مقولتان مرفوضتان فلسطينياً!

إدارة الرئيس جو بايدن ركزت منذ توليها مهامها الرئاسية على استخدام مقولتين سياسيتين متناقضتين مع المنطق والعدل والقانون الدولي ومع التاريخ والجغرافيا، المقولة الأولى، التي اكدت فيها على ان الحل السياسي، او بتعبير آخر حل الدولتين، الذي تتحدث عنه، يفترض ان يضمن وجود "دولة يهودية"؛ والمقولة الثانية، التي  كررتها الدوائر الأميركية بطريقة ملفتة وبشكل اعتباطي، ومفادها "من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها"، وكلا المقولتين مرفوضتان فلسطينيا، ولا تستقيما مع القانون الدولي ولا مع الشرائع والمعاهدات الدولية، وتتنافى مع حقائق التاريخ.

فالمقولة الأولى في حال تثبيتها والقبول بها، فإنها تعني بصراحة ترسيخ دولة الفصل العنصري، والتي تتنافى مع وجود الدولة المدنية والديمقراطية، دولة كل مواطنيها، وتكرس قوانين التطهير العرقي، التي سنتها الدولة الإستعمارية الإسرائيلية منذ قيامها عام 1948 حتى اليوم وآخرها، وأكثرها عدوانية وسفورا في عنصريتها، هو "قانون اساس الدولة اليهودية"، الذي يضرب في الصميم قوانين حقوق الإنسان، ويتناقض مع منظومتها الإنسانية، ويبدد كليا مبدأ الحل السياسي، وينسفه من اصله. لإنه عندئذ سيدمر التسوية السياسية.

كما ان هذة المقولة تعني مباشرة تطبيق صفقة القرن الترامبية النتنياهوية، وهي تعني ايضا التنفيذ الفعلي لوعد بلفور المشؤوم، وتطبيق الاتفاقية الأميركية البريطانية ( الموقعة بين البلدين نهاية 1924) المتعلقة بتجسيد وعد وزير خارجية بريطانيا على ارض فلسطين، والتي بدورها تتناقض مع قرار التقسيم الدولي 181، وكل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

تستطيع إدارة بايدن ان تتساوق مع حكومات دولة الإستعمار الإسرائيلية بما تريد، وتقدم لها الدعم السياسي والمادي والعسكري والإقتصادي كما تشاء، لكنها لا تستطيع فرض مقولتها العنصرية على أرض فلسطين، ولن تتمكن من فرض هذة المقولة، لإنها تتناقض جملة وتفصيلا مع ابسط معايير السلام، وكأنها تقول الشيء ونقيضه. إن ارادت فعلا تحقيق سلام الممكن والمقبول، مطلوب منها التخلي الفوري والطوعي عن مقولتها العنصرية، أو ان تتفضل باقامة دولة يهودية في الولايات المتحدة، والتي عندئذ سيرفضها اتباع الديانة اليهودية، ولن يقبلوا بها، وسيعملوا على تدميرها والتخلص منها، ولن يقبلها الأميركيون مطلقا.

إذا لتنجح في مساعيها السلمية بشكل مقبول، مطلوب منها الدفاع عن خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران عام 1967، دون ابعاد عنصرية واستعمارية. لإن منطق الدولة اليهودية مرفوض فلسطينيا قيادة وشعبا ومؤسسات ونخب.

اما المقولة الثانية، فهي التي درجت الإدارة الأميركية على استخدامها بعد هبة القدس الرمضانية العظيمة، والتي توجت بالمواجهة العسكرية على جبهة قطاع غزة، ومفادها "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها"، التي تعني حرمان الشعب العربي الفلسطيني الواقع تحت نير الإحتلال من حقه بالدفاع عن نفسه، ليس هذا فحسب، بل من حق اسرائيل المزنرة بكل اسلحة الموت النووية والفتاكة واسلحة الدمار الشامل ان تسبيح الدم الفلسطيني جهارا نهارا وفي وضح الشمس، وعلى مرآى ومسمع العالم اجمع، ولا يجوز لإي إنسان الإعتراض او الإحتجاج على عملية القتل والتدمير والجريمة المنظمة، وإرهاب الدولة الكولونيالية الإسرائيلية.

وهذة المقولة عار على كل من استخدمها من دول العالم الغربي، او تلطت خلفها، بذريعة ان أذرع فصائل المقاومة، هي "منظمات ارهابية"، هذا منطق سخيف وماجن وكافر بابسط معايير حقوق الإنسان. لإن من يصنع وينتج الإرهاب هو دولة المشروع الصهيوني، التي تتناقض مع حقائق التاريخ والشرائع الدينية والجغرافيا. واما فصائل المقاومة الفلسطينية من الفها حتى يائها، هي فصائل مقاومة، تتكىء على الحقين الطبيعي بالمقاومة، وعلى القوانين الوضعية، وتحديدا قوانين وقرارات الأمم المتحدة، وخاصة القرار 3236 الصادر في نوفمبر 1974، الذي كفل للشعب العربي الفلسطيني الدفاع عن نفسه، واستخدام كافة اشكال الكفاح بما في ذلك الكفاح المسلح للدفاع عن نفسه. وبالتالي المنطق العقلاني والسياسي يتطلب من إدارة بايدن والحكومة الألمانية ومن لف لفهم التوقف عن ترداد مقولات لا تستقيم مع الحد الأدنى من المنطق العقلي الإنساني، وتتنافى مع حرية الشعوب في تقرير مصيرها. لإن القائم بجريمة الإستعمار، هو دولة الإستعمار الإسرائيلية، وليس الشعب العربي الفلسطيني، صاحب الأرض والتاريخ والمظلوم والمستباح.

كما ان ترداد المقولة الإستعلائية الإستعمارية المتوحشة، يعني عمليا تعميم وتعميد وتطبيق وتنفيذ قانون الغاب الهمجي، القانون المرفوض من قبل البشرية المدنية، ولا يمكن لكائن بشري يملك حدا ادنى من الوعي القبول به. لانه يتناقض مع قوانين الحرية والديمقراطية والعدالة الإنسانية. وهذا ما رفضه الشعب الأميركي وشعوب العالم اجمع في رفضها للعدوانية الوحشية الإسرائيلية على قطاع غزة الأعلى كثافة سكانية في العالم والمحصور في بقعة جغرافية لا تزيد عن 362 كيلومتر مربع خلال الاحد عشر يوما من الحرب المجنونة والمدمرة ما بين 11 و21 ايار / مايو الماضي.

إذا على الولايات المتحدة وإدارة بايدة خصوصا وحكومة ميركل الألمانية وكل من تساوق معهم التوقف عن تعميم قانون الغاب، وتشريع القتل للدولة العصابة الصهيونية، لإن هذا سيرتد على اميركا واوروبا خصوصا، إحذروا من مغبة ونتائج ما تروجوا له، فبيتكم من زجاج وانتم الخاسر الأكبر من تسويق المقولات المعادية للسلام والتعايش والأمن والآمان.

disqus comments here