معركة القدس هي بوابة فرض الانتخابات ومواجهة التهويد

■ تتعرض مدينة القدس المحتلة لهجمة إسرائيلية مسعورة تستهدف الأماكن التاريخية والمقدسات فيها وحاراتها وشوارعها وأزقتها وبيوتها وحتى مدارسها ومناهجها التعليمية ومؤسساتها بمختلف أطيافها وطمس هويتها العربية، وتدفع بمجريات الأمور نحو تهويدها وعزلها عن الضفة الفلسطينية بشكل متسارع. انفجار الأوضاع في مدينة القدس وفي ساحات الحرم القدسي الشريف تسير على قدم وساق وتتطور يوماً بعد يوم، نظراً لأن إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال التي تنظر لمدينة القدس أنها عاصمة موحدة لها وسيّدة عليها لا يمكن لأي أحد التدخل في شؤونها حتى الفلسطينيين أنفسهم أصحاب الأرض، من خلال إجراءات تقيّد حرية العبادة والتنقل والصلاة في المسجد الأقصى ومنع خطيب «الأقصى» عكرمة صبري من السفر خارج فلسطين لمدة 4 شهور إلى جانب إبعاد المقدسيين ومنعهم من دخولها لفترات زمنية متفاوتة، وقطع الكهرباء عن مآذن المسجد الأقصى ومنع إدخال وجبات الطعام للصائمين، في محاولة فجة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى على غرار الحرم الإبراهيمي الشريف. فيما إسرائيل تسابق الزمن في الاستيطان والتهويد والأسرلة لمدينة القدس لتغيير طابعها الجغرافي والديمغرافي بتمسكها بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن وعدد من السفارات الهامشية للقدس، من خلال هدم منازل المقدسيين وورشهم الصناعية والتجارية وإحلال مكانها فنادق ومصانع وأبراج استيطانية، وتسريب وسرقة الأراضي والعقارات لصالح المستوطنين، وإنشاء حدائق وممرات تلمودية توراتية في منطقة كرم المفتي لفصل قرى شمال القدس، الشيخ جراح، بيت حنينا وشعفاط عن قلب مدينة القدس والاعتداء على المواطنين وشن حملة اعتقالات شعواء في قلب القدس وتهديد مرشحي الانتخابات الفلسطينية بسحب هوياتهم المقدسية واعتقالهم وطردهم من قلب المدينة المقدسة. إن عنصر الزمن في القدس يستفيد منه الاحتلال بتغيير الوقائع الميدانية فيها نحو الأسرلة والتهويد وطمس هويتها العربية، فهو ليس عنصراً محايداً للفلسطينيين بل منحازاً للاحتلال الإسرائيلي، ولكنه ربما يدفع سكان القدس إلى الانفجار والارتطام بالحقيقة، لأن القيمة الوحيدة لهم أصبحت هي مدى مقاومتهم للاحتلال وعرقلة مشاريعه التي تسعى لتغيير وقائع المدينة أمام أعينهم تمهيداً لطردهم. فبالأمس القريب اتخذت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» قرارات لصالح القدس بتسمية المسجد الأقصى المبارك/ الحرم القدسي الشريف، واعتبار كافة الإجراءات الإسرائيلية لتغيير طابع المدينة المقدسة ووضعها القانوني لاغية وباطلة، ومطالبة إسرائيل بوقف انتهاكاتها وإجراءاتها أحادية الجانب غير القانونية ضد الأقصى وفي البلدة القديمة للقدس وأسوارها، لذلك بات مطلوباً تنفيذ قرارات اليونسكو ومع توصياتها عبر هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة وخاصة مجلس الأمن. يبدو أن إسرائيل تحاول أن تغيّر وقائع الجغرافيا السياسية والميدانية على الأرض وفي قلب مدينة القدس المحتلة لتزيّف التاريخ وتهوّد واقع المدينة في سباق مع الزمن وتصعّد من عمليات القمع والمداهمة والاعتقال الجماعي والإعدامات اليومية، فيما القيادة الفلسطينية تقف في موقع المتفرج دون أن تحرك ساكناً أو توفر موازانات مالية فاعلة تستجيب لحاجات مدينة القدس وتوفير دعم لمؤسساتها على اختلاف وظائفها. فما يجري في قلب القدس في باب العامود وسلوان والعيساوية والشيخ جراح من مواجهات واشتباكات يومية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي وعناصر شرطته، هي رسالة يوجهها المقدسيون أن الانتخابات في القدس تنتزع من الاحتلال رغماً عن أنفه ولا تترك رهينة إجراءها أو إلغاءها أو تأجيلها لنوايا الاحتلال، ما يطرح تحدياً حقيقياً على القيادة والسلطة والقوى والأحزاب الفلسطينية والقوائم الانتخابية يضعها أمام مسؤولياتها في تحويل معركة الانتخابات في القدس إلى واقع ترشيحاً وانتخاباً ودعايةً، وفي مراكز الاقتراع في المدارس والمساجد والكنائس، كما هو الحال في عموم الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، والانتقال من معركة البيانات والمواقف المجردة إلى اشتباك ميداني وكفاحي على شاكلة معركة البوابات التي خاضها المقدسيون عام 2017، لتكون رافعة لانتفاضة شعبية عارمة تفرض على الاحتلال التسليم بحق الفلسطينيين في ممارسة العملية الديمقراطية لإعادة بناء النظام السياسي المهترء على أساس الشراكة والوحدة الوطنية. من اللافت أن صيغة الانتخابات التي جرت في عام 1996 وعام 2005 و2006 في القدس، هي صيغ قاصرة لا تلبي الهدف الوطني بتأكيد هوية القدس الفلسطينية والتي اقتصرت على تصويت 6300 ناخب مقدسي في مراكز البريد الإسرائيلية وكأنهم جاليات أجنبية في غياب لجنة الانتخابات المركزية ودون السماح بأية دعاية انتخابية، لذلك بات مطلوباً من القوى الوطنية بلورة آليات تنفيذ الخطة الوطنية لهيئة العمل الوطني في القدس مع لجنة الانتخابات المركزية وآية قوة دولية جادة لفرض الحضور المقدسي في العرس الديمقراطي الفلسطيني بصرف النظر عن قرار الاحتلال، تأكيداً لهوية القدس الفلسطينية ومكانتها كعاصمة أبدية لفلسطين. القدس يا سادة، قيادة وسلطة وأحزاب وقوائم انتخابية، تعيش على مفترق طرق بين صراعين منذ احتلالها عام 1967، أحدهما علني والآخر صامت تهويدي استراتيجي لإطباق سيطرة إسرائيل على مدينة القدس بأكملها في تحد سافر لقرارات الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو التي أكدت على ضرورة الحفاظ على مكانتها ووضعها القانوني دون تغيير كعاصمة للفلسطينيين، وتبقى المدينة المقدسة دون خطة عربية لمواجهة الأسرلة والتهويد والتهجير، فيما جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي غارقتان في سباتهما العميق أمام هرولة عدد من الأنظمة العربية نحو اتفاقات التطبيع ■

· كاتب صحفي فلسطيني/ قطاع غزة

disqus comments here