باب العامود.. معلم تاريخي و"متنفس" المقدسيين

مع مغرب كل يوم، تتجه أنظار ملايين المسلمين والأحرار في العالم إلى ساحة باب العامود في القدس المحتلة، بعدما باتت ميدانًا للمواجهة ورمزًا للصمود والإباء الفلسطيني.

ومنذ بداية شهر رمضان، تحاول قوات الاحتلال الصهيوني، منع أي تجمعات للمقدسيين في منطقة باب العامود، وهو أحد أهم أبوب البلدة القديمة وكنيسة القيامة، ويؤدي إلى المسجد الأقصى.

رمضان وثورة باب العامود
وما إن يخرج المصلون من صلاة المغرب والتراويح حتى تشتعل المواجهات في الساحة التي يجد فيها المقدسيون متنفسا لهم، مع رفضهم محاولة الاحتلال فرض أمر واقع جديد في المنطقة عبر الحواجز الحديدية وسياسة القمع.

حالة المواجهة اليومية بلغت ذروتها في العاشر من رمضان، مع الدعوات المكثفة لمنظمة ليهافا اليمينية اليهودية المتطرفة، لتنظيم مسيرة حاشدة من المستوطنين، تحت عنوان "الدفاع عن الشرف اليهودي" المزعوم، وهو الأمر الذي دفع الشباب المقدسي الثائر إلى الاستعداد لخوض معركة التصدي لإفشال مخططات الاحتلال ومستوطنيه.

 

ومع حلول أذان المغرب تحولت الساحة إلى ميدان مواجهة أظهر فيها الشباب المقدسي بسالة قوية في مواجهة جنود الاحتلال ومستوطنيه، ووجهوا صفعات ولكمات لهم من النقطة صفر، متحدّين القمع والبطش.

ما أهمية باب العامود؟
فما أهمية هذا الباب الذي يعد أحد المعالم المعمارية التاريخية، فضلا عن كونه أشهر بوابات البلدة القديمة، وساحة مواجهة متكررة في السنوات الأخيرة.

فقد اعتاد المقدسيون الاحتشاد في "باب العامود"، منذ سنوات عديدة، لرفع صوتهم ضد السياسات الإسرائيلية الساعية لـ"أسرلة" المدينة.


جانب من الوقفة الاحتجاجية على باب العامود

وخلال الأعوام الماضية، تصاعد دور "باب العامود"، ليصبح حيّزا حيويا لفلسطينيي القدس؛ يتجمعون عنده، وينظمون على أعتابه نشاطاتهم السياسية والاجتماعية، بما يشبه الدور الذي تؤديه مراكز المدن، أو ما يسمى بالدارجة "وسط البلد".

وبرز اسم "باب العامود" في ديسمبر/كانون الأول عام 2017، عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب رسميا اعتراف إدارته بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

وآنذاك تحوّل "باب العامود" إلى مركز الاحتجاجات الفلسطينية في القدس ضد القرار.

 


كما تشهد مدرجات باب العامود، بين الفينة والأخرى، وقفات فلسطينية، بعضها تضامنا مع المعتقلين الفلسطينيين في السجون "الإسرائيلية"، أو إحياءً لذكرى مناسبات فلسطينية كنكبة فلسطين (1948)، أو ذكرى احتلال القدس (1967).

الموقع وسبب التسمية
ويقع باب العامود في الجهة الشمالية من السور المحيط بالبلدة القديمة للقدس القديمة، وهو من أجمل أبوابها من حيث الزخرفة والبناء.

وباب العامود هو المدخل الرئيس إلى الأسواق التاريخية بالبلدة القديمة والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة.

 


ويُشير باحثون في تاريخ القدس إلى أن بناء باب العامود في موقعه الحالي يعود إلى زمن الرومان؛ فقد بناه الحاكم الروماني هيرودس الأول، ومن ثمّ أعاد بناءه الملك هادريان عام 135 ميلادية، بعد أن دمره الإمبراطور الروماني تيتوس.

وقيل إن سبب تسميته بباب العامود، وجود عامود مرتفع في ساحته الداخلية، ظلّ فيها حتى فترة الفتوحات الإسلامية.

أما البناء الحالي لباب العامود فيعود للعهد العثماني، وتحديدا لعهد السلطان سليمان القانوني الذي أمر في القرن السادس عشر الميلادي بإعادة بناء سور القدس، وترميم الأجزاء المهدمة منه.

وللباب أسماء كثر؛ منها باب دمشق، وباب نابلس، وباب النصر، وباب القديس اسطفان.

 


وفي مدخله كان هناك موقف للحافلات إلى كل مدن الضفة الغربية، وموقف آخر للسيارات المتوجهة إلى قطاع غزة.

وكان الفلسطينيون من مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية يفدون إلى القدس، عبر "باب العامود"، من أجل الصلاة بالمسجد الأقصى، والتبضّع من أسواق القدس القديمة التاريخية.

ثكنة عسكرية
وما إن تضع قدمك عند باب العامود ومحيطه حتى ترصدك عيون الكاميرات التي وضعها الاحتلال، وترصدك بنادقهم وأسلحتهم، وتتعرض للتفتيش المهين وشبه العاري أمام أعين المارة.


جانب من الاقتحام


هذا المشهد اليومي لباب العامود والذي تحول مع بدء انتفاضة القدس لثكنة عسكرية متكاملة، وارتقى عنده العديد من الشهداء ليزفوا شهداء عند هذا الباب، حتى بات يطلق عليه باب الشهداء.

ويؤكد الحاج توفيق النتشة لـ "المركز الفلسطيني للإعلام" أهمية باب العامود؛ كونه المفضي للمسجد الأقصى، ويعبره المستوطنون باتجاه طريق شارع الواد التي استولوا فيها على العديد من المنازل.

على قائمة التراث العالمي
ويؤكد الدكتور نظمي الجعبة، أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت، أن أي تغيير على معالم باب العامود يجب أن يحظى بموافقة منظمة "اليونسكو".

وقال الجعبة، في تصريحات سابقة : إن مدينة القدس وأسوارها مسجلة على قائمة التراث العالمي، وبالتالي كون باب العامود جزءًا من البلدة القديمة يحظر أن يطرأ عليه أي تغيير بدون موافقة "اليونسكو"، وإن أي تغيير يجب أن يظهر جماليات الموقع لا أن يشوهه، وإذا كان التغيير بقصد إظهار جمال موقع التراث العالمي يمكن أن توافق عليه اليونسكو، وغير ذلك ترفضه.

 


وأوضح أن باب العامود بوابة القدس بلا منازع، وتاريخيا المدخل الأساسي للمدينة، مشيرا إلى أن هناك عملية تشويه واضحة جدا للمشهد؛ حيث يبني الاحتلال برجين كبيرين مقابل باب العامود علاوة على التركيبات المعدنية بالقرب منه.

أبرز نماذج عمارة القرن العاشر
بدوره، قال الدكتور يوسف النتشة، مدير السياحة والآثار في الأوقاف الإسلامية: إن باب العامود (944- 1537) هو من أبرز نماذج عمارة القرن العاشر - السادس عشر، وليس فقط في القدس بل في عموم مدن فلسطين، وفي الواقع إنه أجمل الأبواب في سور القدس، وأكثرها ثراء من ناحية معمارية وزخرفية علاوة على حجمه ومساحته الكبيرة.

وأضاف: "أطلق على باب العامود عدة أسماء عبر العصور التاريخية كباب نابلس وباب دمشق وباب القديس أسطفان، والتسمية الأولى هي الأشهر، وهي صدى لعمود كان قائما في ساحة الباب الداخلية يستقبل زوار المدينة، وهذا العمود كان تمثال للإمبراطور هادريان جريا على التقليد الذي كان سائدا في تزيين المدن الإغريقية والرومانية بتماثيل تخص الحكام".

 


وتابع: "مصمم باب العامود هو على الأرجح المعلم درويش الحلبي، وهو معماري ينتمي إلى مدينة حلب في الشام قدم للقدس واستقر بها، وهذا الترجيح استند إلى ثلاثة أركان: عناصر الزخرفة، والمعلومات المحفوظة في سجل محكمة القدس الشرعية، والتصميم الإداري".

 

disqus comments here