عن التحولات العاصفة في فلسطين واستحقاقاتها

لعل عظمة الأحداث التي شهدتها فلسطين منذ بداية شهر رمضان وحتى اتفاق التهدئة بين المقاومة وإسرائيل، مرورا بالمواجهات والفعاليات التي جرت في جميع أماكن وجود الشعب الفلسطيني وأبرزها الحرب الإجرامية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، تجعل الخروج بنتائج قطعية ونهائية أمرا متسرعا ومتعجلا لسببين: أولهما أن الأحداث كانت من الضخامة والاتساع بحيث لا يمكن إخضاعها لأنماط التفكير المسبق والقوالب الجاهزة، والثاني أن المعركة لم تنته بعد، وسوف تتواصل بأشكال متعددة وفي ساحات مختلفة، وعلى الأرجح أنها سوف  تتواصل في البؤرة المتقدة للصراع أي في مدينة القدس والمسجد الأقصى.

وفي أي نقاش لاستخلاص النتائج ورسم التوجهات، تبرز حقائق دامغة لا يمكن تجاوزها أو إنكارها، بعضها كان معروفا ومتوقعا، وبعضها الآخر جديد، إلى جانب معطيات كانت قائمة ولكنها تطورت بشكل مذهل، وفرضت نفسها بقوة على معادلة الصراع، كما أن مجمل هذه الوقائع تشير إلى تحولات عاصفة للقضية من شأنها أن تغيّر كثيرا في الصراع ومآلاته، وفي هذا السياق يمكن لنا أن نبرز القضايا التالية:

خلال المواجهات توحد الشعب الفلسطيني كما لم يسبق له ذلك منذ النكبة، كل تجمعات الشعب الفلسطيني شاركت في المواجهات، ولم يقتصر الأمر على الجانب التضامني وأشكاله التقليدية الباهتة. صحيح أن كل تجمع اشتبك مع الاحتلال على القضايا المباشرة التي تخصه، مثل الدفاع عن الوجود والمقدسات في القدس التي مثلت قضيتها الصاعق الذي اشعل خزانات الغضب والقهر في سائر المناطق والتجمعات، ففي مناطق ال48 انفجر الغضب ضد سياسات التمييز العنصري والتهميش ومحاولات نزع الشرعية وسلخ الفلسطينيين الذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية عن شعبهم. وفي غزة ثارت المقاومة وحاضنتها الشعبية العريضة ضد استمرارالحصار والحروب والاعتداءات المتكررة، والسجن الكبير الذي أطبق على مليوني فلسطيني وصُوّر لهم على أنه قدرهم الذي لا مفرّ منه. وشهدت الضفة أكبر مظاهرات عارمة لها منذ وقوعها تحت الاحتلال غضبا للقدس وغزة ورفضا للاستيطان والحواجز وعمليات التنكيل والإذلال، بينما زحف عشرات آلاف اللاجئين صوب الحدود مع فلسطين للتذكير بحقهم في العودة إلى ديارهم، وأبلت جالياتنا في المهجر بلاء حسنا في تذكير العالم بعدالة قضية الشعب الفلسطيني. وكل هذه الجبهات مجتمعة تؤكد في تكاملها وترابطها على رفض الشعب الفلسطيني للنكبة ونتائجها وعذاباتها المستمرة حتى الآن.

وأظهر الشعب الفلسطيني طاقات لا حدود لها في التضحية والصبر والإبداع، بينما ظهرت الحدود المقيّدة لقوة الاحتلال، ومحدودية قدرتها على فرض نتائج سياسية أو دفع الفلسطينيين للاستسلام، في هذه المواجهة كانت الغلبة حتى الآن للطاقات الشعبية على الرغم من الاختلال الفادح في ميزان القوى لصالح إسرائيل بترسانتها العسكرية وقدراتها المادية والمالية والتكنولوجية الهائلة.

وثبت للمرة الالف أن قضية القدس والمسجد الأقصى هي قضية بالغة الحساسية ومثقلة بالدلالات الروحية والسياسية والثقافية والإنسانية، وكفيلة بتفجير المنطقة بأسرها، بينما حكومة الاحتلال تتعامل معها باستخفاف، أو أنها تظن أن الشعب الفلسطيني بلغ درجة من الضعف والإنهاك والهوان التي لا يمكن له أن يتحرك معها بفعالية وقدرة على التأثير.

والحقيقة الساطعة أن قطاع غزة كسر معادلات نتنياهو الرامية إلى إخراج غزة، بثقلها السكاني والسياسي وبمقاومتها، من معادلة الصراع، ودفعها إلى الانكفاء على ذاتها وعلى همومها المعيشية المباشرة كإعادة الإعمار ومساحة الصيد البحري وفتح المعابر، وتاليا تعامل إسرائيل مع الانقسام بوصفه مصلحة استراتيجية لإسرائيل كما صرح نتنياهو، وقد أثبتت غزة ومقاومتها أنها صاحبة شأن ورأي مسموع في كل ما يتصل بالقدس والقضية بشكل عام.

ساهمت هذه المعركة في إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية ومكانتها المركزية للعالمين العربي والإسلامي وللسلم والاستقرار الدوليين، ما يستدعي استنهاض منظمات وروابط الدعم والتضامن، وتطوير خطاب عالمي ومقاربات متطورة لكسب مزيد من الأصدقاء والأنصار، كما سوف تساهم هذه المعركة في محاصرة وعزل دعاة التطبيع، وفرملة المهرولين باتجاه العلاقات المجانية مع إسرائيل، لكن ذلك يستدعي المزيد من النضج والحكمة من جانبنا في عدم إشعال معارك جانبية مجانية على حساب المعركة الرئيسية، والحذر من استعداء قطاعات وشرائح من الشعوب العربية من دون اي مبرر حقيقي.

إسرائيل خاضت هذه المعركة وهي مأزومة، ومن دون حكومة مستقرة، مع أنها عادة تتحد في الحروب وتتجاوز خلافاتها، لكن سياسات التوتير من قبل نتنياهو وحلفائه وخاصة من حزب الصهيونية الدينية لم تكن خافية على أحد، وثمة دلائل متزايدة على أن نتيناهو افتعل كل هذا التصعيد لكي يُفشل مساعي خصومه لتشكيل حكومة تغيير بديلة، وهو حاول افتعال حرب على غزة قبل عامين وكان هدفه التاثير على نتائج الانتخابات أو تأجيلها، لكن قيادات الجيش كبحت اندفاعه وقتها، وهذه المرة هو استطاع التحكم في البدايات لكنه لم يستطيع السيطرة على النتائج التي قد تخدمه على المدى القصير لكنها على الأرجح ستطيح به نهائيا على المديين المتوسط والبعيد.

سوف تستمر المعركة بأشكال شتى، وليس ثمة داع لأن نتسرع في الفرح بتحرير اللد فهي لم تتحرر بعد، وعلى العكس سوف يواجه أهلنا في الداخل أشكالا جديدة من القمع والتمييز العنصري والعداوة، وفي الضفة ما زال مخطط الضم والتوسع الاستيطاني قائما، وفي القدس كسب الفلسطينيون جولة لكن معركة إفشال مخطط التهويد ما زالت مفتوحة، وكذلك الحال بالنسبة لسائر الجبهات.

العفوية ليست شيئا سلبيا دائما، ولكنها ليست مقدسة ولا هي بديل للنظام والتخطيط وحسن الإدارة في المعارك الاستراتيجية، ويجب ألا ننسى أن الأداء الكفاحي المتميز للمقاومة في غزة هو نتاج الإدارة والصبر والتدريب والتطوير والتخطيط واستخلاص العبر والدروس من المواجهات السابقة، لذلك فإن استثمار التضحيات والإنجازات يتطلب أعلى درجات التنظيم والتخطيط وليس الركون للهبات العفوية الموسمية.

أما الأداء القيادي الرسمي فهو لم يكن في مستوى الأداء الكفاحي الشعبي والتضحيات الجسيمة والإمكانيات الكفاحية الهائلة، لكن اي محاولة لافتعال معارك أو مشكلات حول الشرعية هو ضرب من العبث وحرف للمعركة عن وجهتها، لذلك نحن في حاجة ماسة إلى صيغة جديدة خلاّقة، قيادة جماعية موسعة لا تلغي الأشكال القائمة، بل تضمها إلى جانب قيادات المقاومة والحراكات الشعبية والشبابية والمجتمع المدني والقوائم الانتخابية، يمكن لدعوة المجلس المركزي وتثبيت صيغة اجتماع الأمناء العامين أن تشكلا مدخلا لذلك دون الاكتفاء بهما، فنجاحنا في إيجاد قيادة جماعية ترقى إلى مستوى التضحيات والتحديات هو الذي يكفل تثمير الإنجازات ومراكمتها، بينما الانجرار إلى معارك جانبية كما جرى في المسجد الأقصى يوم الجمعة مع سماحة المفتي سوف يقود حتما إلى بعثرة الإنجازات وتبديدها.

disqus comments here