قادة القائمة استقيلوا

بعد فرز 90 % من اصوات المقترعين في الإنتخابات الإسرائيلية إتضحت معالم الخارطة البرلمانية للكنيست ال24، وذاب الثلج وبان المرج واتضح ان الأزمة العامة لدولة المشروع الصهيوني مازالت تنخر عظامها، رغم حصول الليكود بزعامة نتنياهو على أعلى نسبة مقاعد في البرلمان بحصوله على 30 مقعدا.

بيد ان خارطة توزع الكتل والقوائم لم يمنح اي زعيم القدرة على تشكيل حكومة قوية بما في ذلك الساحر بيبي، رغم انه الأوفر حظا في تشكيل حكومة اقلية، ومدعومة من قائمة منصور عباس الفلسطينية والصهيونية الدينية بزعامة بن غفير. وهذا الملف لا اود التعرض له الآن، وساتركه لحين اتضاح كامل الصورة بعد فرز ال450 الف مظروف المزدوجة الباقية.

لذا ساتوقف امام النتيجة الكارثية للقائمة المشتركة بزعامة ايمن عودة، التي حصلت على ستة مقاعد، وسافترض بإمكانية حصولها على مقعد إضافي بعد إكتمال عملية الفرز، مع ان هكذا إمكانية صعبة، وقد يكون العكس صحيح، بمعنى قد تخسر مقعدا لسبب ما وفق معايير النظام الإنتخابي الإسرائيلي.

وبالتالي النتيجة اي كانت مثلت هزيمة فادحة، شكلت صدمة قوية لإقطاب القائمة الثلاث: ايمن عودة وسامي ابو شحادة واحمد الطيبي، لمبالغاتهم في تقدير قوتهم، مما دفعهم لإفتراض التفاؤل بحصد عشرة مقاعد، أو بالحد الإدنى على تسعة مقاعد.

لكن الحصاد جاء معاكسا لحساباتهم، ووجه الجمهور الفلسطيني صفعة قوية لهم، وصوت للقائمة المنافسة، القائمة العربية الموحدة بزعامة منصور عباس، والتي أنقذها من حبل مشنقة تجاوز نسبة الحسم إلتحاق مازن غنايم فيها، رئيس بلدية سخنين السابق، والنقب، وأخرجها من براثن الهزيمة، ليس هذا فحسب، بل منحها الثقل الذي تتمناه في اوساط المدن والبلدات الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، وامست الحركة الجنوبية الاسلامية حقيقة على الارض ومنافسة قوية للقائمة المشتركة.

وبالتوقف امام اسئلة اللحظة ذات الصلة، تثار السئلة التالية: لماذا سقطت القائمة المشتركة إلى هذا الدرك؟ ما هي الأسباب؟ هل هو الخطاب الفكري السياسي، أم العلاقة الفوقية مع الجماهير؟ هل هو الإنقسام والتشرذم بين مكونات القائمة المشتركة الأساسية؟ هل هو التحريض والتحريض المتبادل بين القائمتين المتنافستين المشتركة والموحدة؟ هل يعود السبب لحرف بوصلة التناقضات بين زعماء القوائم من العام إلى الشخصنة والحسابات الضيقة؟ هل موضوع المثليين شكل سببا كافيا لإبتعاد المواطنين؟ هل هو رهان القائمة المشتركة على غانتس، الذي أدار الظهر لهم، وذهب تابعا لقيادة نتنياهو بذريعة مواجهة الكورونا؟ هل هو غرور البعض في القائمة المشتركة؟ هل هو تحريض نتنياهو وزمرته؟

اولا لا مجال للحديث عن الأسباب من موقع الشماتة والإساءة لممثلي القائمة، لإن خسارة القائمة المشتركة، هي خسار للكل الفلسطيني. ولا اعتقد ان هناك فلسطينيا وطنيا وغيورا كان يتمنى النتيجة الحزينة والمؤسفة، التي إنحدرت لها مكانة المشتركة. ومع ذلك الموضوعية تحتم عملية المكاشفة، والإسهام قدر الإمكان في تشخيص الواقع المأزوم لقوى وقادة القائمة المشتركة، وتحديد الأسباب دون مغالاة او تزيد، ومنها اولا إنخفاض نسبة ثقة الشارع الفلسطيني بقوى وزعماء القائمة المشتركة دون استثناء؛ ثانيا إبتعاد مكونات القائمة عن الجماهير الفلسطينية ومصالحها، وعدم تذكرها ابناء الشعب إلآ في زحمة الحملات الإنتخابية؛ ثالثا إنقسام القائمة المشتركة، كان عاملا هاما، لإن الجماهير الواقعة تحت سيف بطش وعنصرية مؤسسات دولة الإستعمار الإسرائيلية ليست مستعدة لقبول اية عملية إنقسام، والدليل ان مكونات القائمة عندما توحدوا، اعطتهم الجماهير 15 مقعدا، وعندما انقسموا في انتخابات نيسان/ ابريل 2019 كان ردهم سلبيا، وحصدوا ثمار انقسامهم؛ رابعا التحريض والتحريض المضاد، وحرف بوصلة الحوار من القضايا العامة إلى القضايا الشخصية؛ خامسا عدم وجود برنامج سياسي ولوائح عمل ناظمة لمكونات الجبهة، وهذا كان بالأساس سببا لإنقسام القائمة المشتركة؛ سادسا إعطاء التصويت على موضوع المثليين أكثر مما يستحق من الإهتمام؛ سابعا الرهان على غانتس، وتزكيته لتشكيل الحكومة، ثم إدارة ظهره للقائمة والتحاقه بزعيم الليكود وتحت ابطه؛ وقد تكون هناك اسباب اخرى.

في كل الاحوال، وإستنادا للنتائج المعلنة في فرز الأصوات، فإن الموضوعية تحتم على قادة القائمة المشتركة ان يترجلوا عن المشهد، وان يعترفوا بهزيمتهم إحتراما لإنفسهم ولتاريخهم ولمكانتهم، وحتى يشكلوا نموذجا يحتذى به امام الاجيال الشابة لتتعلم من الدرس. هذا فضلا عن مراجعة شاملة وكاملة للتجربة من قبل القوى والاحزاب والنخب المشكلة للقائمة. وبالضرورة القرار يعود للجماهير الحزبية وانصارهم في التقرير وبعيدا عن النزعات الكيدية والشخصية.

disqus comments here