عن صحافة الفصائل الفلسطينية.. مرآة تجربة صعبة وغنية

آراء عن صحافة الفصائل الفلسطينية.. مرآة تجربة صعبة وغنية

 

نكاد نقول إن صحافة الفصائل الفلسطينية ولدت من الفراغ. نعني هنا بالذات تلك الصحافة التي تبلورت وأخذت شكلها ومضمونها المعروفين للقراء، تاركين خلفنا ما شهدته الساحة من "نشرات" كانت مهمتها "الإبلاغ" أكثر من الإعلام، بالنظر إلى حجمها الذي لا يتسع لأكثر من ذلك، ولكن، أيضًا، بالنظر إلى محدودية توزيعها ووصولها إلى القراء.

هي، إذًا، صحافة مقطوعة الجذور عن أي تراث صحافي فلسطيني توقف مع النكبة، وكان له قبلها شأنٌ وفعل واكبا تطورات القضية، وعاشا معها وتفاعلا مع أحداثها في صورة إيجابية وفاعلة تقارب ما شهدته بلدان المشرق العربي في تلك الأيام من تجارب صحافية شقت طريقها بعد ذلك، فيما توقفت مسيرة صحافة فلسطين مع نكبة الوطن، وتمزق لحمته الاجتماعية، بل تبددها بين الوطن بأجزائه المتعددة والمعزولة عن بعضها، وبين بلدان المنفى والشتات الكثيرة.

مع ذلك، علينا ملاحظة أن صحافة الفصائل الفلسطينية جاءت ولادتها في منتصف ستينيات القرن الفائت، التي شهدت في تلك المرحلة احتدام الجدل القومي حول القضايا العربية الكبرى ما جعلها تتأثر ـ إلى حد كبير ـ بأجواء ومضامين الصحافة العربية، ولكن من دون امتلاك ما تحظى به الصحافة العربية من كوادر لها خبراتها وتجاربها، فصحافة الفصائل الفلسطينية جاءت إلى حضورها من خارج حياة ثقافية وسياسية مكتملة وذات حضور ملموس وواضح. هي حالة ذهبت ببدايات تلك الصحافة إلى التجريب بالضرورة، وهو تجريب أخذ يتعلَم من نفسه، ومن خطواته، ومن قراءاته للصحافة العربية في مناطقها المزدهرة. في كل تلك التجارب، يمكن ملاحظة أن الغاية الأساسية ـ وتكاد تكون الوحيدة ـ هي "الإبلاغ" عن معلومة، أو خبر بلغة مباشرة، مقتصدة كثيرًا، ولا تبحث عن فنية ما، بل ربما تم النظر للفنيات الصحافية باعتبارها ترفًا غير ضروري، ناهيك عن أنه غير متوفر بسبب غياب عناصره ومفرداته.

"توقفت مسيرة صحافة فلسطين مع نكبة الوطن، وتمزق لحمته الاجتماعية، بل تبددها بين الوطن بأجزائه المتعددة والمعزولة عن بعضها، وبين بلدان المنفى والشتات الكثيرة"

 

في سياق صحافي كهذا، لم تكن هنالك أية فرصة، ولو محدودة، أمام الكاتب والصحافي، لتقديم نفسه والتعريف بجهده، فالمقالات كلها تنشر مغفلة من أسماء أصحابها، بسبب من بدائية تلك الصحافة أولًا، ولكن بسبب مفهوم خاطئ كان سائدًا لفترة طويلة، يرى في نشر المقالات موقعة بأسماء كتابها نوعًا من تكريس النزعات الذاتية التي يراها المجموع العام خروجًا عن الروح النضالية ومثبطًا لها.

هكذا كانت صحافة البدايات، بل واستمرت لسنوات طويلة وهي لم تخرج منها إلا ببطء شديد، وعبر مراحل متدرجة بدأت بنشر المقالات موقعة بالحرف الأول من اسم الكاتب وحسب، وكان لافتًا أن تلك التقاليد كانت تطال "مقالات الرأي" التي تفترض طبيعتها التميز والاختلاف، باعتبارها تعبر عن وجهات نظر أصحابها، وهي مسألة عكست ضآلة مساحة الاختلاف في سياق سياسي كان يعتبر الاختلاف نوعًا من الفرقة، وتمزيق الصف الواحد، الذي تتطابق فيه الآراء تمامًا.

الخروج الأول من هذه الدائرة محكمة الإغلاق كان من بوابة الإبداع الأدبي والفني، الذي لم يكن ممكنًا للقائمين على تلك الصحافة أن ينسبوه إلى مجهول، هو الذي تفترض طبيعته أنه يخرج من ذات إنسانية محددة باسم لشخص. ربما هذا ما يفسر أن فكرة وجود صفحات، أو مساحات محددة، للإبداع الأدبي والفني، قد تأخرت كثيرًا قبل أن يصبح وجودها راسخًا ومعترفًا به.

"الخروج الأول  كان من بوابة الإبداع الأدبي والفني، الذي لم يكن ممكنًا للقائمين على تلك الصحافة أن ينسبوه إلى مجهول"

 

في الذاكرة، أيضًا، أن الحرية "النسبية" التي تمتعت بها المساحات الصحافية الخاصة بالإبداع الأدبي والفني كانت أكثر وضوحًا وتبلورًا في الصفحات الأخيرة من المجلات الأسبوعية: هنا كانت المجلات تنفتح على كتاب من خارج دائرة العاملين فيها، فوجدوا أنفسهم يتعاملون مع الساحات الثقافية الفلسطينية والعربية بشروط تلك الساحات وتقاليدها، فبدأت تظهر الأسماء على القصائد والقصص، ثم على المقالات والقراءات النقدية، وكانت تلك في تقديري، وقياسًا إلى السائد، خطوة كبرى دفعت بعد ذلك إلى كسر تابو تحريم الأسماء في شكل كامل ونهائي.

الحديث عن صحافة الفصائل الفلسطينية هو، أيضًا، وبالضرورة، حديث عن مجلات أسبوعية حصرًا، فصدور تلك المجلات ناطقة باسم الفصائل التي تمولها وتصدرها يجعل الصدور الأسبوعي هو الأمثل والأنسب، وهنا بالذات يمكن الحديث عن عدد من المجلات، هي "فلسطين الثورة"، و"الحرية"، و"الهدف" و"إلى الأمام".

 

 

 

"فلسطين الثورة"

صدرت فلسطين الثورة ناطقة باسم منظمة التحرير الفلسطينية بدءًا من حزيران/ يونيو 1972، وكان الشاعر الشهيد، كمال ناصر، أول رئيس تحرير لها، وعمل فيها خليط متنوع من المنتمين للفصائل الفلسطينية المختلفة، بعد أن سبقتها خطوة هامة هي تأسيس "الإعلام الفلسطيني الموحد"، بمشاركة الفصائل كلها. في مجلة "فلسطين الثورة"، كان يمكن نشر مقالات سياسية متنوعة تلتزم جميعها بتقديم تغطية صحافية للأحداث الفلسطينية، وبعض الآراء السياسية التي تعبر عن وجهات نظر الكتاب في حدود لم تتجاوز عمومًا ما هو سائد ومتوافق عليه، ولكنها اقتصرت بعد حرب تشرين 1973 على رؤية أحادية تكرَست لنشر وجهات النظر التي تدافع عن "البرنامج المرحلي" لمنظمة التحرير الفلسطينية، في مرحلة شهدت انقسامًا حادًا بين مؤيدي ذلك البرنامج، وبين معارضيه، وكان الصحافي، والكاتب الراحل، أحمد عبدالرحمن، رئيسًا للتحرير في بيروت أولًا، ثم في العاصمة القبرصية نيقوسيا، بعد خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

"في مجلة "فلسطين الثورة"، كان يمكن نشر مقالات سياسية متنوعة تلتزم جميعها بتقديم تغطية صحافية للأحداث الفلسطينية، وبعض الآراء السياسية التي تعبر عن وجهات نظر الكتاب في حدود لم تتجاوز عمومًا ما هو سائد ومتوافق عليه"

 

هذه التجربة كانت الأنضج صحافيًا وفنيًا، ولكنها كانت سياسيًا عصيبة ومثقلة بحقيقة الانقسام الفلسطينية، وما فرضته من مساوئ على الصعد كلها.

 

 

 

"الحرية"

مجلة "الحرية" صدرت في ستينيات القرن الفائت ناطقة بلسان "حركة القوميين العرب"، ثم بعد ذلك ناطقة بلسان "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، بالتشارك مع "منظمة العمل الشيوعي في لبنان"، ولكنها بعد الخروج من بيروت انتقلت للصدور من نيقوسيا، كمجلة ناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية وحدها، وقد واظبت المجلة على التعبير عن الآراء والمواقف السياسية التي تتبناها الجبهة، وكانت كمجلة ملتزمة بسياسة وأيديولوجية الجبهة تحمل لونًا واحدًا لا مكان فيه للاختلاف، أو التعددية.

 

 

 

"الهدف"

أصدرها الكاتب والصحافي الشهيد، غسان كنفاني، في بيروت عام 1969، وظلت تصدر من العاصمة اللبنانية حتى الخروج من بيروت، لتتابع صدورها بعد ذلك من العاصمة القبرصية، وكانت تعبر طيلة الوقت عن سياسة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وتلتزم بآراء الجبهة ومواقفها.

"ظلت تصدر من العاصمة اللبنانية حتى الخروج من بيروت، لتتابع صدورها بعد ذلك من العاصمة القبرصية"

 

ويمكن القول إن في قراءة تجربة صحافة الفصائل الفلسطينية، تجربة الفصائل ذاتها ومواقفها وطبيعة أدائها في مختلف المراحل التي مرت بها، والتي تشكل جزءًا حيويًا ومهمًا من تاريخ فلسطين شعبًا وقضية، وهي قراءة تظل حاضرة محفوظة أمام الأجيال الجديدة من أجل وضوح الرؤية وتصويب أية عثرات.

 

 

"الأفق"

رغم صدورها بتمويل من فصيل فلسطيني هو "جبهة التحرير الفلسطينية"، تميَزت "الأفق" بأنها لم تكن يومًا ناطقة بلسان فصيلها: المشرف العام على المجلة، الصديق الراحل، علي إسحق، أراد "مجلة فلسطينية" بأفق مفتوح. هكذا احتفظت المجلة بصفحات قليلة ومحددة للسياسة الفلسطينية والعربية والدولية، أي ما يشكل نصف المجلة تمامًا، فيما تذهب الصفحات الباقية لموضوعات ثقافية وفنية ورياضية كان يجد فيها القارئ ما يجده في أية مجلة عربية أخرى لا علاقة لها بالأحزاب والتنظيمات السياسية.

"تميَزت "الأفق" بأنها لم تكن يومًا ناطقة بلسان فصيلها: المشرف العام على المجلة، الصديق الراحل، علي إسحق، أراد "مجلة فلسطينية" بأفق مفتوح"

 

بهذه "الحُلّة" من التنوع، استقطبت "الأفق" كتابًا من اتجاهات مختلفة، وشكلت صوتًا مغايرًا عن الجميع، ما أهلها للمغامرة بدخول الأسواق والنجاح في تحقيق مكانة مميزة ودائمة.

disqus comments here