفلسطينيّين الباقين؛ فكما تشير المراسلات أعلاه، اهتمّت سياسات إدارة السكّان الاستعماريّة الاستيطانيّة للمؤسّسات الصهيونيّة بهدم الطبقة الوسطى الفلسطينيّة، وبإجبار الطبقة المتعلّمة على الاستغناء عن مهاراتهم ووظائفهم المهنيّة. كما اشترطت عمالة المتبقّين في خدمة الدولة الاستيطانيّة الناشئة، من خلال المؤسّسات العمّاليّة الصهيونيّة، وعملت على تهميش دور المؤسّسات الفلسطينيّة العمّاليّة، الّتي كانت، قبل النكبة، في أوج تنظيمها وعملها.

 

 

 

غنائم النكبة لدعم «اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل»

حصل العمّال الباقون على حقوقهم الشرعيّة، مثل الحقّ في التنقّل والخروج من غيتو «وادي النسناس»، أو الحقّ في العمل بوساطة «اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل»، وقد عملت السلطات المركزيّة على تعزيز مكانة الاتّحاد، وضمان حصوله على غنائم نكبة 1948 من ممتلكات، منقولة وغير منقولة.

في تاريخ 22  أيلول (سبتمبر) 1948، ثلاثة أشهر بعد احتلال المدينة، أبرق مدير «مكتب الأقلّيّات» في حيفا، موشيه ييتح، رسالتين في أمر الاتّحاد والعمّال المتبقّين. أُرْسِلَت الأولى إلى «مقرّ المدينة المحتلّة»، في شارع المخلّص 22 - حيفا، تضمّنت طلبًا من «اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل» بالحصول على مبنًى لنادي الاتّحاد، وتحديدًا في البيت رقم 4 في شارع الجبل. تضمّنت الرسالة دعم «مكتب الأقلّيّات» لهذا الطلب؛ مبرّرة المطالبة في هذا البيت تحديدًا بـ "نقل معظم العرب إلى وادي النسناس؛ الأمر الّذي يتطلّب مسكنًا مناسبًا لفعاليّات الاتّحاد، في القرب من مساكن العرب اليوم."

 

من رسالة «مؤتمر العمّال العرب» إلى رئيس بلديّة حيفا بعد سقوطها، و«اتّحاد العمّال العالميّ» في باريس، آب (أغسطس) 1948

 

أُرسلت الرسالة الثانية إلى السيّد ليفشيتس، «مفتّش الأملاك العربيّة» [المقصود أملاك اللاجئين والمهجّرين]، فيه دعم لطلب الاتّحاد الحصول على أثاث لتأثيث نادي الاتّحاد. وقد أكّد من جانبه نائب «مفتّش الأملاك العربيّة» في حيفا، تسلّمه رسالة «مكتب وزارة الأقلّيّات» في حيفا، ورد أنّه، و"بدون شكّ، سنأخذ توصيتكم بالاعتبار، حين يصلنا الطلب المباشر من الاتّحاد."

 

 

 

«مؤتمر العمّال العرب» يواصل دوره

في المقابل، وفي استمرار طبيعيّ من جهة «مؤتمر العمّال العرب»، وهو نقابة عمّاليّة أقامها الأعضاء العرب في «الحزب الشيوعيّ» عام 1942، لإكمال دوره النقابيّ التمثيليّ، دعا المؤتمر العمّال العرب إلى "اجتماعه الأوّل من نوعه في حيفا، بعد زوال الانتداب البريطانيّ البغيض،" كما جاء في رسالة المؤتمر إلى وزارتَي «الأقلّيّات» و«العمل»، أُرْسِلَت نسخ منها إلى رئيس بلديّة حيفا و«اتّحاد العمّال العالميّ» في باريس. بحث الاجتماع الّذي عُقِدَ في الرابع عشر من آب (أغسطس) 1948، أهمّ مشاكل العمّال العرب، وعلى رأسها "مشكلة البطالة الخطيرة الّتي تهدّد كيانه، وهي مشكلة مصطنعة متفشّية بين العمّال العرب، في زمن ووقت يقف فيهما دولاب العمل؛ لقلّة خطيرة بالأيدي العاملة يلمسها أصحاب المصانع والمصالح الحكوميّة بجميع مرافقها."

أكّدت الرسالة تصميم المجتمعين على الدفاع عن حقوقهم تحت لواء «مؤتمر العمّال العرب»، عازمين عزمًا أكيدًا على نيل هذه الحقوق، ولم يغب عن بال المجتمعين الاحتجاج على إعطاء «اتّحاد عمّال إيريتس يسرائيل» امتياز تشغيل العمّال العرب، وطالبوا «دائرة العمل والإنشاء» بأن توحّد مكاتب الاستخدام للعمّال العرب. كما قرّر ممثّلو العمّال العاطلين، إرسال وفد إلى الدوائر المسؤولة للبحث الجدّيّ في هذه القضايا، كما تبيّن الرسالة الموقّعة باسم إلياس عطالله ويوسف عبده، ممثّلَيْن عن العمّال العاطلين، وعبده هو سكرتير «مؤتمر العمّال العرب».

ترجم ييتح رسالة المؤتمر الطويلة المفصّلة، إلى اللغة العبريّة، وأرسلها إلى «وزارة الأقلّيّات»، مبلّغًا الوزارة باجتماع عقده مع ممثّلي المؤتمر، أعلمهم فيه بأنّهم لا يمثّلون جميع العمّال العرب، وأنّه غير مخوَّل لإعطاء إجابات نهائيّة لمطالبهم، وأنّه سيُكمل، كما في السابق، مساعدتهم بقدر مستطاعه، وفي حدود صلاحيّاته.

حاول «مؤتمر العمّال العرب» الاستمرار في عمله النقابيّ؛ من تنظيمٍ للعمّال، وتمثيلهم، وإرسال مطالبهم إلى الجهات المحلّيّة والعالميّة المعنيّة، من خلال المسارات الحداثيّة البيروقراطيّة المتّبعة...

حاول «مؤتمر العمّال العرب» الاستمرار في عمله النقابيّ؛ من تنظيمٍ للعمّال، وتمثيلهم، وإرسال مطالبهم إلى الجهات المحلّيّة والعالميّة المعنيّة، من خلال المسارات الحداثيّة البيروقراطيّة المتّبعة. في المقابل، تعمّدت المؤسّسة إنكار دوره التمثيليّ، مُوَظِّفَةً البيروقراطيّة للمماطلة في الاستجابة إلى مطالبه، وعاملةً في ذات الوقت ما في وسعها على تسهيل وتسريع دور «اتّحاد عمّال إيريتس يِسْرائيل» (أرض إسرائيل) بين العمّال الفلسطينيّين.

وفي خلاف للاستعمار «الكلاسيكيّ»، الّذي يحاول الاستفادة من موارد المستعمَر، ومن ضمنها طبقته الوسطى الّتي لطالما جُنِّدَت لخدمة المشروع الاستعماريّ، وأدّت في كثير من الحالات دور الوسيط، توضّح الوثائق أعلاه، أنّ الطبقة الوسطى الفلسطينيّة الباقية بعد النكبة، شكّلت تهديدًا للمشروع الصهيونيّ في مرحلة تشييد الدولة اليهوديّة الأولى، وعملت مؤسّساته، بشكل متعمّد، على هدمها، وتشويه حداثة فلسطين ومدنيّتها.

 

 

 

disqus comments here