الطفل أحمد اليازجي.. ذاق مرارة اليُتم مرّتين

على قدرٍ من الله جاء الطفل أحمد اليازجي إلى الدنيا بعملية قيصرية لوالدته قبل نحو ثلاثة أعوام، أدت تلك العملية إلى مضاعفات خطيرة على صحة الأم حتى ارتقت إلى ربها بين أيدي الأطباء، الذين فشلت محاولاتهم لإنقاذ حياتها، ليبدأ الطفل حياة اليُتم في مهده.

في أحضان عمته
لم تمضِ ساعات معدودة على ولادة الطفل اليتيم، حتى ألهم الله عمته ديانا اليازجي (أبو العوف) بسرعة احتضانه في كنف أسرتها، حتى بدأ يترعرع بين أحضان أسرة عمته، فأصبح واحدًا منهم، كأنه لم يذق يتماً قط.

يقول مقربون من العائلة التي استشهد معظم أفرادها : إنّ الطفل اليتيم كان يجد ارتياحاً كبيراً في أحضان عمته أكثر من أي أحد آخر، وهي التي لم تبخل عليه بكل ما يحتاج ويطلب، حتى أصبح يناديها "ماما".

كانت تشعر بسعادة غامرة وهي تحاول أن تبذل قصارى جهدها لأن تكون نعم الأم لحالة اليتم التي يعيشها ابن أخيها وتعوضه بكل ما تملك عن حنان أمه التي غابت بلا إرادة منه، وهو لا يعلم مدى اشتياقها لرؤية وجهه الجميل قبل أن تفارق الحياة، لكنها إرادة الله النافذة.

تمزيق الشمل
في الأيام الأولى للعدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة كان الطفل أحمد يجد في أحضان عمته ملاذا آمناً من أزيز الطائرات الحربية وصوت قنابلها الثقيلة، وهو الذي لعله لم يدرك للحظة أن هذه الغربان السوداء لن ترحم حتى براءته أو حالة اليتم التي يعيشها، وأنّها لا تفرق بين طفل أو مقاوم أو امرأة أو شيخ كبير.

مرّت الأيام الأولى للعدوان وقلب اليتيم يكاد أن يتوقف مع كل ضربة تستهدف محيط منزلهم بحي الرمال وسط مدينة غزة حتى وقع ما لم يكن يدركه أو يراه حتى في أسوأ كوابيس نومه البريئة.

عدد من الصواريخ انهالت دون سابق إنذار على منزل عائلة أبو العوف وسط شارع الوحدة، تلك المنطقة التي كانت تُعرف بأنّها الأكثر أماناً خلال الاعتداءات الصهيونية السابقة، القصف الذي باغت المنزل الآمن على سكانه تحول في لحظاتٍ قليلة إلى كومة من الركام تُخفي تحتها أشلاء ودماء وذكريات.

14  شهيدًا ومفقودون
لم تكد صرخات الطفل اليتيم تصل إلى مسامع أمه البديلة "ديانا" ليس تنازلاً عن دورها في احتضان هذه الأمانة التي ارتضتها لنفسها، لا بل لأن القصف الصهيوني غيّبها عن الوعي وأضحت في حالة حرجة، في حين أخرجت طواقم الإنقاذ والإسعاف الطفل اليتيم لا يشكو إلا من جروح طفيفة، حصّنته معية الله، وقد كان صاحب الحظ الأوفر في قلة الجروح التي أصابت جسده الغضّ.

ساعات طويلة حاولت فيها طواقم الإنقاذ انتشال جثث الضحايا وأشلائهم والتعرف عليهم، وكل تلك المحاولات لم تنجح بإخراج أحد من تلك الأسر على قيد الحياة تماما، إلا تلك الأم ديانا التي أصيبت بجروح عميقة نقلت على إثرها إلى المستشفى لتلقي العلاج وهي بحالة حرجة.

وارتقى عدد كبير من المواطنين في مجزرة "الوحدة" المشهودة، فاق الأربعين شهيداً بين طفل وامرأة وشيخ كبير وشبان في ريعان شبابهم.

اليُتم الثاني
على قدم واحدة كانت تنتظر عائلتا أبو العوف اليازجي أي أنباء تأتي حول صحة ابنتهم ديانا التي قضت مدّة علاج كبيرة، إلا أنّ أي تحسن لم يطرأ على صحتها، حتى ارتقت إلى ربها شهيدة تشكو إلى الله ظلم الظالمين ليعود الطفل أحمد يتيماً للمرة الثانية كما بدأ أول مرة.

رحلت الشهيدة ديانا اليازجي "أبو العوف" لتلتحق بأفراد أسرتها؛ الطبيبة المخطوبة شيماء والتي دمّرت طائرات الاحتلال فرحة زفاف بقتلها، والمتفوقة روان التي كتم الاحتلال شهقات فرحتها بتفوقها وتميزها في مدرستها.

ارتقت ديانا الأم البديلة لأحمد لينتظر اليتيم أمًّا ثالثة تحتضنه وترعاه، لكن أسئلة كبيرة وكثيرة تطرح نفسها، لا يجد اليتيم ابن الربيع الثالث أن يجيب عليها، مشاعره، أحلامه، مستقبلته، نظراته، فهل يمنحه القدر المساحة ليرويها لأجيال تأتي من بعده عن ظلم الاحتلال وإجرامه.

disqus comments here