موائد تفتقد الشهداء.. رمضان (2023) الأكثر حزناً.. وعوائل يتذكرون أبناءهم

جلسوا على طاولة إفطار رمضان، هناك في منتصفها كرسي يحمل صورة لشخص مفقود، فارق مائدة الإفطار للأبد، برصاص الغدر الإسرائيلي الذي تغلغل في أجساد الشهداء.

"فاروق بنتساش.. ما حدا ينسى فاروق سلامة"..

فاروق جميل حسن سلامة (28) عاماً من مخيم جنين، الشهيد العريس الذي تم اغتياله قبل حفل زفافه بيومين، ليلحق بركب الشهداء وتفقده عائلته في مائدة أول رمضان يمر على غيابه.

أم فادي سلامة  57 عاماً والدة الشهيد التي تحدثت مصادر محلية ، وبقلبها غصة كبيرة، وبعيونها دموع محبوسة، عن فقدان مائدة إفطار رمضان لنجلها الأصغر العريس الشهيد فاروق.

جملتها الشهيرة لا تغيب عن أذهان الفلسطينيين، "فاروق بنتساش.. ماحدا ينسى فاروق"، وهي الكلمات التي ترددت على لسانها خلال أصعب مشوار سارته على قدميها لرؤية فلذة كبدها الشهيد فاروق داخل ثلاجة الموتى في مستشفى جنين الحكومي.

في الثالث من شهر نوفمبر لعام 2022، أقدمت قوة خاصة من جيش الفاشية اليهودية، على اغتيال العريس فاروق سلامة عندما كان يحضر لذبح عجلاً من أجل تحضير طعام يوم زفافه.

تقول أم فادي ، عن غياب نجلها الأصغر على مائدة إفطار رمضان، كان له طقوساً يشهد لها كل مخيم جنين، حيثُ يقوم فاروق بتنظيف المسجد ويصلي فيه، كما أنه يرتدي لباس خاص خلال الشهر الفضيل.

وتضيف والدة الشهيد العريس، اجتمعوا أبنائي في أول أيام رمضان، لكن لا أحد يعوض أحد، ولا أحد يعوض الكرسي الفارغ، فعادت الذكريات وبكينا وكأنه أول يوم لاستشهاد فاروق، حتى أننا تذكرنا ماذا كان يفعل في أول أيام برمضان.

أم الشهيد العريس التي افتقدت لنجلها الأصغر في مائدة رمضان، تحدثت عن طقوس فلذة كبدها التي لن تغيب عن ذاكرتها المحفورة بشكلٍ أبدي، حيثُ استرجعت خلال حديثها مع "أمد"، ماذا كان يفعل فاروق في هذا الشهر المبارك.

"ابني قطعة مني.. قلبي شافه قبل عيني".. جملة لن يستوعبها سوى من ذاق نفس مرارة الشعب الفلسطيني، فالموت حق وهذا أمر لا يؤمن به سوى المؤمنين بالله وبالقضاء والقدر، ولكن طرق الاغتيال التي تقوم بها عصابات الفاشية اليهودية بحق الفدائيين في مخيم جنين، لا تغيب عن الأذهان.

فاروق الأسير المحرر من سجون الاحتلال، افتقدته والدته عن مائدة الافطار في رمضان الماضي لعام 2022، لكنها كانت على أمل أنّ عيونها ستتكحل برؤيته حتى لو من خلف شباك زجاجي، وستسمع أيضاً لصوته في زيارة ما عبر التلفون داخل السجون، لكن هذا العام غادر فاروق للأبد فهي لن تسمع صوته ولن ترى وجهه مرة أخرى.

آيات الحوح ترفض دخول نابلس بعد استشهاد وديعها..

وديع صبيح وديع الحوح 31 عاماً، تم اغتياله بتاريخ 25/10/2022 في حوش العطعوط بالبلدة القديمة في مدينة نابلس.

رمضان 2023، هو الأول الذي يمر على آيات شقيقة وديع، بدون أن تراه مزيناً لمائدة الإفطار التي ستجتمع عليها عندما تأتي على بيت والدها برفقة زوجها وأطفالها.

وديع الحنون، الذي يفتقد شقيقاته في شهر رمضان المبارك، غادر الدنيا ولن يعود إليها مرة أخرى، ليترك الحسرة والألم في قلب آيات وصابرين والحج صبيح وغيرهم، تاركاً كرسي يحمل صورته فقط على مائدة إفطار رمضان.

آيات التي تحدثت مع مصادر محلية ، عن فقدانها لطعم هذا الشهر الفضيل، رافضةً ذهابها إلى مدينة نابلس، أو دخول البلدة القديمة في شهر رمضان، الأمر الذي يذكرها بكل خطوة عندما تسير في حوش العطعوط، بما كان يفعله شقيقها القائد العام لمجموعات عرين الأسود "وديع الحوح".

"أنا لحد الآن مش حاسة إنه استشهد.. كأنه حلم"، هكذا أجابت آيات على سؤالنا حول مرور الأيام والأشهر عن اغتيال شقيقها الفدائي الذي أربك حسابات جيش الاحتلال، مضيفةً عبر "أمد"، "في رمضان الماضي اجتمعنا، وكأنّ وديع يودعنا جميعنا.

وتضيف الحوح لـ"أمد"، لم أشعر بوجود رمضان هذا العام، فقدت وديع وفقدت الحياة معه، قلبي يتوجع كثيراً ومكسوراً أيضاً بعد فقداني لشقيقي الأكبر الذي كان سنداً لنا في هذه الحياة.

وأكدت، يصعب علينا جميعنا أن نرى كم منزل فقد شخصاً في هذا العام، الوجع ليس علينا فقط، بل هناك عشرات المنازل التي تئن وتتألم في البلدة القديمة، فهناك شباب كثر نفتقدهم في هذا الشهر الفضيل".

"البيت من غير محمد حوشية ظلمة"..

بصوت هافت وقلب موجوع ودموع لم تستطع عيونها مداراتها، هكذا كان الحديث مع والدة الشهيد محمد سامر حوشية" 21 عاماً من مخيم جنين.

خلود عطية حوشية 44 عاماً، أم الشهيد التي افتقدت لفلذة كبدها، في أول أيام الشهر الفضيل، جلست على مائدة الإفطار وبجانبها صورة أبو السامر الذي غدرت به قناصة جيش الفاشية، ليروي الأرض بدمه ومن ثم يحمله رفاقه على الأكتاف شهيداً في ليلة هدم منازل فدائيي عائلة عابد، منفذي عملية الجلمة.

في الثاني من يناير لعام 2023، استشهد حوشية في بلدة كفر ذان، لتفقده مائدة إفطار رمضان، حيثُ قالت والدته لـ"أمد": كان يعمل زينة الحارة، ويقوم بتركيب أسلاك إضاءة شوارع المنطقة، ويجهز القطايف له وللشباب، ولكن؛ غاب كل شئ في هذا العام".

"محمد كان روحي من الدنيا"، عبارة رددتها أم محمد حوشية عدة مرات بصوت يعتصره الألم، فهي التي شيعت نجلها على كتفها وحملته كما رفاقه وجالت به شوارع المخيم، مقدمةً روحه فداءً للقدس والأقصى والوطن.

"أنا زفيته لأنه كان نفسو يعمل عرسه بهاي الساحة"، هي عبارة مفرحةً محزنة من أمٍ حلمت بيوم زفاف نجلها البكر، لكنها أفاقت على نبأ استشهاده برصاص الغدر الإسرائيلي.

أم ابراهيم النابلسي تفتقد لـ"سلامات يا حجي"..

عند قبر ابنها كانت تجلس عندما هاتفناها لنسمع صوتها الذي سمع صداه كل البشرية وهي تزف نجلها الفدائي الثائر وتعطي صبراً لآلاف المشيعين لجثمان إبراهيم النابلسي في ذاك اليوم الذي سجل ملحمة بطولية لأحد شبان الوطن في البلدة القديمة بمدينة نابلس.

"هيني أنا قاعدة عند حبيبي وسامعني"، هذه الكلمات التي سمعناها من صوت أم إبراهيم التي افتقدت أيضاً لـ"سلامات يا حجي"، من فلذة كبدها الذي ركع جيش الفاشية اليهودية وأوقفهم على قدم واحدة لأكثر من عامين، حيثُ وصفته إسرائيل بصاحب الأرواح التسعة، حتى استطاعت وحدة اليمام الإرهابية وبمساعدة جواسيسها، اغتياله برفقة الشهيد إسلام صبوح، في أحد المنازل بالبلدة القديمة.

حملت أم إبراهيم النابلسي في شهر رمضان العام الماضي حملاً كبيراً، فخوفها كان دائماً على نجلها المطارد الذي لم ينم في فراشه مثل باقي الشباب، فكانت تسهر الليل وهي تدعي له بأن يبقى بخير ودون أذى يلاحق روحه المتشبثة بروحها.

وتقول أم إبراهيم النابلسي لـ"أمد"، في العام الماضي كانت وديعتي فوق الأرض، أمام رمضان هذا العام فوديعتي تحت الأرض، فكنت أردد دعاء يارب احفظ لي وديعتي ولكن هذا العام هي بحفظ الله".

وأضافت، الشهداء صاموا وقاموا وجاهدوا واحتسبوا أرواحهم فداء لله ورسوله، ثم للوطن، ورمضان هذا العام غير، أنا أفتخر وأرفع رأسي أكثر".

أم إبراهيم التي يفتقد منزلها لإثنين من أبناءها الأول شهيداً والثاني أسيراً وهو إياد القابع في سجون الاحتلال، حيثُ تم الحكم عليه إدارياً.

في رمضان لعام 2022، كانت أم إبراهيم النابلسي تجهز إفطار نجلها الذي غاب عن مائدة الشهر الفضيل وترسل له طعامه إلى مكان رباطه في البلدة القديمة بنابلس.

تقول أم الثائر ، في أحد الأيام اشتقت لإبراهيم كثيراً، نزلت أبحث عنه في باب الساحة بالبلدة القديمة، وكنت أنظر في كل مكان، حينها رآني أحد أصدقاءه، فذهب لإبراهيم وأخبره أنني أبحث عنه، فجاء إبراهيم من خلفي وقال لي: "إيش يا حجي"، حينها شعرت بأنني أمتلك الدنيا بسماع صوته فاحتضنته كثيراً.

وتكمل حديثها، جلست مع إبراهيم والتقطت معه صورة تذكارية، وحينها قال لي تتصوري مع أم فتحي "بارودته"، فالتقطت صورتي معها وأنا أضع يدي على رأسه وأدعوا له وأستودع الله فيه.

حال لسان والد نضال خازم: كسرت ظهري يابا..

دق جرس هاتفه في المرة الأولى، استطاع أمين خازم الحديث مع "أمد للإعلام"، ولكن بصوت هادئ متألم في أول رمضان يمر على فقدانه لنجله الأكبر نضال، الذي تم اغتياله الشهر الماضي في مخيم جنين برفقة 3 شهداء آخرين وهم يوسف شريم وعمر عوادين ولؤي الزغير.

بحسرة ألم لم يستطع أمين خازم، أن يجيب على سؤالنا حول فقدان مائدة إفطار رمضان لهذا العام لنجله الشهيد نضال، لكنه طلب أن نتحدث معه بوقت آخر لأن الكلمات غابت عن لسانه وبوجع.

"لا أعلم ماذا أقول" بهذه الكلمات أغلقنا الهاتف وقمنا بالإتصال على أبو نضال في اليوم التالي بوضح النهار، لكنه كان مرهقاً وكأن لسان حاله يقول لنا اعذروني فأنا لست بحال جيد، فغياب نضال كسر ظهري.

مئات المنازل افتقدت هذا العام لشخص أو أكثر، غابوا برصاص الحقد الإسرائيلي الفاشي، سجلوا حسرةً في قلوب ذويهم، الذين باتوا يجلسون على مائدة إفطار رمضان وهم يذرفون الدموع على غياب شبان بعمر الورود، غادروا عن هذه الدنيا بشرف وشهامة حباً بالوطن والبندقية.

disqus comments here