مركز الزيتونة يصدر ورقة علمية حول تطور الدَّين العام للسلطة الفلسطينية

أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية بعنوان: "تطور الدَّين العام للسلطة الفلسطينية في سياقه السياسي والاقتصادي"، وهي من إعداد الأستاذ خالد أبو عامر، الباحث المختص في الشأن الاقتصادي الفلسطيني.

حيث أشار الباحث إلى أنه ومنذ نشوء السلطة الفلسطينية سنة 1993، خضع الاقتصاد الفلسطيني لكثير من التقلبات التي انعكست على أدائه بشكل سلبي، نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها التحكم الإسرائيلي في مفاصله، وتقييده.

ويتصف الاقتصاد الفلسطيني بأنه ضمن الاقتصادات الناشئة؛ لأن كثيراً من مقوماته تعتمد بدرجة أساسية على التمويل الخارجي الآتية على هيئة تدفقات نقدية يمكن إدراجها ضمن فئة المنح والقروض، وعلى الرغم من هذا الدعم الخارجي الكبير، إلا أن الموازنة العامة الفلسطينية عانت من عجز شبه دائم منذ أول موازنة للسلطة تمّ إقرارها سنة 1995، وحتى نهاية سنة 2020، مما تسبب في إيجاد أزمة بنيوية شكلت تحدياً لصانع القرار الفلسطيني؛ نجمت عن أزمة ارتفاع حجم الدَّين العام على السلطة الفلسطينية، خصوصاً في السنوات الأخيرة.

 
 
 

وعمل الباحث على استعراض السياقات التاريخية والقانونية والسياسية لأزمة للدَّين العام للسلطة الفلسطينية، كما تطرق إلى أثر الانقسام الفلسطيني والفشل الإداري للسلطة الفلسطينية على الاقتصاد الفلسطيني، وتوقف عند أزمة المقاصة بين السلطة و"إسرائيل" على اعتبار أنها تمثل العامل الثاني لارتفاع حجم الدين العام على السلطة الفلسطينية.

وخلص الأستاذ خالد أبو عامر إلى أن أزمة الدين العام التي تواجه السلطة الفلسطينية تعكس حجم الخلل البنيوي الذي يعاني منه الاقتصاد الفلسطيني، نتيجة لتداخل مجموعة عوامل تسببت بوصول السلطة لهذا المستوى من المديونية للجهات الداخلية والخارجية. أول هذه الآثار هو عبء الدين المتمثل بالفائدة السنوية التي تتحملها الموازنة العامة نتيجة تسديد هذه القروض، أو من خلال جدولتها، بما يأتي على حساب أولويات أخرى تضطر السلطة لتأجيلها كمشروع تطوير الاقتصاد، والنهوض به، للخروج من حالة التبعية بالاقتصاد الإسرائيلي.

 
 
 

وتظهر هذه الأزمة حجم المأزق الذي وضعت السلطة نفسها به، من خلال اعتمادها بنسبة تزيد عن 70% من التحكم الإسرائيلي في إدارة الشأن المالي لموازنتها عبر خضوعها لابتزاز في أموال المقاصة، وعدم الإيفاء بها كورقة ضغط سياسية، مما يدفعها للاقتراض لتسديد استحقاقاتها المالية، وأهمها رواتب الموظفين وعددهم 136 ألفاً، ويرتفع الرقم إلى قرابة 210 آلاف مع إضافة ما تطلق عليهم الحكومة (أشباه الرواتب)، تمثل رواتب المتقاعدين والمخصصات الاجتماعية وذوي الشهداء والأسرى والمحررين. وتظهر هذه الأزمة خضوع الاقتصاد الفلسطيني للعامل الخارجي من خلال اعتماد الموازنة على ما نسبته 25% من إيراداتها العامة على المساعدات الخارجية، وتخضع في أغلب الأحيان لعوامل سياسية، كما حدث مع القطع الأمريكي للمساعدات منذ سنة 2017، وتراجع الدعم العربي أو توقفه بشكل شبه كامل خلال سنتي 2019–2020.

 
 
 

وأمام هذا الواقع الذي يواجه السلطة الفلسطينية فإن الخيارات المطروحة أمامها في المرحلة القادمة تنحصر في ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: بالنظر إلى أصل مشكلة الدين العام الفلسطيني والناجمة عن تراجع الإيرادات العامة مقابل بقاء أو زيادة النفقات العامة، فإن العامل الخارجي الذي يشكل 75% من إجمالي الإيرادات العامة لموازنة السلطة والمقترن بعودة المساعدات الخارجية وأهمها المساعدات الأمريكية المجمدة منذ 4 سنوات، وإيفاء الدول المانحة بتعهداتها لدعم موازنة السلطة وعدم تجميد "إسرائيل" لأموال المقاصة.

ما سيؤدي إلى تراجع اعتماد السلطة على القروض المحلية والخارجية لتغطية نفقاتها، الأمر الذي قد ينعكس بشكل إيجابي على المالية العامة للسلطة من خلال تغطية العجز في موازنتها خلال العام الجاري والأعوام القادمة.

السيناريو الثاني: بالنظر إلى طبيعة المرحلة الحالية التي تمر بها الحالة الفلسطينية في حال لم تتوافق نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية مع الرغبة الإقليمية والدولية؛ كفوز محتمل لحركة حماس في هذه الانتخابات تكراراً لتجربة سنة 2006، فإن سيناريو استمرار الضغط السياسي والاقتصادي، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، و"إسرائيل"، والدول العربية يبدو وارداً وبقوة، مما قد يزيد من حالة التدهور بالنسبة للوضع المالي للسلطة، من خلال استمرار قطع المساعدات الأمريكية عن الأراضي الفلسطينية في ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن، أو استمرار الدول العربية بفرض حصار مالي على السلطة، أو قيام "إسرائيل" بوقف تحويل أموال المقاصة للسلطة، سيؤدي أيّ من هذه العوامل الثلاثة مجتمعة أو كل على حدى إلى دفع السلطة إلى تكثيف الاعتماد على القروض المحلية والخارجية مما سيتسبب في زيادة الدين العام إلى مستويات أكبر مما هو عليه الآن.

السيناريو الثالث: أمام السلطة الفلسطينية خيار بقاء الحالة الراهنة كما عليه الآن، وهو اعتمادها المنحصر في الاعتماد على أموال المقاصة من "إسرائيل" واستمرار الأوروبيين في تمويل الموازنة وبقاء الدعم العربي للسلطة ضمن حدوده الدنيا، سيتسبب في زيادة الضغط المالي على السلطة، بما يشكل زيادة بنسبة 18% للدين العام (وهو متوسط الزيادة السنوية في الدين العام خلال فترة عمر السلطة).

وتوقع الباحث عودة الدعم المالي للسلطة الفلسطينية من الخارج، ما سيؤدي لتخفيض دينها العام، وذلك في ظلّ مستجدات الحالة الراهنة التي تشير إلى إمكانية عودة الدعم الأمريكي للسلطة الفلسطينية مجدداً في ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن، وتخفيف التوتر بين السلطة والدول العربية، بما سينعكس على إعادة الدعم المالي العربي في حال أجريت الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، إلا أنه حصر ذلك في حال فوز حركة فتح في تلك الانتخابات.

وختم الأستاذ خالد أبو عامر ورقته موصياً بضرورة العمل على ضبط وترشيد النفقات الجارية ضمن جدول أولويات، وبالأخص نفقات الأجور والرواتب نظراً لاستحواذها على 60% من نفقات الموازنة. وأوصى بالسعي للتغيير التدريجي من سيطرة النفقات التشغيلية على النفقات التطويرية ومنحها أولوية، وتوجيه النفقات للمشاريع التي تجلب الاستثمارات لزيادة ضرائب الدخل.

كما دعا إلى إعادة النظر في قوانين الضرائب المعمول بها، بما يتلاءم مع احتياجات السلطة مالياً، وبما لا يؤثر سلباً على قوانين تشجيع الاستثمار.

بالإضافة إلى تبني السلطة خطة إصلاح جذرية في مؤسساتها عبر دمج المؤسسات غير الحكومية في الوزارات لتقليل النفقات الخارجية التي تمولها الميزانية. وحثَّ الباحث السلطة الفلسطينية على التوجه نحو الخصخصة، ومنح القطاع الخاص بعض الصلاحيات لإدارة النشاطات الخدماتية التي تستنزف الميزانية.

disqus comments here