"نفسيات" أطفال غزة.. الجرح الغائر بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي الهمجي

مرّ أكثر من أسبوع على وقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، إلا أنّ أثاره المادية والنفسية لم تنقطع عن أهالي قطاع غزة وكأنّه عدوان ممتد لا ينقطع، فآلة البطش الصهيونية لم تتردد في زرع الخوف والرعب في نفوس الأطفال والنساء في كل لحظة من لحظات العدوان الذي امتد لأحد عشر يوماً، استخدمت فيها المقاتلات الحربية أقوى وأبشع وسائل الترسانة العسكرية على رؤوس المدنيين بلا رحمة وبلا تردد.

رعب الأطفال

لم تكد تمر ليلة واحدة منذ انقشاع غبار العدوان عن قطاع غزة إلا ويحاول فيها المواطن محمد حجازي (36 عاماً) التخفيف من حالة الرعب التي تتسلل إلى قلوب أطفاله الأربعة الذين يستيقظون على كوابيس الدمار والدماء والإخلاء بعد ما ذاقوا هذه المشاهد حقيقة عندما قصف بيت أحد جيرانهم.

يلجأ الأطفال – بحسب حجازي - للهروب نحو أحضان والديهم بحثاً عن الأمن والأمان، لكن رعباً أكبر يصيبهم عندما يستحضرون مشاهد أطفال جيرانهم وأقاربهم، والذين قتلتهم "إسرائيل" بقنابل الطائرات الثقيلة وحتى وهم بين أحضان أمهاتهم وآبائهم، بل وحولتهم جميعاً إلى أشلاء بلا أي اعتبارات.

وقتلت الطائرات الحربية الصهيونية 66 طفلاً فلسطينيًّا في عدوانها الأخير على قطاع غزة كانوا من بين أكثر من 255 شهيداً، عدا عن استشهاد أكثر من 35 امرأة كانت تتظاهر بأنّها تصنع الأمان لأطفالها في أحضانها، عدا عن المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، وكذا المدنيين الذين قتلوا بلا أي ذنب، وهو ما يدلل بلا أدنى شك أن "إسرائيل" مارست القصف العشوائي ضد المدنيين والأطفال والآمنين في بيوتهم، واضعة تحت أقدامها وثائق القوانين الدولية التي تنص على حماية المدنيين والأطفال خلال جولات القتال.

قلق من المستقبل

ويخشى حجازي في حديثه  من تأثير ما يمر به أطفاله الأربعة على مستقبلهم وحياتهم العلمية والعملية عامة، معرباً عن قلقه الشديد أن تتحول تلك الآثار إلى صدمة نفسية كبيرة يصعب مع مرور الوقت علاجها.

ولا يخفي المواطن الفلسطيني، أنّه يسعى ولا يزال من اليوم الأول لانتهاء العدوان إلى عرض أطفاله على متخصصي الطب الشعبي بهدف "قطع الخوفة" لهم أكثر من مرة.

ووفق خبراء متخصصين في هذا المجال في أحاديث متفرقة تزايدت في الأيام الأخيرة في قطاع غزة المساعي المجتمعية لإجراء هذه العملية، وخاصة لفئة الأطفال والنساء من خلال متخصصين في هذا المجال، والتي تُعرف بـ"قطع الخوفة" وتتم من خلال تدليك جسد الطفل بزيت الزيتون البكر في مناطق متعددة بالجسم ومكامن وجود الغدد اللمفاوية التي تنتشر في أنحاء الجسد، بهدف تمديدها ومنع تكتلها الذي يحدث اضطرابا عصبيا ونفسيا بمستويات مختلفة حسب الحالة التي يتم علاجها.

ويُجمع هؤلاء الخبراء الذين يستقبلون عشرات الحالات خاصة من فئة الأطفال، أنّ آثار الخوف والقلق تترك بلا شك آثاراً مستقبلية على صحة الطفل النفسية والجسدية وحتى العقلية، مما قد يعيقه من ممارسة حياته ممارسة طبيعية، مؤكّدين أنّ تحسناً حقيقياً يحدث على حالة الأطفال بعد الجلسة الأولى من العلاج الشعبي، ولكن تحسناً أفضل يطرأ على صحتهم بعد الجلسة الثالثة من العلاج، وخاصة في الحالة الأكثر صعوبة، وأبرز الآثار الواضحة لعملية العلاج هو عودة الشهية للطفل، وعودته لممارسة ألعابه المفضلة، والتخفيف من حدة الكوابيس التي تلاحقه في منامه.

لا مكان آمن!

"أخطر ما خلفه هذا العدوان في عقول الأطفال، هو أنّه لا يوجد مكان آمن حقيقة في غزة" هذا ما ذهب إليه الخبير في الصحة النفسية الدكتور فضل أبو هين، مؤكّدا أنّ تدمير العمارات على ساكنيها بما فيها الأطفال، خلّف جروحا نفسية عميقة لدى جميع الأطفال في قطاع غزة بدرجاتٍ متفاوتة.

وحذّر أبو هين في حديثه من الآثار المستقبلية العنيفة التي قد تؤثر على حياة الأطفال عامة، وأبرزها المشاكل الصحية والنفسية والعقلية، والأمراض المختلفة التي يُكمنُها جسد الطفل عامة.

وقسّم الخبير النفسي، الأطفال في غزة إلى ثلاث فئات، الأولى التي تم استهدافها مباشرة عبر قصف منزلهم أو تشريدهم أو استشهاد إخوانهم أو أقاربهم عامة، وهؤلاء يحتاجون إلى برامج علاجية أكثر تعقيداً وأطول فترة زمنية.

الفئة الثانية، وهم الذين شاهدوا بأم أعينهم مشاهد العدوان والدمار والشهداء، إما لجيرانهم أو أقربائهم، وهم أيضاً يحتاجون إلى رعاية علاجية عميقة أيضاً، ولكن قد تأخذ فترة زمنية أقل من الفئة التي سبقتها.

أما الفئة الثالثة، وهم عموم الأطفال في قطاع غزة الذين تعرضوا للرعب والخوف والقلق من أصوات القصف المرعب الذي استهدف المدنيين والعمارات والأبراج السكنية، "وهذه الفئة لا نراهن على الفترة الزمنية والبرامج العلاجية المعينة لرعايتهم، ولكنهم بحاجة فعلية لهذه الخدمات التي تتعلق بالاهتمام بصحتهم النفسية" وفق قوله.

 

disqus comments here