"تل أبيب".. قلب الكيان مهدد دومًا بنيران المقاومة

شاخ الذئب الصهيوني ولانت أظفاره.. كثير من الخطوط الحمراء التي رسمتها الاحتلال في صراعه مع العرب من حوله أضحت قابلة للاختراق في وقت تكرر فيه قصف "تل أبيب" على يد المقاومة الفلسطينية من غزة.

اعتمد الاحتلال في نظريته الأمنية منذ نشأته عام 1948م على نقل المعركة لأرض خصومه، وعلى قاعدة الحدود المكتملة بدأ عام 1967م احتلال أجزاء من دول الجوار.

وكانت المقاومة الفلسطينية في معركة سيف القدس قصفت "تل أبيب" بـ 130 قذيفة في أول رشقة ما أدى لحالة صدمة في المستوى الأمني والعسكري الإسرائيلي الذي تفاجأ من فعل المقاومة.

تشكل "تل أبيب" أهم مدن القلب وأكبر مستوطناته التي أضحت مركزاً سياسياً واقتصادياً يفخر به الاحتلال، لكنها مؤخراً صارت عنواناً لهشاشة الردع الإسرائيلية.

أنشأ الاحتلال مستوطنة تل أبيب وعدد سكانها حالياً أكثر من نصف مليون نسمة على ساحل يافا عام 1909 كجزء من مستوطنات اليهود الإشكناز لكنها ما لبثت أن توسعت فوق 26 قرية فلسطينية مهجرة.

أن تتناقل وسائل الإعلام نبأ قصف "تل أبيب" فذلك على أهميته وحساسيته إلا أنه ليس صادماً ولا مستبعداً في صراع المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال.


قوة الردع

منذ عدوان الاحتلال على لبنان 2006م وعدوان 2012م على غزة نصبوا في "إسرائيل" خيمة الجدل عن تضرر قوة الردع التي كشفت المقاومة سوأتها بعمليات نوعية في عدوان 2014م.

امتلاك الاحتلال قديماً قوة ردع كبيرة يعني أنه صاحب الرصاصة الأخيرة، وأعداؤه لا يملكون زمام المبادرة، ويحسبون ألف حساب قبل البدء في إطلاق النار.

المرة الأولى التي تلقت فيها "تل أبيب" صواريخ عربية كان عام 1991م في حرب الخليج عندما وجه الرئيس العراقي صدام حسين فوهة مدفعه وفي عدوان 2014م اختتمت المقاومة الميدان بقصف "تل أبيب".

ويؤكد رامي أبو زبيدة، الباحث في الشأن العسكري، أن قصف قلب الاحتلال "تل أبيب" أعطى مؤشرات، وكسر حواجز وقيودًا في أن المستحيل في ذهن الناس أصبح في مرمى نيران المقاومة.

ويضيف : "معركة سيف القدس أرسلت رسائل دقيقة، وأدارت الميدان بكفاءة واتزان وتكتيكات نفسية وعسكرية متكاملة على رأسها قصف تل أبيب".

قصف قلب الكيان يعني شللًا كاملًا في مركز الدولة الاقتصادي والتجاري وبورصتي تل أبيب والمجوهرات ومطار "بن غوريون" والبنوك والشركات والجامعات والمؤسسات العلمية والثقافية لاقتصاد ثاني دولة في المشرق العربي.

ويرى د.محمود العجرمي -المحلل السياسي- أن قصف المقاومة لأهم مدينة في الكيان يعد نجاحًا في فرض معادلة اشتباك عززت تآكل قوة الردع الإسرائيلية.

ويتابع : "في العلم العسكري أي جيش لا يستطيع رغم امتلاكه قدرات عسكرية كبيرة فرض شروطه السياسية في المعركة يعني أن قوة ردعه تآكلت".

مستقبل الكيان

وصول قذائف المقاومة بغزارة وتكرار وإعلان مسبق لـ"تل أبيب" هو مرحلة جديدة لا يقرؤها قادة الاحتلال من وجهة عسكرية بقدر قراءة متأنية لمستقبل وجود مشروع الكيان ومستقبل وجوده.

ويقول د.تيسير محيسن -المحلل السياسي-: إن المقاومة فاجأت الاحتلال بقصف تل أبيب، وإن قراءة المراقبين لما جرى هناك كان محل استغراب ومفاجأة خالفت الحسابات السياسية والعسكرية للاحتلال.

ويضيف لمراسلنا: "الاحتلال كان يظن أن المقاومة تعيش أزمة حصار، وتميل للهدوء، لكنها قلبت الطاولة حين قصفت تل أبيب وهي تسير باتجاه استمرار العمل مستقبلاً في الضفة المحتلة".

مقاومة غير مردوعة

لا تصمد مناعة الدهشة الإسرائيلية أمام مستقبل قريب يحمل تكرار قصف تل أبيب التي لم يعد فيها مبنى ولا شاطئ ولا شركة آمنًا من ضيف ثقيل يحل من أعلى دون استئذان.

ويشير رامي أبو زبيدة -الباحث في الشأن العسكري- أن المقاومة أثبتت لقادة تل أبيب أنها منذ 15 عاماً تراكم القوة والإعداد، وبإمكانها تحدي قدراته العسكرية الكبيرة وضرب عصب حياته في أهم مدنه.

فزاعة "الشرق الأوسط" التي تفوقت على محيطها العربي بترسانة عسكرية ومكانة سياسية مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت قابلة للقصف في عقر دارها.

قصف تل أبيب يعده الباحث أبو زبيدة خطوة إستراتيجية في معادلة الردع ظهر فيه سلاح المقاومة بغزة أنه جاهز للدفاع عن غزة والقدس بعد محاولة إغراق غزة بالأزمات.

للمرة الأولى منذ احتلال القدس عام 1967م تنال مسيرة الأعلام اليهودية مثل هذا النقاش على مستوى الأمن والحكومة عن أبعاد ومآلات انعقادها، ولذلك دلالة مرتبطة بالعدوان الأخير وتحذيرات المقاومة من غزة.

ويرى د.محمود العجرمي -المحلل السياسي- أن عدوان 2006 و2008م أسقط وزير حكومة الاحتلال "أولمرت"، ولم يحقق أهدافه في تحرير الأسير "شاليط" أو إسقاط حماس وردع المقاومة.

ويتابع: "بخلاف المطلوب كانت تل أبيب تعيش سقوط قادة حكوماتها، فسقط ألمرت بعد عدوان 2008م، وسقط باراك بعد عدوان 2012م، وسقط جانتس 2014م، وليبرمان 2018م بعد فشل وحدة سيرت متكال، والآن نتنياهو 2021م يسقط".

ولم تنجح تل أبيب في ترجمة عشرات المناورات العسكرية التي أعقبت عدوان 2014م على ردع المقاومة التي بدت أكثر وعياً في تنويع أدواتها وشمولية ميدانها وعملها.

كسر حاجز الخوف

حرمة تل أبيب كانت نافذة على المستوى العربي الرسمي، لكن مقاومة غزة تكرر تهديدها وتنفذ حال عاد الاحتلال لقصف الأبراج السكنية في معادلة يعدها المحلل العجرمي توازن رعب.

الجانب المعنوي الآخر في تآكل هشاشة الردع والتركيز على قصف تل أبيب هو في الإعلان المسبق من المقاومة الذي يترجمه نجاح ميداني أحرج قادة تل أبيب.

ويقول المحلل محيسن: إن الاحتلال استخدم في 11 يومَ عدوان قدرات هائلة، ولكن الشواهد من غزة كانت تكشف فشلهم الأمني واستهدافهم المدنيين ما أحرجهم دولياً وإقليمياً.

ويتابع: "قصف تل أبيب انعكس على التفكير الإستراتيجي للاحتلال لأن 11 يومًا نجحت فيها المقاومة قصف جميع فلسطين المحتلة وأهداف إستراتيجية فيها، وهو ما كان محرمًا سابقاً".

وتحمل دلالات معركة سيف القدس ارتدادات حتمية على التفكير العملياتي الذي لا بد أن تأخذه تل أبيب مستقبلاً في الاعتبار خاصة بعد نجاح المقاومة في تحديد نمط حياة وحركة ملايين الإسرائيليين

disqus comments here