نقش سلوان... هل هو مزيّف؟

قرية سلوان هي قرية مجاورة لسور القدس من الجنوب. ربما كان اسمها مشتقًا من جذر "شلا" أو "سلا" وهو ساميّ مشترك يعني الهدوء والسكون والعزلة. اتخذ النساك والعباد موقع هذه القرية من القرن الرابع إلى القرن السابع للميلاد صوامع لسكناهم ومعابد لعبادتهم. وعلى مقربة منها عيون شهيرة تجري مياهها في هدوء وسكون تسمى اليوم عيون سلوان منها عين أم الدرج، أو عين العذراء، وبئر أيوب. يروى أن الخليفة عثمان بن عفان أوقف عين سلوان على الفقراء والضعفاء، فلما جاء صلاح الدين أوقفها على مدرسته الصلاحية في بيت المقدس. وقد بقيت العين وقفًا إسلاميًا خالصًا في العهد العثماني وحتى يومنا هذا.

 

في سنة 1880 اكتُشف نقش في القدس، على جدار نفق ممتد من عين سلوان إلى بركة في داخل سور المدينة. النقش مكتوب باللغة العبرية القديمة القريبة من اللغة الكنعانية. أطلق الباحثون على هذا النقش اسم نقش سلوان.

اختلف الباحثون حول نقش سلوان: الفريق الأول يعتقد أن النقش من عهد الملك حزقياهو في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، والفريق الثاني يرى أن النقش من العهد الهيليني من القرن الثاني قبل الميلاد. أما الفريق الثالث، فيرى أن النفق قديم وأن النقش يعود إلى العهد الكنعاني حين حكم الفراعنة القدس. الرأي الأخير تبناه الباحثون العرب.

ما كُتب على النقش قبل تحويله للعربيّة

نحن نرى أن النفق قديم من العهد الكنعاني، ولكن النقش مدسوس من القرن التاسع عشر. سنحاول البرهنة على صدق قولنا بعد ترجمة النقش للعربية.

ترجمة عربية للنقش:

1. (تم) النفق وهذه قصة النفق بينما

2. معول أحدهم معاكس لمعول الآخر، ولما بقيت ثلاثة أذرع ليخرق (سمع) صوت رجل

3. ينادي نظيره من جهة إلى أخرى أنه وجد في الصخر زده (؟) على اليمين وفي

4. يوم الخرق تضاربت معاول الحفارين. معول يقابله معول

5. جرت المياه من النبع إلى البركة على بعد 1200 ذراع، و 100 ذراع ارتفاع (النفق) فوق رؤوس الحفارين.

محتوى النقش:

فوق الكتابة فراغ كبير وكذا تحته مما يجعلنا نؤكد أن الكتابة كاملة. ولم يحذف منها سوى ما تثلم (ضعُف).

يصف النقش عملية نحت الصخر الجيري في الجبل لجلب مياه النبع من عين سلوان إلى بركة وجدت في داخل سور مدينة القدس. كان العمال ينحتون في الجبل من ناحيتين، واستمر العمل إلى أن تقابل العمال من الطرفين في الوسط. يبلغ طول النفق بتعرجاته 533 مترًا، وعرضه 70-80 سم.

أدلة على أن النقش مزيف؟

1. احتار الباحثون في معنى كلمة زده، إذ لا توجد في لغة المقراة كلمة كهذه. وأبقوها على ما هي عليه. ثمة من خمنوا وفق السياق بأن المقصود هو صدع.

كلمة زده في اللغة العثمانية تعني ضربة أو كدمة. وفي اللغة الفارسية تعني خبطة أو ضربة. يبدو أن من زيّف النقش في العهد العثماني كان يحسن الكتابة باللغة العبرية القديمة من خلال دراسته للكتاب المقدس، وبخاصة المقراة، وأنه كان يحسن اللغة التركية العثمانية أو الفارسية أو كلتيهما، ولم ينتبه إلى أنه يستعمل في النقش كلمة أجنبية غريبة عن المقراة واللغة العبرية. وهذا دليل على أن المزيف باحث لاهوتيّ أوروبيّ، عاش في القدس مدة طويلة ودخل النفق عدة مرات. وربما كان كونرد شيك، وهو ألماني عاش في القدس نحو خمسين سنة حتى وفاته في سنة 1901. لقد عرف كونرد شيك كل حجر في القدس، وخلال عمله بحث ووثق المكتشفات الجديدة، وقد ارتبط اسمه في النماذج الكثيرة التي بناها لأماكن ومواقع في القدس. مثل نموذج لجبل الهيكل المزعوم ونموذج لكنيسة القيامة. كما أنه هو الذي أعدّ نسخة على ورق للنقش المذكور وبذلك حافظ على المعلومات الواردة فيه قبل قلعه من مكانه! كما أنه أجرى بعض الحفريات في وادي قدرون (جهنم) واكتشف قناة أخرى يعود تاريخها إلى العهد الكنعاني.

النفق

2. في سنة 1880 اكتُشف نقش بالعبرية على جدار النفق، على مسافة نحو ستة أمتار قبل مصب مياهه في بركة سلوان، في مكان معتم، وبعيد عن أعين الناظرين. في سنة 1891 قطع النقش خلسة من جدار النفق وكُسر إلى ستة أجزاء، وقد تم تجميع هذه الأجزاء من خلال جهود بذلها القنصل البريطاني في القدس. والنقش موجود حاليًا في المتحف الأثري في مدينة إسطنبول. وقد تم نسخه وإلصاق المنسوخ على جدار النفق. النقش كُتب على لوح مصقول. ووُجد على جدران النفق لوحان مصقولان بدون نقش. هذا يدل على أن من زيّف النقش بحث عن مكان أكثر صلابة.

3. الباحثون مختلفون في تاريخ هذا النقش، ولأي فترة يعود. قسم منهم رأى أن النقش يعود إلى فترة حكم الملك حزقياهو في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد. والقسم الثاني شكك في ذلك لأنه لا ذكر لهذا الملك في الكتابة المذكورة، كما أن النص لا يفخّم ملكًا أو حاكمًا كما هو المعهود في الكتابات التذكارية. وقد انتهى هؤلاء إلى أن النقش يعود إلى الفترة الهيلينية في القرن الثاني قبل الميلاد. ونحن نرى أن النقش مزيف على يد باحث لاهوتي في القرن التاسع عشر، وهو دارس لسفر الملوك، حيث ورد هناك أن القناة والبركة هما من عمل حزيقاهو. ولكن لم يذكر في السفر المذكور أي قناة ومتى تم ذلك.

4. في سنة 1838 تم اكتشاف النفق. منذ ذلك التاريخ وحتى اكتشاف النقش مرت 42 سنة. خلال هذه المدة دخل النفق عدد من الباحثين. فكيف لم ينتبه أحد إلى النقش المذكور؟ هذا بحد ذاته يجعلنا نشك في وجوده.

5. لم يجر فحص للنقش الأصلي الموجود في المتحف الأثري في إسطنبول. والباحثون منشغلون في نص النقش ومحتوياته!

6. النفق موجود منذ العهد الكنعاني والدليل على ذلك وجود تعرجات في داخله. الأمر الذي يمكن تفسيره بعدم وجود تقنية هندسية عالية.

disqus comments here