اختبار غوتيرش الاهم

قبل ايام أعيد التجديد لإنطونيو غوتيرش في مواصلة مهامه كأمين عام للامم المتحدة. وهو الموقع الأممي الأهم، والذي يفترض في من يتولاه، ان يكون على مستوى المسؤولية العالمية، كحامل لراية حقوق الإنسان في ارجاء الدنيا لتعميم العدالة بالقدر الممكن والمتاح، والأمين على حماية حقوق ومصالح الشعوب المظلومة والمضطهدة والواقعة تحت نير الاستعمار، كما الشعب العربي الفلسطيي، وتمثل الدور القيادي، الذي ينسجم مع موقعه على سدة الأمم المتحدة، التي تولاها في الدورة الأولى مطلع يناير 2017 وتنفيذه الخلاق للقوانين والقرارات الأممية وتحديدا قوانين حماية الأطفال والنساء.

الآن يواجه السيد غوتيرش إختبارا حقيقيا مع ولايته الجديدة، وأعتقد انه الاهم في مسيرة عمله مع إصداره التقرير الأممي الجديد عن إنتهاك حقوق الاطفال في النزاعات المسلحة، وإدراج الدول والقوى والجماعات، التي تنتهك تلك الحقوق في قائمة العار الاممية السوداء. وحسب المعطيات الراشحة من مصادر مكتب الأمين العام، يتضح انه يرفض إدراج دولة الإستعمار الإسرائيلية وجيشها واجهزتها الأمنية وقطعان مستعمريها في القائمة السوداء، وهو ما يعكس تخليا طوعيا عن دوره المفترض، وسقوطه في متاهة الحسابات الشخصية من خلال مداهنة القوى العالمية الداعمة لدولة التطهير العرقي الإسرائيلية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، التي تعلن جهارا نهارا وعلى الملأ مساندتها لتلك الدولة المارقة والخارجة على القانون، وتغطي غطرستها وعنصريتها، وتحميها من الملاحقة الدولية على جرائم حربها، ليس هذا فحسب، انما تقدم لها الدعم المالي بمليارات الدولارات لتؤمن لها مخزونها التسليحي من القبة الحديدية، وغيرها من اسلحة الموت، التي تقتل فيها اطفال ونساء فلسطين.

  نعم الامين العام إنقلب على قرارات الشرعية الدولية، والمؤسسات الأممية ذات الصلة بحقوق الإنسان عموما والأطفال خصوصا، وانحرف عن  المسار الأممي الداعم للحقوق والمصالح الوطنية، وشذ عن الاسس الناظمة لتشكيل لجان التحقيق الدولية المكلفة بتسليط الضوء على إنتهاك حقوق الطفل خصوصا والشعب الفلسطيني عموما الواقع تحت نير الاستعمار منذ 73 عاما خلت. وأغمض عينيه عن التقارير الدولية، التي اصدرتها الامم المتحدة، التي يقف على رأسها ومنها تقرير غولدستون، وقرار محكمة العدل الدولية 2007 الداعي بتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وقرارات وتوصيات مجلس حقوق الإنسان المتعددة، وتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، الذي اتهم صراحة دولة الإستعمار الإسرائيلية بممارسة الأبرتهايد، وتقارير منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية الحقوقية الصادرة حديثا بعد هبة القدس الرمضانية والحرب المسعورة على قطاع غزة. فضلا عن القرارات الأممية ذات الصلة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والحروب الاربعة الهمجية، التي شنها جيش الجريمة المنظمة الإسرائيلي على المحافظات الجنوبية من 2009/ 2008 حتى الآن (2021). وأوغل في الدم الفلسطيني عموما والأطفال خصوصا، وفي الحرب الأخيرة من 10  حتى 21 مايو الماضي سقط حوالي سبعون طفلا تحت الردم، ومن بداية العام الحالي إقترب العدد من المئة طفلا، وجرح قرابة ال600 طفلا، واعتقل المئات دون سبب، ولم اتطرق لجرائمه في مخيم جنين عام 2002 والمخيمات والقرى والخرب والمدن الفلسطينية وخاصة في العاصمة الابدية القدس.

ومع ذلك مازال الرهان على ان يعود الامين العام للامم المتحدة إلى جادة الصواب والعقل مع امتلاكه الشجاعة والحكمة السياسية، واتخاذه خطوة تعكس دوره الاممي لإدراج إسرائيل العنصرية على قوائم العار. لإنها الدولة الأكثر فجورا وبطشا ووحشية في ممارساتها وانتهاكاتها، التي ترقى لجرائم الحرب وفقا لمعايير القانون الدولي، والقانون الإنساني الدولي. وهي الدولة التي ترعى وتمول كل جماعات التكفير الارهابية، كما انها المنتج الأول للارهاب الدولاني المنظم، والذي يكتوي به أطفال ونساء وشيوخ فلسطين المحتلة.

آن الآوان ان يدفع انطونيو غوتيرش بقرارات الشرعية الدولية عموما ذات الصلة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي والعمل على تطبيقها بهدف بناء السلام الممكن والمقبول، وتبني توصيات وتوجهات المنظمات الدولية لتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، التي شخصت بشكل صادق وجرىء دولة اسرائيل كدولة للتطهير العرقي، وقاتلة للأطفال. لإن مراوحته في ذات المكان المتناقض مع القوانين الدولية وقوانين حقوق الإنسان يعني بشكل واضح خضوعه لمشيئة العصا والجزرة الأميركية وبعض الأوروبية الغربية، ومواصلة انحيازه لإسرائيل، وتساوقه مع من يغطي جرائمها ضد الاطفال والنساء، ويطلق يدها لمواصلة حربها العنصرية دون رادع اممي. هل يقف ويفكر الأمين العام الإنسان، رئيس الهيئة الأممية الأولى في العالم في دوره ومكانته وتاريخه، أم سينهي تاريخه متواطئا مع دولة الارهاب والجريمة المنظمة؟ الكرة في مرماه وحده.

disqus comments here