الطفلة فرح.. الاحتلال يحول "فرحة العيد" لـ"رحلة علاج"

لا يكاد يمر يوم من أيام العدوان الأخير على قطاع غزة دون أن تسأل الطفلة فرح إسليم (11 عاماً) ببراءتها المعهودة أمها جملة من الأسئلة التي تراود ذهنها الغض، متى سيأتي العيد؟ متى سنخرج إلى رحلات العيد؟ هذه الأسئلة البريئة هي جزء طبيعي من تلك الأفكار والأحلام التي كانت تراود أذهان أطفال قطاع غزة وهم ينتظرون بفارغ الصبر انقضاء شهر رمضان من أجل أن يفرحوا بالعيد وملابسهم الجديدة.

إلا أنّ مقاتلات "إسرائيل" الحربية حوّلت هذه الأحلام إلى كوابيس للأطفال الذين ما عادوا ينتظرون العيد بقدر ما كانوا ينتظرون انتهاء العدوان البشع الذي استهدفهم بلا رحمة ولا رأفة.

وقتلت الطائرات الحربية الصهيونية 66 طفلاً من بين نحو 250 شهيداً في أبشع مجازر ترتكبها الطائرات الحربية بصواريخها الثقيلة التي نالت من أجساد الأطفال والنساء والأبرياء في قطاع غزة، وذلك عدا عن إصابة نحو ألفي فلسطيني بجراح مختلفة جلّهم من الأطفال والنساء.

قصف بلا إنذار

مع طلوع شمس آخر أيام العدوان الصهيوني على القطاع استهدفت المقاتلات الحربية الصهيونية بصاروخٍ واحد على الأقل منزل عائلة إسليم بحي الصبرة وسط مدينة غزة دون سابقِ إنذارٍ أو تحذير كما جرى مع عشرات العائلات التي أُبيدت في غزة.

وقد كاد الصاروخ أن يوقع مجزرة محققة بحق سبعة أطفال ووالدتهم كانوا لتوهم ناموا بعد ليلٍ طويل في محاولة منهم استراق لحظات من النوم بسبب العدوان، عدا عن باقي أفراد العائلة الذين يسكنون في الطوابق السفلية الخمس، والذين يزيد عددهم عن ثلاثين فرداً.

القصف الذي استهدف منزل العائلة المذكورة طال ما يشبه شقةً عبارة عن (غرفتين ومنافعهما) يسكنها المواطن حازم إسليم مع وزوجته وأطفاله السبعة، لتتحول إلى كومة من الركام والدمار من أثر القصف، الذي تسبب بأضرارٍ بالغة في العمارة المكونة من خمسة طوابق، عدا عن الأضرار الأخرى التي أصابت المنازل المجاورة أيضاً.

ويفيد إسليم وهو والد الطفلة فرح أنّ شظايا القصف الصهيوني أصابت أربعة من أطفاله؛ وهم أميرة (14 عاما) وشهد (13 عاما) وبهاء (8 أعوام) وُصفت جراحهم بين المتوسطة والطفيفة، فيما أصيبت فرح (11 عاما) بجراحٍ بالغة في رأسها وقدمها التي كادت أن تصل إلى مرحلة البتر بسبب التهتك الكبير الذي أصابها، فيما نجا باقي الأطفال ووالدتهم بأعجوبة من القصف المميت.

صدمة الاستقبال

المواطن إسليم يعمل كضابط أمن مناوبٍ في مستشفى الشفاء المركزي في مدينة غزة، ولحظة تسلمه إشارةً بوصول عدد من الإصابات من حي الصبرة من الإسعافات خرج للاستقبال كعادته، ولم يكن يتوقع للحظة واحدة أنّ تلك الإسعافات تحمل أطفاله واحداً تلو الآخر، وهو الذي تركهم ليلاً في أحضان والدتهم وجدّتهم قبل أن يغادر إلى عمله.

يقول إسليم (39 عاماً): "بصراحة، أصبت بالذهول من مشهد إصابة أبنائي خاصة أنّهم أطفال وبنات"، متسائلاً: "هذه هي أهداف إسرائيل التي تبحث عنها؟ تقصف أطفالا أبرياء نائمون؟ ليس لهم أحلام إلا فرحة العيد وأجواء العيد".

 


ملابس العيد

ورغم ضيق العيش وقلة ذات اليد لم يبخل المواطن إسليم على أطفاله بشيء، فاشترى لهم ملابس العيد، فكانت "فرح" هي الأشد فرحاً بملابسها الجديدة من بين أخواتها وهي التي صامت شهرٍ رمضان بأكمله هذه المرة لتشعر بحلاوة المكافأة من والدها وأمها.

ومع انتظار أطفال إسليم انقضاء العدوان من أجل أن يرتدوا ملابس العيد المؤجل من وجهة نظرهم، إلا أنّ هذه الأمنية العجيبة لم تتحقق أيضاً، فإصاباتهم جعلتهم يقضون أيامهم التي تلت العدوان في المستشفى لتلقي العلاج اللازم.

استبدال الرحلة!

ورغم صعوبة حالة الأطفال التي أصابت غالبية شظايا القصف الصهيوني الأطراف العلوية من أجسادهم، إلا أنّ حالة الطفلة فرح كانت الأصعب؛ حيث الإصابة في رأسها كانت بليغة، ولكنها لم تكن بقسوة تلك الشظية التي أصابت قدمها اليمنى من أسفل الركبة والتي أصابتها بتهتك كبير جدًّا كاد أن ينزعها من مكانها.

ومع تبدد أحلام الطفلة فرح بالخروج إلى رحلة العيد مع والدها وأمها وأخواتها، كانت ترجو وتأمل أن تخرج سريعاً من المستشفى، إلا أنّ حالتها الصحية لم تتحقق أيضاً، لتتبدل رحلة العيد إلى رحلة علاجٍ قد تستمر طويلاً.

ولأن الواقع الصحي في قطاع غزة يشهد صعوبات وتعقيدات بسبب شح الإمكانيات والمواد الطبية اللازمة، فقد طلب الأطباء بضرورة إجراء تحويلة علاج للطفلة فرح من أجل إتمام علاجها دون أن يصل الأمر إلى بتر قدمها.

ووفقاً لمصادرٍ إعلامية مطلعة، وفي رواية متطابقة لوالد الطفلة ، فإنّ ملك الأردن وعبر رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، أوعز إلى الخدمات الطبية الملكية، أمس، بإخلاء الطفلة فرح إسليم من قطاع غزة، وعلاجها في مستشفيات الخدمات الطبية الملكية، وذلك بعد مناشدة ذويها للملك الأردني عبد الله الثاني، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبحسب قناة رؤيا الأردنية، فإنّه سيتم نقل الطفلة من قطاع غزة إلى مدينة الحسين الطبية لمتابعة حالتها الصحية وعلاجها، على نفقة الملك من خلال فريق طبي متخصص لمثل هذه الحالات المرضية.

بدوره؛ شكر والد الطفلة إسليم سرعة استجابة الملك الأردني لمناشدتهم لعلاج الطفلة، معرباً عن أمله أن يتم نقلها سريعاً إلى المملكة الأردنية لتلقي العلاج لتدارك أي تدهور صحي قد يطرأ على صحتها بسبب الإصابة.

disqus comments here