المزارعون على خطوط التماس.. تشبث بالأرض وبقاء على العهد

على بعد عشرات الأمتار من الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة والأرض المحتلة، يسطر المزارعون أروع قصص البطولة والتشبت بالأرض والحياة، رغم إطلاق النار من الاحتلال، وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وعدم القدرة على جني محاصيلهم.

ويصرُّ الاحتلال الإسرائيلي على قتل الحياة في قطاع غزة، وحصاره بكل طريقة ممكنة، براً وبحراً وجواً، مانعاً عنه الأنفاس، وقاطعًا عنه كل سبل الرزق والعيش الكريم، ويسدّ أمامه كل طوق نجاة متاح، وأي نافذة تحمل بصيص أمل لهم.

ويحيي الفلسطينيون في الثلاثين من مارس/آذار من كل عام ذكرى يوم الأرض للتعبير عن تمسّكهم بأرضهم وهويتهم الوطنيّة، بعد أن صادرت السلطات الإسرائيلية آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينيّة، خرجت على إثرها المظاهرات التي توسعت لاحقًا وأدت إلى مواجهات بين الفلسطينيين والاحتلال، وانتهت باعتقال ومقتل العديد من الفلسطينيين.

على خط النار
وعلى خط النار يمسك الشاب الأربعيني أحمد أبو رجيلة بفأسه ويعمل بكل جهد في زراعة وفلاحة أرضه التي ورثها عن آبائه وأجداده، مكملاً المسيرة التي سار عليها سلفه.

ومع كل قطرة عرق تنزل من جبينه المائل إلى اللون القمحي، يزيد حب الأرض لدى الشاب أبو رجيلة، الذي رواها بعرقه وبدمه حين أصيب فيها جراء إطلاق النار على قدمه من قوات الاحتلال المتمركزة على طول الشريط الحدودي.

ومع ساعات الصباح الباكر يتوجه المزارع أحمد إلى أرضه برفقه أشقائه الثلاثة ونجله على عربة يجرها حصان إلى أرضهم الواقعة في بلدة عبسان الجديدة شرق محافظة خانيونس جنوبي قطاع غزة.

وعلى الرغم من المخاطر التي يتعرض لها المزارعون في المناطق الحدودية على طول قطاع غزة، إلا أن حب الأرض والتمسك بها، والتنافس على حمايتها بعرقهم ودمائهم، هو السائد في تلك المناطق كما باقي مناطق القطاع.

عمليات تجريف
ويعاني المزارعون البسطاء على حدود القطاع من التوغلات المستمرة للجرافات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، لتبدأ بعمليات تجريف الأراضي المزروعة بالخضار والنباتات الموسمية التي يقتانون عليها ويبيعونها في الأسواق الشعبية داخل القطاع.

كما يتعرض الكثير من المزارعين والأهالي إلى الاعتداءات وإطلاق النار وإلقاء القنابل والغازات المسيلة للدموع، أو أخرى مضرة على النباتات والمحاصيل.

المزارع أحمد قديح (37 عامًا) من بلدة خزاعة الواقعة شرق محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يمتلك هو وعائلته أراضٍ زراعية شرق المحافظة في منطقة خزاعة.

وعلى مدار العشرين عامًا الماضية لم يغادر الشاب قديح أرضه أو يرفع الراية على الرغم من خسائرهم التي يتسبب بها الاحتلال طيلة تلك المدة؛ بسبب تدمير أراضيهم الزراعية، ليعاود في كل مرة زراعتها وإعادة الحياة في ربوعها.

ويقول قديح: "لا زلت أتذكر تلك اللحظات التي اصطحبني فيها والدي وقد كنت في سن العاشرة لأول مرة إلى أرضنا البالغة 6 دونمات، لأكبر وأنا مرتبط بهذه الأرض، وأتعلم أن التخلي عنها من المحرمات بالنسبة لي ولأخوتي".

ويضيف أن الاحتلال يتفنن في كيفية تدمير أعمال المزارعين والتنغيص عليهم بإلحاق الخسائر البشرية والمادية والاقتصادية بحقهم، فعلى مدار السنوات الماضية تعرضت الأرض التي أقوم بزراعتها لشتى أنواع الانتهاكات من جنوده.

ويشير إلى أنه تعرض لإطلاق النار، وتجريف الأرض، ورش المزروعات بالمبيدات الحشرية لتدميرها، وهو ما تسبب بخسائر مالية كبيرة له، مستدركًا: "لكن بعد كل جولة تدمير أعود لتهيئة الأرض لزراعتها من جديد".

ويلفت إلى أنه وغيره من المزارعين ملتزمون بقرار الاحتلال عدم زراعة الأراضي القريبة من السياج بالأشجار المرتفعة، مشيراً إلى أنه يكتفي بزراعة المحاصيل الورقية أو الخضروات التي لا ترتفع عن سطح الأرض ارتفاعا كبيرا لكي لا تتعرض للتجريف والتدمير.

ويشير المزارع قديح إلى أن الاحتلال يحاول باعتداءاته واستفزازه أن يجبرهم على ترك أرضهم، مستدركاً: "هذا الأمر لا يمكن أن يحصل ولو على دمائنا والموت في سبيلها".

ولا تكاد آليات الاحتلال تفارق المنطقة التي يعمل بها قديح، لافتاً أنه لا يخفي قلقه الدائم من إقدام الاحتلال على مباغتته بتجريف أرضه ومحصوله أو إطلاق النار عليه بشكل عشوائي وإرهابي.

اصرار وإرادة

ومع بزوغ فجر كل يوم، نشاهد العائلات الكبيرة منها والصغيرة تسير في الطرقات متجهة صوب حقولها شرقاً، فمنها من يمشي على قدميه، ومنها من يعتلي عربة يجرها حمار، وآخرون يعتلون ظهر تكتك، وكما هي رحلة الذهاب تكون أيضاً رحلة الإياب، حيث أنه في ساعات ما بعد الظهر أو المساء، نعود أدراجنا صوب منازلنا غرباً.

وعلى أنغام الدلعونا وظريف الطول يسلي قديح نفسه بتشغيل المذياع على هذه المحطات، ليؤكد أن الأرض لا يمكن أن يتم التفريط بها أو تركها للاحتلال ليعيث فيها فسادا.

ورغم المضايقات الصهيونية التي يواجهونها شبه يوميًّا، المتمثلة بإطلاق الجنود المتمركزين في أبراجهم العسكرية وجيباتهم المصفحة النار، يتشبث المزارع النجار بأرضه كغيره من المزارعين الفلسطينيين.

واستشهد الكثير من المزارعين بعد تعرضهم لإطلاق النار من جنود الاحتلال، لكن ذلك لم يثن نظراءهم من الاستمرار بزراعة الأرض والتمسك بها ورعايتها.

اجرام احتلالي
ووفق تقرير لمركز الميزان يغطي آخر 3 سنوات، فقد ارتكبت قوات الاحتلال العديد من الانتهاكات وتخللها إطلاق نار وعمليات قصف.

وبلغ عددها 1150، وتسبب استخدام القصف المدفعي والصاروخي وإطلاق الرصاص في استشهاد أربعة مزارعين كانوا يعملون في حقولهم في المنطقة المشار إليها.

وأوقع (11) مصاباً آخرين، ويوضح التقرير أن قوات الاحتلال الإسرائيلي نفذت 206 عمليات توغل، ووفقاً للمصادر الرسمية فإن المساحة الإجمالية للأراضي الزراعية المتضررة (1,035.69) دونما، وقدرت الخسائر بنحو (1,189,802) دولارا أمريكيا.

كما نفذت تلك القوات 17 عملية رش للمبيدات على الأراضي الزراعية، وتسببت في أضرار بحوالي (4,936,867) مترا مربعا من الأراضي الزراعية.

وأكد التقرير أنه خلال العام 2020، واجه المزارعون الفلسطينيون تصاعداً في الانتهاكات الإسرائيلية، وارتفعت مساحة الأراضي الزراعية المتضررة مقارنة مع السنوات 2018 و2020م.

ويشير مركز الميزان إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية بحق المزارعين في المناطق مقيدة الوصول استمرت في العام 2021م، وتسببت بخسائر مادية في الممتلكات، حيث رصد مركز الميزان لحقوق الإنسان بتاريخ (21 يناير، و18 فبراير/2021) فتح سدود المياه أو الحواجز المائية تجاه الأراضي الزراعية القريبة من السياج الفاصل مما تسبب بإتلاف المحاصيل الزراعية.

disqus comments here