في ذكرى النكبة … دروس وعبر

بمناسبة ذكرى النكبة، وما يجري من "انتفاضة عودة الوعي ووحدة الشعب"، سأكتب عن بعض الدروس المستفادة من تاريخ الصراع الطويل الممتد منذ أكثر من مائة عام، التي تحمل عناوين مثل: لماذا ما زالت القضية حية، وهل القضية فلسطينية أم عربية أم إسلامية أم أممية، وعن أشكال النضال المناسبة السلمية أم المسلحة، وحول الحلول المرحلية والنهائية، ومقولة زوال إسرائيل، ومكانة الأقصى والقدس في النضال الفلسطيني، ومحاولة للإجابة عن سؤال: لماذا حصاد النضالات الفلسطينية أقل بكثير من بطولات وتضحيات ومعاناة الشعب الفلسطيني؟

الدرس الأول

القضية الفلسطينية عادلة وما زالت حية، وشعب الجبارين مستعد لمواصلة الكفاح

بدأت القضية منذ أكثر من مائة عام في أواخر القرن التاسع عشر مع أول غزوة استعمارية صهيونية، واستمرت طوال هذا المدة، وبقبت حية رغم ما تعرضت له من أهوال وحروب ودمار وموت ومذابح وتضحيات وتشريد كان كفيلًا بالقضاء عليها، خصوصًا أن عدوها حركة صهيونية عالمية مرتبطة بمشروع استعماري، ووظيفة تخدم مراكز عالمية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي تولت راية دعم إسرائيل من بريطانيا، صاحبة وعد بلفور ودولة الانتداب على فلسطين، التي مكنت الحركة الصهيونية من تحقيق هدفها.

لا يمكن تفسير قدرة القضية الفلسطينية على البقاء لولا أنها قضية عادلة ومتفوقة أخلاقيًا، وجامعة بحكم الأبعاد العربية والإسلامية التحررية الإنسانية، فمن دون هذه الأبعاد لا يمكن للقضية الفلسطينية أن تستمر، لذلك يجب أن تحافظ على سبب قوتها الجبارة بالابتعاد عن المحاور، فهي المحور الذي يجب أن يدور عليه ومن أجله الجميع، ولا تقزم نفسها بأي محور مهما كان، ولهذا السبب تنفرد باهتمام وتأييد عالمي تفتقده القضايا العادلة الأخرى.

لا يمكن أن تبقى القضية حية لولا أن فيها شعب الجبارين الذي فعلًا يشبه طائر الفينيق الذي كلما يموت يعود وينهض من الدمار ويحلق مجددًا في السماء، وأثبت أنه شعب صامد ومستمر في نضاله بمختلف الأشكال، وسيواصل نضاله مهما طال الزمن وغلت التضحيات.

ففي كل مرة عندما يعتقد الكثيرون أن القضية انتهت، أو تراجعت، وسيطويها النسيان، نراها بحكم ثورة أو انتفاضة شعبية تصعد من جديد، من هبة البراق في العام 1929، ومرورًا بأطول إضراب في التاريخ وثورة (1936-1939)، وحروب 1948 و1956 و1967، ومعركة الكرامة في العام 1968، حرب 1973، ويوم الأرض 1976، وحروب 1978 و1981 و1982، والانتفاضة الأولى (1987-1993)، وهبة النفق في العام 1996، والانتفاضة الثانية (2000-2004)، والاعتداءات العسكرية على قطاع غزة (2008-2009) و2012 و2014، وانتفاضة السكاكين في العام 2015، وهبات الأقصى المتواصلة بدءًا من معركة البوابات والكاميرات في العام 2017، وباب الرحمة، وباب العامود، وحي الشيخ جراح، ووصولًا إلى معركة "سيف القدس" التي اندلعت انتصارًا للأقصى والقدس والشيخ جراح، بالترافق مع ما يشبه الثورة في الداخل الفلسطيني.

الدرس الثاني

القضية الفلسطينية فلسطينية عربية إسلامية أممية

منذ نشوء القضية الفلسطينية يختلف التعامل معها في كل فترة: هل هي فلسطينية أم عربية أم إسلامية أم أممية أم ماذا؟

ففي البداية تم التعامل معها كقضية عربية، لذلك سلمت القيادات الفلسطينية أمرها للعرب وجيش الإنقاذ، وهذا كان من الأسباب الأساسية للنكبة والهزيمة التي تمثلت في قيام إسرائيل. وتم الرهان على الصديقة بريطانيا، دولة الانتداب، التي خانت الشريف حسين، ولم تف بوعدها له بإقامة دولة عربية. وساعدت "الصديقة" بريطانيا على قيام إسرائيل على حساب دولة فلسطين.

وأصبحت القضية الفلسطينية دولية بعد صدور قرار التقسيم والاعتراف بإسرائيل رغم قيامها على 78% من مساحة فلسطين، أي أكثر من 20% من المساحة المخصصة للدولة اليهودية في قرار التقسيم، وصدرت مئات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومختلف الوكالات المنبثقة عنها، وصدرت الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي في العام 2005، الكنز السياسي والقانوني.

كما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين كعضو مراقب، وهذا كله منح بعدًا دوليًا القضية الفلسطينية، احتوى على اعتراف بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية (حق تقرير المصير، والدولة على حدود 1967، بما فيها القدس الشرقية، وحق العودة والتعويض للاجئين على أساس القرار 194)، ولكن القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة رغم أنها تمثل العدل الممكن إلا أنها لا تملك القدرة على التطبيق كونها معطلة بالفيتو الأميركي. إن القضية الفلسطينية دولية ولكنها لن تجد الحل بالرهان على العامل الدولي.

واستمرت القضية الفلسطينية بعد النكبة كقضية عربية طوال الخمسينيات ومنتصف الستينيات حتى بعد اندلاع الثورة الناصرية ونشوء حركة القوميين العرب وحزب البعث اللذين أعطيا الأولوية للوحدة على تحرير فلسطين، ما جعل الجهود والطاقات الفلسطينية متوزعة ومنصبة على البلدان والمهمات العربية، وهكذا فعلت الحركات الإسلامية، وتحديدًا حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين، إذ أعطيا الأولوية للدعوة وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، إلى أن انطلقت حركة فتح (الانطلاقة الأولى في العام 1959، والانطلاقة الثانية والكبرى بعد هزيمة حزيران 1967)، التي أعطت البعد الفلسطيني الأولوية على الأبعاد العربية والإسلامية والأممية، وهذا ساهم بقوة في تبني النظام العربي لضرورة إنشاء كيان فلسطيني يعبر عن الهوية الفلسطينية، خصوصًا عندما طمست الحركة الصهيونية الوجود الفلسطيني كليًا.

وفي هذا السياق قامت جامعة الدول العربية بقيادة مصر عبد الناصر بتأسيس منظمة التحرير في العام 1964.

إن إبراز دور الشعب الفلسطيني الحاسم في الصراع هو السر (أكبر من إطلاق الكفاح المسلح ) وراء تبوء حركة فتح موقع القيادة للثورة الفلسطينية، وبعد ذلك لمنظمة التحرير، فإبراز أهمية الدور الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني ناجمة عن أن الفلسطيني هو المتضرر الأكبر من قيام إسرائيل. وبالتالي عليه أن يبادر إلى الدفاع عن نفسه، والنضال ضد هذه الأخطار التي تهدده من دون انتظار أحد، لا سيما بعد الهزائم والخيبات العربية.

لقد دفع التخلي التدريجي من النظام الرسمي العربي عن القضية الفلسطينية الشعبَ الفلسطينيَ إلى الانخراط مباشرة أكثر وأكثر لنصرة قضيته، والدفاع عن أرضه وهويته وحقوقه، بوصفه رأس الحربة، وعلى أساس أن الثورة الفلسطينية فلسطينية الوجه، عربية العمق والقلب، وأممية وإنسانية الأطراف والأبعاد.

وكما يقال "الزائد أخو الناقص"، فعندما تمت المبالغة بأهمية البعد الفلسطيني، وتقليل أهمية الأبعاد الأخرى بدفع من النظام الرسمي العربي الذي أراد أن يتخلى عن العبء الذي تمثله القضية الفلسطينية، تم في المقابل المغالاة أيضًا باستقلالية القرار الفلسطيني، لدرجة تصور إمكانية أن من حق القيادة الفلسطينية التوصل إلى حل فلسطيني بعيدًا عن العرب والمسلمين والأحرار في العالم كله، كردة فعل على الحلول الانفرادية العربية التي بدأت مع مصر، وخشية أن تتلوها حلول أخرى مع سوريا والأردن ولبنان، ما يعني ترك الفلسطينيين وحدهم، غير أن سوريا لم تلتحق بركب الحلول الانفرادية.

في هذا السياق، ارتُكِبَت خطيئة أوسلو التي لم تؤد إلى حل فلسطيني، بل إلى وقوع الحركة الوطنية الفلسطينية في الفخ الذي نُصِب لها، ولا تزال لم تتخلص منه حتى الآن، وعندما حاول الشهيد القائد ياسر عرفات الخروج منه تمت محاصرته واغتياله، وإيجاد قيادة فلسطينية جديدة تحارب "الإرهاب"، كما طالب الرئيس جورج بوش الابن في خطابه الشهير في حزيران 2002.

الخلاصة أن القضية الفلسطينية مركزية للفلسطينيين أولًا، وللعرب والمسلمين ثانيًا، والعالم كله ثالثًا، إضافة إلى كونها قضية عادلة ومتفوقة أخلاقيًا، وهناك شعب حي مستعد لحمل رايتها في كل الظروف. والقضية الفلسطينية قابلة للاستخدام من كل الأطراف، ولأهداف ومصالح متعاكسة، من داعش والقاعدة إلى الحركات المقاومة، ومن إيران إلى تركيا، ومن أوروبا وروسيا والصين إلى الولايات المتحدة، ما يقتضي أن يكون لها عنوان واحد ينظم ويقود شعبها، ويدرك أهميتها وخصوصيتها مثلما يدرك خصائص ومميزات الحركة الصهيونية.

إذا أصبحت القضية الفلسطينية محصورة أو مقزمة ضمن مشروع عربي أو إسلامي أو أممي، أو في أحد المحاور، فلن تكون محل إجماع ولا لها الأولوية، فمثلما ضاعت فلسطين على مذبح الوحدة العربية أولًا، والدولة الإسلامية أولًا، ضاعت عندما حاول اليسار الفلسطيني والعربي أن يضعها في خدمة الاتحاد السوفييتي الذي كان الدولة الثانية التي اعترفت بإسرائيل، واعتبر أن قيامها شكل من أشكال تقرير المصير، وطالب الضحية بأن تعترف بتقسيم وطنها وقيام كيان غاصب على 78% منه، وردد الشيوعيون هذا الادعاء بحجة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وقيام دولة فلسطين على ما تبقى.

لو اعترف الفلسطينيون والعرب بقرار التقسيم لما قامت دولة فلسطينية حينذاك، ولما عاشت القضية الفلسطينية حتى الآن.

نعم، كان يمكن العمل أكثر في العام 1948، من أجل قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة من دون الاعتراف بقيام إسرائيل الذي يعني اعترافًا وقبولًا بالرواية الصهيونية للصراع، وتخليًا عما يوحد الفلسطينيين المتمثل بالرواية التاريخية الفلسطينية التي تقوم على أن فلسطين للفلسطينيين وأن قيام إسرائيل مشروع استعماري استيطاني عنصري، وليس تجسيدًا لحق تقرير المصير "للشعب اليهودي".

البعد الفلسطيني للصراع رأس الحربة، ويتطلب الحفاظ عليه، ولكن المبالغة فيه أدت إلى تنازلات متواصلة وصلت إلى القضية والشعب والأرض، وكأنها تعني الضفة والقطاع فقط، وصولًا إلى أن هذا بات الحد الأقصى الذي من الصعب الوصول إليه. فالمبالغة بالبعد الفلسطيني وحصره بالاعتراف بدور القيادة وغيرها من اللاعبين الفلسطينيين، مثل حركة حماس، وليس الاعتراف بالحقوق الفلسطينية، تطمس حقيقة أن المشروع الصهيوني استعماري عنصري إحلالي يريد استكمال إقامة "إسرائيل الكبرى"، واستكمال طرد الفلسطينيين لتجسيد شعار الحركة الصهيونية "شعب بلا أرض لأرض بلا شعب"، وإقامة دولة يهودية نقية، فهذا المشروع لا يستهدف فلسطين فقط، وإنما الهيمنة على المنطقة العربية برمتها لإبقائها أسيرة التخلف والتبعية والتجزئة، والمزيد من التجزئة والفقر والجهل وعدم الاستقرار.

كما يستهدف العالم كله من خلال نشر الظلم والعنصرية، وبث الفتن والقلاقل، ودوس القيم الإنسانية العالمية: العدالة والمساواة وحق تقرير المصير، وحقوق الإنسان وحرياته، وسيادة القانون، والحفاظ على السلم والاستقرار في العالم.

إن ما يجري هذه الأيام يؤكد فلسطينية القضية، ووحدة القضية والأرض والشعب، كما ظهر في هبة القدس التي انتصرت بإزالة الحواجز من باب العامود، ومنع مسيرة الأعلام، وصمود أهالي حي الشيخ جراح، وإطلاق آلاف الصواريخ من قطاع غزة التي غطّت فلسطين التاريخية، وفي هبة المدن والقرى العربية داخل أراضي 48، إضافة إلى المظاهرات والمواجهات التي اندلعت في أكثر من 250 نقطة في الضفة الغربية.

كما يبرهن على أهمية الأبعاد العربية والإسلامية والإنسانية التحررية للقضية الفلسطينية ما شهدته مدن وعواصم العالم من مظاهرات حاشدة، حيث شهدت الولايات المتحدة الأميركية 60 مظاهرة في يوم واحد، كما شهدت عواصم ومدن أوروبا مئات المظاهرات، إضافة إلى مظاهرات حاشدة في البلدان العربية، لا سيما في اليمن والعراق، والأردن ولبنان، حيث حاول المتظاهرون تجاوز الحدود نصرة للقدس ولغزة والداخل الفلسطيني، وهذا يعني أن هزيمة المشروع الصهيوني الاستعماري بحاجة إلى جهود فلسطينية أولًا، وعربية وإسلامية ثانيًا، وأممية ثالثًا.

ويخطئ، بل وربما أكثر من مخطئ، كل من يفرط بأي بعد من أبعاد القضية الفلسطينية وبأي دعم يمكن أن يحصل عليه الفلسطيني، مع العلم أن الفلسطيني لا يبحث عن الحرب، ولا يهوى الانتفاضات والثورات، ولا استمرار الصراع، بل يريد أن يحسم الصراع والمعاناة بأسرع وقت وأقل التضحيات، على أساس العمل لتحقيق أقصى ما يمكن في كل مرحلة، ومن ثم الانتقال إلى المراحل التالية، من دون تسرع وقفز عن المراحل وحرقها، وبلا تباطؤ وتخاذل وانتظار.

القضية فلسطينية، ولكن من دون الأبعاد العربية والإسلامية والإنسانية التحررية كان من الصعب، إن لم نقل من المستحيل أن تستمر القضية.

للموضوع بقية ...

disqus comments here