"وحدة الساحات" ستُصنع في الضفة مرة أخرى

المطلوب اليوم هو دعم المقاومة في الضفة المحتلة بكل ما أمكن من عتاد وتمويل وإعلام، وعلى المقاومة بكل فصائلها أن تزج بكل إمكاناتها العسكرية والمالية والبشرية لتعزيز الفعل المقاوم.

لم يأتِ الانسحاب الصهيوني من جنوب لبنان عام 2000 كبادرة حسن نية من الاحتلال، فعمليات المقاومة اللبنانية الجريئة والمكثفة أحالت كل أماكن "الجيش" المنتشرة في الجنوب أهدافاً واقعية للاستهداف، وأحالت طرق الجنوب، كما طرق المعسكرات، ممرات موت من الكمائن والعبوات الناسفة المضادة للدروع والقوات الراجلة أو عبر أساليب ابتدعتها المقاومة، فدفع العدو ثمناً مرتفعاً من القتلى والجرحى والخسائر في المعدات، إضافة إلى الضربات المعنوية التي أصابت الجنود الذين يخدمون في لبنان، والتي شكلت بدورها حالات تمرد وسط "الجيش". وفي الوقت نفسه، تشكّلت حركات ضغط على قادة العدو للانسحاب، أبرزها من الأمهات الثكالى، فأُجبر العدو على الانسحاب، ولم يجد أهدافاً يقضي عليها، لأن المقاومة لم تكن دولة مؤسسات أو معسكرات واضحة.

وبعد أشهر قليلة، وجد العدو نفسه أمام تحديات أمنية في الأراضي المحتلة وسط خلافات سياسية داخلية. وقد سارع إلى الخروج منها عبر قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي راحت تتصاعد يوماً بعد يوم، فبدأ يعمل على تنفيذ خطط وسياسات ضمن عقائده الأمنية.

كانت تلك الخطط في البداية ضمن العقائد الأمنية الجديدة التي جاءت ثمرة خلاصات التجارب الحربية السابقة. وقد عمل بدايةً على تنفيذ عمليات خاطفة ضد المجموعات المسلحة، وعلى مواجهة المقاومة بمثل أساليبها، لكن الأوضاع أخذت بالتفاقم، واستهداف المقاومة لـ"الجيش" والمستوطنين أصبح شبه يومي.

وعلى الرغم من أن العدو نجح في تحييد بعض المجموعات، فإنَّ هذه الأساليب لم توفر الأمن، فعمليات المقاومة غير المتوقعة أقنعته بأن هذه الأساليب لم تحقق الغاية المرجوة منها، فتصاعدُ الضغط الذي كانت تمارسه أحزاب اليمين والجمعيات الاستيطانية حتّم عليه استخدام أسلوب جديد عمل على تطويره موشيه يعالون، فقد دمج بين الأساليب القديمة والجديدة، وهو الدمج الذي تمثل بفرض حصار خانق على المدن وتنفيذ عمليات اغتيال القادة واستهداف المقاومين بعمليات سريعة وخاطفة.

لكن هذا الأسلوب أيضاً لم يحقق غاياته الأمنية المتوقعة؛ فبعد فترة قصيرة من اللجوء إلى هذا الأسلوب، اقتنع قادة العدو بأنهم ضاعفوا حالة الاحتقان لدى الفلسطينيين، ففضلوا الاستشهاد على واقع محاصر منعدم الأمن والأفق، وجاءت العمليات الاستشهادية كرد فعل لتعلن موت هذا الأسلوب.

وقد وضعت العمليات قادة العدو أمام ضغط هائل يمارسه مستوطنوه لاستخدام العنف المفرط واجتثاث المقاومة من منابتها، وشكل الضغط الهائل مبرراً لبدء عملية "السور الواقي" بعد فترة من تأهيل المجتمع الداخلي وتحشيده للتجنيد والتوحد خلف "الجيش"، فضم ما يقارب 40 ألف جندي احتياط لتنفيذ العملية، وهو ما يوازي عدد الجنود الذين شاركوا في حرب 1973، فبدأت العملية باستخدام العنف المفرط لإقناع الفلسطينيين بأنهم يتعاملون مع "دولة" مجنونة لن تتوانى عن ارتكاب أي فعل لحماية نفسها، وكي يقتنعوا بأن وسائلهم لن تحقق لهم ما يريدون، فنفذ عملية "السور الواقي"، وأعاد الانتشار وسط المدن، واقتحم المخيمات، ودارت معارك طويلة، لكنها انتهت باعتقال واغتيال الألوف ممن أعطوا الانتفاضة زخمها، وتركت الشعب الفلسطيني في صدمة.

واليوم، تتشابه الأحداث ولا تتشابه الظروف، فموجات العمليات لا تتوقف، ومجموعات المقاومة تنتشر في شمال الضفة المحتلة، والعدو يعمل بأسلوب بات يعرف بـ"جز العشب" منذ العام 2018، ويهدف إلى إيقاف عملية المراكمة لدى المقاومة، لكن العدد الكبير للمسلحين أجبره على أن يعمل على تحديد درجات الخطر عبر المعلومات الأمنية التي ترده من العملاء وأجهزة أمن السلطة ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبناءً على المعلومات، يقوم باستهداف المجموعات التي تشكل خطراً محدقاً به. هذه الهجمات تحد من خسارته، لكنها لا تحقق له الأمن، فالخطر الحقيقي بالنسبة إليه ليس المجموعات التي تتمركز بشكل علني في الضفة، فهي بالنسبة إليه مجموعات محصورة داخل مناطق معروفة ومحدودة يستخدم معظم أفرادها الهواتف ويستطيع تحديد تحركاتهم وتسديد ضربات استباقية لهم.

الخطر الحقيقي الذي يخشاه العدو يتمثل بمجموعات سرية قد تجد في المجموعات العلنية غطاءها، وتعمل بشكل سري، وربما احترافي، مستفيدة من حالة المد وظواهر المقاومة العلنية والتركيز المشدد لأجهزة أمن العدو على مناطق المسلحين العلنية، فتنفذ هذه المجموعات عملياتها في مناطق غير متوقعة، فالقتلى الذين وصلوا إلى 20 إسرائيلياً منذ بداية العام لم تسقطهم "عرين الأسود" أو كتيبة جنين، بل أسقطتهم خلايا وأفراد يعملون بشكل سري.

يقول أحد قادة أجهزة الأمن الصهيوني السابقين إن وجود الأسلحة الشخصية يهدد وجود دولة إقليمية إن كان في يد الضعيف بشكل سري. وإن حال الوضع الأمني الحالي دون القضاء على ظاهرة المقاومة عبر عملية حسم سريع مشابهة لـ"السور الواقي"، فإنَّ المجموعات السرية قد تسعى لامتلاك أدوات من شأنها أن تقلب المعادلة في الضفة، كأن تلجأ إلى صنع عبوات ناسفة خارقة للدروع أو أسلحة القنص، فيصبح الخطر المحيق بالعدو مماثلاً لما كان في لبنان قبل عملية الانسحاب، ومشابهاً لما كان في غزة قبل الانسحاب 2005، فيدفع العدو أثماناً مرتفعة في الأرواح والمعدات.

والعدو اليوم، رغم تفوقه العسكري الهائل، غير قادر على تنفيذ عملية حسم سريعة أو طويلة، وغير قادر على استخدام العنف المفرط، لأن الظروف الموضوعية حالياً ليست كتلك التي كانت إبان سنوات الانتفاضة؛ فالانقسام السياسي الحاد الذي يشهده مجتمعه اليوم يضعه في مأزق حقيقي، ناهيك بالمقاومة التي باتت ضمن محور المقاومة الذي يتعاظم والجبهات العديدة التي يمكن أن تشتعل في حال أقدم العدو على فعل مماثل لما كان يرتكبه خلال انتفاضة الأقصى.

المطلوب اليوم هو دعم المقاومة في الضفة المحتلة بكل ما أمكن من عتاد وتمويل وإعلام، وعلى المقاومة بكل فصائلها أن تزج بكل إمكاناتها العسكرية والمالية والبشرية لتعزيز الفعل المقاوم، والأهم إيصال العدو إلى قناعة مفادها أن عملية "السور الواقي" واجتياح المدن سيؤديان حتماً إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات.

وحين يصل العدو إلى تلك القناعة، سيكون عندها أمام خيارين أحلاهما مر؛ الحرب المفتوحة متعددة الجبهات أو أن يكون في الضفة غزة أخرى.

  •  
disqus comments here