لا وقت للتهاني أو التعازي!

حالنا يصعب على الكافر، ولم يعد ثمة مجال للتهاني، أو التعازي؛ فسيف الوقت يكاد يقطع قضيتنا الوطنية، ما يمنعنا من إقامة احتفالات؛ بل ربما كان علينا أن نبدأ بإجراء مراجعة نقدية، صريحة، وشُجاعة، لمسيرة الحركة الوطنية الفلسطينيةً عمومًا. وحركة المقاومة الراهنة (1964 – 2020)، و" الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "، وعلى نحو خاص. واعين بأننا - في هذه الحالة - لن نخسر إلا أخطاءنا! بينما نبدأ المسيرة للخروج من الوضع، الذي أوصلنا إليه، "اتفاق أوسلو"، سيء الصيت، ونُخطِّط للتجاوز، والحرص على ألا نتكيَّف معه. والكل يعلم بأن هذه مهمة صعبة على النفس، ومُكلِّفة، لكن ماذا نفعل، إذ "لا حلاوة بدون نار"!

بعضنا يتذرَّع بأننا لا نريد أن نجلد أنفسنا! وبعضنا الآخرين يرى في تلك المراجعة، النقدية الصريحة، والشجاعة، نشرًا لغسيلنا الوسخ؛ بينما عمر بن الخطاب (ر) كفانا مؤونة التذرع بكلمته الشهيرة، "رحم الله امرىء أهدى إليَّ عيوبي".. ما يتطلب منا مغادرة مربع "يا جبل ما يهزك ريح"، و "ياما كسَّر هالجمل بطيخ"، وإلهاءنا بأن ثمة ضوء في آخر النفق!

أغلب الظن أن رقبة قضيتنا الوطنية على سكين الأعداء، والزمن ليس في صالحنا، خاصة، إذا ما أدرنا الظهر لوضعنا الراهن، الذي لا يسر صديقًا.

لنتذكر هنا، كيف خرجت "الجبهة الشعبية" إلى الوجود، قبل 53 عامًا، من تحت أنقاض أبشع هزيمة حاقت بالعرب، في التاريخ، الحديث والمعاصر؛ حين التقت، في دمشق، كل فصائل المقاومة الفلسطينية، في سبيل تحقيق وحدتها، "هكذا، نحن لا نتحرَّك إلا في الملمات". وبقية القصة معروفة، وكيف صفصفت اللقاءات على ثلاث فصائل، هي: "شباب الثأر"، الجناح الفلسطيني في "حركة القوميين العرب"، و"جبهة التحرير الفلسطينية"، بقيادة أحمد جبريل، و"كتائب العودة"، وشكلت الفصائل الثلاثة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؛ فكانت الجبهة الوحيدة التي تستحق هذه الصفة، من بين كل "الجبهات" الفلسطينية، آنذاك؛ فالجبهة عبارة عن تحالف عِدَّة قوى، وليست مجرد قوة واحدة، هنا تكون أقرب إلى الحزب، وأبعد ما تكون عن الجبهة.

لكن الجبهة الوليدة عجزت، منذ البداية، عن أن تكون جبهة، ما يحتاج إلى تفسير من أصحاب التجربة، حتى لا يُؤخذ تفسير الأخرين على محمل الشماتة!

بعد أن خرجت "التحرير الفلسطينية" بقدها، وقضيضها، (تشرين الأول/ أكتوبر 1968)، وحملت اسم "الشعبية – القيادة العامة"، ثم كان ذلك "الطلاق الديمقراطي" بين جناحي "الجبهة"؛ فولدت "الجبهة الديمقراطية" (شباط/ فبراير 1969). وبعد الخروج من الأردن، صيف 1971، استفحلت الصراعات داخل "الشعبية"؛ فخرجت "الثورية" (ربيع 1972)، قبل أن يستقل المجال الخارجي، بقيادة وديع حداد، بعد بضعة أشهر. ثم ما كان من تجربة "الرفض" (1974 – 1978)، وبدل أن تجني "الرفض" ثمار "مبادرة السادات" (خريف 1977)، فإن الطرف الآخر هو الذي استفاد، بالضد من المنطق!

الشرح يطول، بينما خير الكلام ما قلَّ ودلَّ. يقول رفاقنا الصينيون، إن الانتصار يتطلب: قضية عادلة، وحزبًا قويًا، يُقدِّم قيادة متمكِّنة من نظرية الثورة، ومن الثقافة، والعمل السياسي، بما يمكنها من بلورة برنامج سياسي سليم، ونسج تحالفات، محلية، وإقليمية، ودولية صحيحة، دون أن نتغافل عن الديمقراطية، أبدًا، ومن المنبع إلى المصب.

لعل على رأس جدول أعمال كل الوطنيين يقبع أمر إقامة الوحدة الوطنية الفلسطينية، بعد إنهاء الانقسام، بالأخذ بأي من الاتفاقات الثمانية التي عقدها طرفا الانقسام، على مدى الأعوام الثلاثة عشر المنصرمة. وربما كان من الضروري بناء محور وطني ديمقراطي، يقتصر على "الشعبية"، و"الديمقراطية"، و"المبادرة الوطنية". وأعتقد أن ما تبقى من الفصائل يمكنه أن يلتحق بمحاور أُخرى؛ فالأمر ليس وقفًا على من يتمضمض بالماركسية – اللينينية، بل هو رهن بالمواقف السياسية، أساسًا، ومن هنا نبدأ.

نشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية
بقلم: عبد القادر ياسين

disqus comments here