لماذا تم تأجيل الانتخابات التشريعية في فلسطين؟ دراسة تجيب

في صباح 30 نيسان/ أبريل الماضي، أصدر فهد سليمان كراسة "الانتخابات الفلسطينية إلى أين؟" بعد أن كان محمود عباس عمد، مساء اليوم السابق، إلى تأجيل هذه الانتخابات، بذريعة رفض الإسرائيليين امتداد الانتخابات إلى القدس، كدأبه من وراء ظهر تنفيذية "منظمة التحرير"، ومركزية "فتح"، وحكومة السلطة، بينما كان أهالي القدس يواجهون هجمة صهيونية شرسة، في الأقصى، وحي الشيخ جراح، ولم يتفوه عباس، أو أي من المحيطين به بكلمة احتجاج واحدة، ولو من باب ذر الرماد في العيون، وقد نُشِرت لقطات تليفزيونية لـ"قادة" من مجموعة عباس، يرقصون، ويضحكون في أحد ملاهي رام الله، و"يا جبل ما يهزك ريح!".

في خلفية سريعة، قدَّم المؤلف فكرة وافية عن لقاء عباس بقادة الفصائل، عبر "الفيديو كونفرانس"، يوم 3/ 9/ 2020، ضمن لقاء إسطنبول، بين ممثل عن كل من "حماس"، و"فتح"؛ صدرت عنها دعوة لإجراء انتخابات تشريعية، بعد أن كانت الإدارة الأمريكية أوضحت لعباس بأنها لا تستطيع التعامل معه، وقد انقضت اثنتا عشر سنة على انتهاء ولايته الأولى، في رئاسة السلطة!

معروف أن عباس كان أعلن مقاطعة إسرائيل (9/ 5/ 2020)، احتجاجًا على ما يسمى "صفقة القرن"، قبل أن يعود عباس، ويلغي هذه المقاطعة بعد نحو ستة أشهر.

في 31/ 12/ 2020، أعلن إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لـ "حماس"، موافقة الحركة على أجندة إسطنبول، فصدرت مراسيم رئاسية فلسطينية (15/ 1/ 2021)، حدَّدت مواقيت الانتخابات التشريعية (22/ 5)، والرئاسية (31/ 7)، وأخيرًا استكمال المجلس الوطني (31/ 8).

تناول سليمان هذا كله في الفصل الأول، معززًا كلامه بما نُشِر من وثائق، كمدخل لا مفر منه للفصلين اللاحقين، بصدد جولتي الحوار الوطني الشامل، في القاهرة 8 ـ 9/ 2، و16 ـ 17/ 7/ 2021، ومنهما تم التركيز على إنضاج البحث في القضايا، والآليات.

لم تُشِع حوارات القاهرة الاطمئنان لدى وفود الفصائل، عدا "فتح"! ولم يخب ظن هذه الوفود، بعد قرار عباس تأجيل كل الانتخابات، إلى إشعار آخر! على غرار ما سبق أن فعله مع خمس قرارات إجماع وطني فلسطيني، بإجراء الانتخابات، بينما كان عباس نفسه أنذر ـ من فوق منبر الجمعية العادية للأمم المتحدة (26/ 9/ 2019) ـ من سيعطِّل الانتخابات، بأنه ستتم محاسبته أمام الله، والشعب، والتاريخ!

***
 

يُمكن معاتبة المؤلف لأنه استخدم "لو"، في حديثه عن لقاء 3/ 9، الذي لم تأخذ قراراته، ومخرجاته طريقها نحو التطبيق، وكلمة "لو"، لا تُستخدم في التأريخ، والاستراتيجية، منذ قال بعضنا "لو أن الرماة لم ينزلوا من مواقعهم، في معركة أُحد، لما هُزِم المسلمون"!

في السياق نفسه، يتأسي سليمان، لأن قرار تشكيل "القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية"، بمرجعية الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية، لم يُنفَّذ. وإن صدر القرار رقم (1) عن تلك القيادة، دون أن تُشكَّل، ومن قِبل عباس، وحده!

كما لم يُنفَّذ قرار تشكيل لجنة صياغة الاستراتيجية الوطنية.

استهجن سليمان انفراد "فتح"، و"حماس"، في رسم آليات تطبيق مخرجات اجتماع الأمناء العامين، وقد غلَّب الجانبان الانتخابات على غيرها من القضايا.

حين اجتمع مندوبو الفصائل، في رام الله، وشكَّلوا لجنتيْن، أولاهما للشأن التنظيمي، والأخرى لصياغة برنامج سياسي، فاجأهما عباس بضرورة الالتزام باتفاق أوسلو، سيء الصيت!

رأى بعض الفصائل في تجديد شرعية المجلس التشريعي، إحياءً لأوسلو، فيما رأى بعض آخر ضرورة الفصل بين عضويتي التشريعي، والمجلس الوطني، لأن عضو التشريعي عضو طبيعي في المجلس الوطني، حسب قانون أصدره التشريعي، عند نهاية ولايته (2006)، صادق عليه المجلس الذي خلفه، بعد أن كان صادق عليه المجلس الوطني (1996)! بينما قدمت "الجبهة الديمقراطية" حلًا وسطًا، بتقصير مدة العملية الانتخابية، بجولاتها الثلاث. وانتهى الأمر إلى الدعوة لحوار وطني شامل، على مستوى الأمناء العامين.

على أن مواقف الفصيليْن الرئيسييْن ("فتح"، "حماس")، صاحبي حوار إسطنبول، تباينت إزاء هذا الحوار! فحماس ترفض صيغة "التتالي، والترابط"، مفضِّلة عليهما "التزامن".

ما أكَّد أن الأمر لم يتعد الصراع على السلطة، بينما لا سلطة لأحد تحت الاحتلال، غير الاحتلال نفسه.

تخشى "حماس" من أن يقتصر الأمر على محطتي التشريعي، والرئاسة، أو المحطة الأولى فحسب. بينما ترى "حماس" أهمية قصوى لدخولها منظمة التحرير؛ ما يُحصِّن مكانتها، ويُكرِّس شرعيتها، قانونيًا، ورسميًا.

إلى ذلك، ثمة أصوات داخل كل من "حماس"، و"فتح"، تعارض مخرجات إسطنبول.

هنا، انعقد لقاء ثنائي، بين وفديْ "حماس"، و"فتح" (16، 17/ 11/ 2021)، دونما نتيجة.

تحت عنوان "العودة إلى أوسلو انتصار إسرائيلي"، قال المؤلِّف إن إعلان رئاسة السلطة بأن عودتها إلى أوسلو (17/ 11/ 2020)، تُعد انتصارًا سياسيًا، في محاولة قلب الحقائق، فإسرائيل هي التي انتصرت، وعادت رئاسة السلطة إلى الإذعان لكل ما يُملى عليها من السلطات الإسرائيلية، تحت عنوان مضلِّل، هو "التنسيق الأمني"! وكانت إسرائيل أقلعت، على مدى سبعة أشهر، عن دفع المبالغ المستحقة لأسر الشهداء، والأسرى، ولم تتوقف خلالها أجهزة أمن السلطة إذعانها لما يملى عليها إسرائيليًا، تحت اسم "التنسيق الأمني"! وعليه، فإن العودة إلى "اتفاق أوسلو" هي هزيمة سياسية، بكل المقاييس.

"المفاوضات: من أين وإلى أين؟! "هو العنوان الذي اختاره سليمان للحديث عن أن العودة إلى أوسلو تفضي إلى استئناف المفاوضات، التي تتوهم رئاسة السلطة بأن ذهاب ترامب، ووصول بايدن إلى سدة السلطة في واشنطن، يعني تعبيد الطريق لحل الدولتيْن، بدلًا من "صفقة القرن".

كأن بايدن عروبي، في مواجهة ترامب الصهيوني! بينما دعا المجلس الوطني الفلسطيني، إلى مؤتمر دولي تدعمه الأمم المتحدة، وترعاه الدول الخامس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.

في المقابل، تدعو رئاسة السلطة إلى تحالف دولي غامض، أما "اللجنة الرباعية الدولية"، فعوضًا عن غيابها لسنوات، فإن تجربة المفاوضات معها كانت فاشلة، لوقوع اللجنة تحت الهيمنة الطاغية للاعب الأميركي. وما جاء في "رؤية" السلطة، يعني أننا لن نكون أمام دولة، بل كيان فاسطيني، يفتقر إلى أبسط مقومات الدولة.

إن ثمة إجماع إسرائيلي على رفض أي تسوية متوازنة، مع انتفاء المعارض الفلسطيني، ما يُؤكِّد ارتباك الشارع، والنظام الفلسطينيين.

ثمة تعديلات أدخلت على قانون الانتخابات: أولاها 25 ـ 26% لمشاركات، بينما كان المجلس الوطني أقر 30% للمرأة! وتمثَّل ثاني التعديلات، في حصر انتخاب رئيس الدولة، في المجلس الوطني، الذي فوَّض صلاحياته للمجلس المركزي. وثالث التعديلات كان يجب أن ينصب على شعار "الانتقال من السلطة إلى الدولة". وإقرارها من المجلسين، التشريعي والوطني، المنتخبين.

تعزيزًا لكل ما في الكراس، أرفق سليمان ثلاثة ملاحق، عن مشروعي القانونين المشار إليهما عاليه، فضلًا عن رسالة رئيس المكتب السياسي لـ "حماس"، إلى الأمين العام للجبهة الديمقراطية.

إننا أمام عمل توثيقي تحليلي، ينتهي إلى موقف في كل ما حوته الكراسة.

 

لكن ما أن صدر هذا الكراس، حتى اندلعت صدامات القدس، في باب العمود، إلى العملية الفدائية الجسورة، عند حاجز زعترة، (2/ 5)، وقدمت أجهزة أمن رام الله كل مساعدة إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية، حتى تم اعتقال هذا الفدائي (منتصر شلبي)، وزوجته، وأخيرًا أبنائه القصَّر، بعد أن روَّعهم رجال أمن سلطة رام الله، ودمروا لهم كل أثاث منزلهم، ونقلت محطة تليفزيونية لقطة لأسر قادة فتحاويين، في ملهى ليلي برام الله، بينما مذابح القدس على أشدها. فهل يحتاج هذا كله إلى كراسة أخرى؟!

disqus comments here