جديد في الضفّة الغربيّة؟

منذ كانون الثاني 2009 لم أقرأ كتابًا بلغةٍ غير العربيّة، وفي الشهر الفائت وصلني طرد بريديّ يحمل نسخة من كتاب "All Quiet on the West Bank?" للكاتبة والصحافيّة والمصوّرة الفوتوغرافيّة السويديّة لينا فريدريكسون (162 صفحة، صدر عام 2020 باللغتين السويديّة والإنجليزيّة، الناشر: ( oppenheimforlag)؛ جاء العنوان الفرعيّ: "العيش لفترة طويلة تحت الاحتلال"، شوّقني لقراءة الكتاب فقرأته ثلاث مرّات متتالية، تسرد حكايات شخصيّة لأطفال صغار، لصبية، نساء ورجال من كلّ الأجيال، للناس المهمّشين والمنسيّين، للضعفاء والمساكين.

يشكّل الكتاب معرضًا للصور، يشمل 181 صورة بكاميرا الكاتبة (حوالي 20 صورة بكاميرا رفيقها بيجورن فريدريكسون)، كثير من الصور مع قليل من الكلمات والوصف، نتاج عدّة زيارات للضفّة الغربيّة والقدس بين الأعوام 2011-2018، أطلقت العنان للصورة لتحكي الحكاية، تنقل من خلالها صورة واقعية لتفاصيل معيشيّة  مغيّبة عن الكثيرين وتعكس الحياة اليوميّة للفلسطينيّين تحت الاحتلال، صور تروي كلّ الحكاية وتغني عن كثير الكلام.

 

 

 

صوّرت في كتابها الحياة، البؤس والمعاناة اليومية في فلسطين، مدنها وقراها ومخيّماتها، تحطّم عنفوان الاحتلال الإسرائيلي وكبريائه، نقلت صورة واقعيّة عن واقع غائب ومغيّب للمعاناة، سجّلت انطباعاتها ولقاءاتها مع الناس العاديّين، مصاعبهم تحت الإجراءات القمعيّة الاحتلاليّة.

يشكّل الكتاب إضافة إلى ذلك وثيقة دامغة لموبقات الاحتلال، تناولت "الحبس" المنزلي للسكّان ومنع التجوّل بين الحين والآخر، الإغلاقات المتكرّرة، عرقلة التعليم والمدارس، الإجحاف والظلم، الحزن الدائم، فرحة الحياة المنقوصة، جرائم الاحتلال، معاناة الأطفال والمحاكم العسكريّة والأحكام الجائرة بحقّهم، المقاومة والمستقبل المنشود.

 
 
 

تكشف الكاتبة الوجه القبيح للاحتلال المقيت، فانطباعاتها موثَّقَة بشهود عيان، وبصور الكاميرا، شهادات الضحايا أو أهاليها، مشاهد حيّة لمجريات الأمور دون رتوش، من بيوت المخيّمات وأزقّة طرقاتها، خلف حواجز الاحتلال.

لفت انتباهها وأثارها بدايةً الطرق الالتفافيّة وشوارع الفصل الأبرتهايد، الحواجز وخاصّة الطيّارة منها حسب نزوات الاحتلال الذي يتحكّم بكلّ صغيرة وكبيرة وأهمّها التنقّل من مكان لآخر، التحديات اليوميّة للناس البسطاء رغم التحكّم بالمياه والتيّار الكهربائي، الصحّة والزراعة والتجارة، ورغم ذلك وجدت الأهالي صامدين ويتعايشون مع الوضع القائم ويتأقلمون، يحقدون على سلطة الاحتلال ولا يكرهون اليهود.

 
 
 

أغاظتها الفكرة بأنّها تستطيع المغادرة متى تشاء وجعلتها حزينة وتتساءل: ماذا مع الأهل وتربية أولادهم تحت الحصار دون أمل ومستقبل؟  ولسان حال كلّ من قابلته يقول: "ورجي العالم كيف الوضع هون بلكي يساعدونا!".

تناولت معضلة الهويّة الزرقاء لأهالي القدس، و"الخضراء" لسكّان الضفّة الغربيّة التي تمنعهم من التنقّل ووصول القدس فيحتاجون للتصاريح التي يصعب الحصول عليها حتّى للعلاج أو العمل، ومعاناة العمال الفلسطينيين والصعوبات التي تواجههم، القوائم السوداء والمعابر والحواجز والاكتظاظ والانتظار ساعات طويلة وقساوة معاملة مشغّليها.

تجوّلَت في الخليل لتشاهد إغلاق السوق والبلدة القديمة واستيلاء المستوطنين عليها (700 مستوطن و200,000 مواطن{فلسطيني})، العرب في حصار دائم والتنقّل بإذن جنود الاحتلال، حتى طلاب المدارس، وتنكيل المستوطنين بالأهالي، الشتائم والمسبّات، رميهم بالزبالة والمعادن من الطوابق العليا التي استولوا عليها  وتحويل حياتهم إلى جحيم مستمر.
تجوّلت في مخيّمات اللاجئين، فطرقات وأزقّة الدهيشة وعايدة صارت ملاعب للأطفال، وساحات البيوت وسطوحها مزارع للمونة، ومخيم الجلزون يعاني من اكتظاظ وازدحام غير مسبوقة ودون خدمات أساسيّة. 

 
 
 

صوّرت صعوبة التعليم ووضع مدارس الأونرا ومستواها التعليمي المتدنيّ، بظروف صعبة للغاية، فغرف التعليم في مدرسة كيسان من بركسات وحاويات شحن وجدرانها من إطارات عجلات السيّارات!

أخذتنا إلى الخان الأحمر وأزمة السكن هناك ومنع الأهالي من بناء بيوتهم من الإسمنت ليسكنوا الخيام والبرّاكيّات.

أثار انتباه كاميرتها خزّانات المياه على السطوح، فهي علامة فارقة، بينما المستوطن تصله المياه  حتى البيت، للاستعمال المنزلي وللزراعة أيضًا، بسخاء ودون مشقّة وعناء.
وصلتْ بلعين لتشهد الحصار من المستوطنات والمستوطنين وسلب الأراضي الذي يجعل ابنها يتحسّر بحِرقة حين يرى ناطحات السحاب الاستيطانيّة تُقام بين ليلة وضحاها على أرضه السليبة على مرمى حجر!

 
 
 

تصوّر الكاتبة الوضع الصحّي في الضفّة الغربيّة وتدنّي الخدمات، وما يتبعه من صعوبة تنقّل سيّارات الاسعاف وحجزها على الحواجز (ناصر أبو عصبة عمل في الهلال الأحمر أكثر من 15 عام: "شاهدت بأم عيني مرضى كثيرون ماتوا وهم ينتظرون على الحواجز"؟ ص. 65)
صوّرت لينا موسم قطف الزيتون وطقوسه (نصف الإنتاج الزراعي في الضفّة من الزيتون)، إسرائيل توقف التصدير وتمنعه متى تشاء والمستوطنون يسلبون المنتوج ويحرقون الشجر أو يسرقونه على هواهم ودون رادع.

تناولت وضع الأطفال؛  القتل المتعمّد دون سبب ليصبحوا شهداء (أركان مزهر ابن الرابعة عشرة من مخيم الدهيشة قُتل برصاص الاحتلال دون مبرّر)، اعتقالهم وسجنهم وحرمان الأهل من زيارتهم والتواصل معهم وسلبهم طفولتهم كباقي أطفال العالم (700 طفل يحاكمون عسكريًا كلّ سنة)، يُعتقلون اعتقالًا وحشيًا حين تقتحم قوّات مدجّجة بالسلاح في ساعات الليل (اعتقال مالك براديا ابن الخامسة عشرة من بيت أومر يوم 14.01.2013 مثالًا. ص.112)، وتسبّب لهم إعاقات نفسيّة وجسديّة جسيمة؛ عطا صباح ابن السابعة عشرة من مخيم الجلزون أُصيب برصاص الاحتلال في ساحة المدرسة. "لن يستطيع المشي على رجليه ثانيةً". إنه الآن مجبر على استخدام كرسي متحرّك من أجل ذلك.

تطرّقت لهدم البيوت ليل نهار، في الولجة وغيرها، وتشريد ساكنيها.
لا بدّ من جولة في القدس؛ القرويّات يبعن المنتوجات في الشوارع وبيوت البلدة القديمة تُسلَب في وضح النهار وتُفرّغ من أهلها، ويتم الاستيلاء على بيوت الشيخ جراح.
ولا بدّ من إطلالة على مظاهرات الأهالي في النبي صالح وبلعين كلّ نهار جمعة ومحاولة قمعها بقنابل الغاز المسيل للدموع.
رغم ذلك فهنا من يستحقّ الحياة رغم أنّ هناك من يحاول سحقها، فتصوّر عرسًا في الدهيشة بكلّ مراسيمه، سهرة الحناء وزيانة العريس والزفّة والأزقّة والطرقات التي تحوّلت إلى قاعة أعراس مفتوحة. ترى لينا بصيص الأمل في الجمعيات التي قامت؛ منها من تشجّع حياكة الزي الفلسطيني وإحياء التراث، ومنها الفن الجميل (تحويل بقايا قنابل الاحتلال لمزهريات وأصص زهور وحاضنات للأضواء الكهربائية المزركشة، والمرافعة المدنيّة (باسم تميمي من النبي صالح مثالًا، رغم اعتقال وسجن ابنته عهد وزوجته)، الحجر الذي تحوّل لمقليعة وسلاح مقاومة في وجه العدو الغاصب (داهود وجوليات)/ المسرح كسلاح مقاومة (مسرح الحرية في جنين مثالًا)، الفن كسلاح مقاومة، الرقص كفعل مقاومة، المطبخ الجماعي وجمعيّات الخياطة الخليليّة... والعصيان المدني.
تشير الكاتبة أنّ الكتاب لا يشمل قطاع غزّة، فالوضع هناك أسوأ بكثير بسبب الحصار الدائم وأصعب بكثير ممّا يمكن أن نتصوّره في هذا الكتاب، وتنوّه أنّ كونها مصوّرة وصحافيّة سويديّة أتاح لها حريّة التنقّل والتجوال، والجنود والمستوطنون عاملوها أفضل بكثير ممّا يعاملون السكان الفلسطينيين.
تتساءل لينا: ماذا عن المستقبل؟ تم وأد مسيرة السلام، اتفاقيات السلام لم تنفّذ من قبل الاحتلال. والضفّة إلى أين؟ الكبار ما زالوا يعيشون النكبة والتهجير ويحملون مفاتيح البيوت التي هُجّروا منها وحُرموا حتى من زيارتها، وحلّ الدولتين بات حلمًا غير قابل للتحقيق وضاع على أرض الواقع، والصغار يحلمون بالتعلّم كسلاح يمكنهم فيه تأمين مستقبل أفضل.
كلّ من التقته يعوّل على المقاطعة كأمل أخير للخلاص من الاحتلال ورسالتهم إلى العالم عبرَ لينا: "BDS وعقوبات اقتصاديّة ضد إسرائيل ممكن أن تؤثّر. هذا هو أملنا!"
تصرخ لينا في وجه كلّ من يقرأ الكتاب وتقول له: "اسأل نفسك -  ماذا لو كنتَ مكانه؟ ممكن أن يحصل معي! ممكن أن يكون ابني/ ابن عمّي/ عمّتي/ خالتي/ صديقي!".
تعدّ هذه التجربة والكتاب إضافة نوعيّة للمكتبات الغربيّة والعالميّة، وحبّذا لو تُرجمت هذه الشهادة لكل لغات العالم لمحاولة فضح موبقات الاحتلال .

disqus comments here