ذكريات الصياد (منديلا فلسطين )

كان هذا في الثامن والعشرون من أكتوبر قبل ثلاثة وثلاثون عاما ... أي في العام 1988 وفي تمام الساعة السابعة صباحا فتحت أبواب الغرف في جميع أقسام سجن عسقلان وخرجنا إلى باحة السجن قرابة المائة وخمسون سجينا , نلبس كلُ زيه الرياضي .. إنها ساعة الرياضة. بدأنا كالعادة نركض في صفين "طابورين" بصورة دائرية نلامس جدران الفورا (باحة السجن ) . ركض على رأس الطابور يقوده الرفيق القائد الملهم والمناضل الوطني الكبير : عمر القاسم . بدا كل شيء اعتياديا حتى مضت النصف ساعة الأولى المخصصة للركض , فنحن بالعادة نركض لمدة نصف ساعة أما النصف الثانية فهي مخصصة لتمارين السويدي الجماعية والفردية بكل أشكالها . إلا أن الطابور اليوم لم يتوقف ... هي دقيقتان لا أكثر وبدأ الكل ينظر في ساعته وهو يركض معتقدا أن هناك خطأ ما .. لماذا لم يتوقف الطابور عن الركض ؟! ينبغي أن يتوقف القائد اولا ويرفع يده ليتفرق الجمع .. لكن القائد ظل يركض . الكثيرون لا يعرفون السبب وقد ظنوا بداية أن ساعة الرفيق عمر عطلانة أو غير مضبوطة , صاح احدهم وسط الطابور يا رفيق عمر .. يا أبا القاسم غير أن القائد لم يرد بصوته بل رفع يده إلى الأعلى ودار بها نحو الامام أن استمروا .. وكانه يعرف السؤال وقد أعطى الجواب , ماذا دهاهم اليوم ؟! لماذا لم تسير الأمور حسب العادة ؟! هناك من خرج من الطابور وأراد ان يتوقف ويمارس التمارين .. لكن هناك أيضا من همس له أن يعود للطابور .. وذاك الهمس بدا واضحا أنه غير اعتيادي أيضا , يبدو كأمر صارم وهو ليس بالأمر ذلك أنه صادر عن جهة ليست صاحبة اختصاص .. فنحن هنا لسنا أبناء تنظيم واحد , واكثر من يمكن أن يشور ويقول على جمع كهذا متعدد الأطياف , إما الأخ ممثل المعتقل (المندوب عن كل التنظيمات ) أو رجل كعمر القاسم رمز وطني يلقى الاحترام والإجماع على شخصه من كل المناضلين أفردا وجماعات .... وظل الطابور يركض . فعلا اليوم ليس كغيره من الأيام , لم يكن يوما اعتياديا ليس بالنسبة لمن يمارسون الرياضة في باحة سجن عسقلان إنما بالنسبة لعموم الحركة الأسيرة في كافة المعتقلات الصهيونية ولا أبالغ إن قلت أنه بداية لفصل جديد في تاريخ العمل الوطني والصراع الفلسطيني الصهيوني .. نعم .. اليوم يطوي الرفيق عمر القاسم العام العشرون من عمره في القيد ( من عمر اعتقاله ) .. اليوم ولأول مرة في تاريخ الصراع مع الصهاينة تصل مدة اعتقال مناضلي الثورة الفلسطينية في سجون الصهاينة لعشرين عاما , الأمر الذي لم يكن احداً يتوقعه .. ومع احترامي الشديد لمن يسخر اليوم من هذا الرقم على اعتبار أن هناك من تجاوز عمر اعتقاله الخمسة وثلاثون عاما أقول أن احداً بعد هزيمة عام 1967 ربما لم يكن يتوقع أن يطول عمر الاحتلال ليصل إلى هذا الرقم وهو لا يزال (الاحتلال ) في سن الشباب ربما ولم يشيخ بعد . إن قضاء أي مناضل (سياسي كان أم عسكري ) لمدة عشرون عاما في القيد ليس أمرا اعتياديا .. على اعتبار أن هذا يساوي ثلث عمر الإنسان إذا ما رفعنا عشرة من عمر الطفولة .. وإذا ما قورن الامر بأي ثورة في العالم .. فلم يسبق أن بقي أسرى سياسيين في السجون لمدة كهذه .. حيث كانت الثورات إما أن تنتصر في أقل من هذه المدة أو أن تتغير الحكومات ويأتي من يحاول امتصاص غضب الشعوب فيطلق سراح الأسرى .. وظواهر قليلة تلك التي خرجت عن هذا النص , وتحديدا من كانوا مناضلين فرادا لم يكن خلفهم حزب أو تنظيم عسكري أو حركة أو ثورة ما .. إلخ . ولتوخي الدقة نستثني عداً قليلا ربما وعلى رأسهم رئيس جنوب أفريقيا المناضل الوطني والقومي والأممي الكبير (نيلسون منديلا ) .. في نفس تلك الفترة كانت الحملة العالمية لإطلاق سراح مانديلا قد انطلقت على مستوى العالم , والتي تكللت فيما بعد عامين وبالتحديد في عام 1990 بالنجاح حيث أطلق سراح الزعيم المناضل نيلسون مانديلا لينتخب بعد ذلك رئيسا لجنوب أفريقيا . بقي الطابور يركض بقيادة الرفيق عمر القاسم طيلة فترة الساعة الرياضية , كخطوة رمزية تظهر روح العزم والتصميم والاستعداد العالي لمواصلة المسير بجهد أكبر وإرادة لا تلين ..بقي الرفيق عمر على رأس الطابور لمدة ساعة يركض وهو المريض الذي يعاني آلاما وأمراضا أقلها قرحة المعدة والتهاب المفاصل .. كان عمر الرفيق (سنه) في تلك الفترة سبعة وأربعون عاما , فهو من مواليد 13/11/1941 . ولد الرفيق عمر في مدينة القدس التي أحبها واحبته .. وتحديدا في حارة السعدية , درس في مدارسها , وأنهى دراسته الثانوية عام 1958 في مدرسة الراشدية ليعمل بعد ذلك مدرسا في مدارس القدس , ثم ليكمل دراسته في سوريا حيث حصل على شهادة ليسنس في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق ليلتحق بالعمل الفدائي في الذراع العسكري التابع لحركة القوميين العرب . وإثر هزيمة عام 1967 تصاعد العمل الفدائي في الداخل المحتل فقرر الرفيق النزول في دورية تابعة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين من الأردن لمقاومة الاحتلال في الضفة المحتلة وبتاريخ 28/10/1968 وبينما الرفيق على رأس مجموعته المتسللة إلى أرض الوطن السليب , رصد في المجموعة من قبل قوات الاحتلال بعد أن انكشف أمرها , فآثر الرفيق الاشتباك مع العدو على الاستسلام دون عتاد تقريبا عدا أسلحتهم الفردية , وقليلا من الذخيرة التي سرعان ما نفدت فوقعت المجموعة في الأسر . رفض الاحتلال اطلاق سراح الرفيق عمر ضمن صفقة تبادل الجليل عام 1985 بحجة وجود جثة جندي صهيوني بحوزة الجبهة الديمقراطية يرغبون بإجراء تبادل أسرى معها ليبقى على رأس موقعه المتقدم في خنادق المقاومة في الحركة الوطنية الأسيرة وها هوا اليوم الثامن والعشرون من اكتوبر عام 1988 يطوي عشرون عاما على ذاك اليوم المشؤوم .. ولازال القائد يقاوم ويقارع ولسان حاله يقول إننا الأسرى لا نزال جيشا وإن كان دون عتاد .. عشرون عاما ولا زلت انا الأسير أقاوم القيد وعصا الجلاد . لا زلت أرفض الظلم والقهر وسأبقى نعم انا لست المهلهل ولا عنترة بن شداد لكني حرُ يغيظني تعرج الكلمات يغيظني سحق الحق وتسلط الاحقاد أنا حر .. نعم , وإن

disqus comments here