الأردن يخطط لجذب استثمارات بـ 40 مليار دينار: لماذا… كيف ومتى دون تحديد «هوية اقتصادية»؟

 تحدد الحكومة الأردنية وبصورة علنية وفيها قدر كبير من الجرأة هدفها المالي والاستثماري خلال السنوات العشر المقبلة. ويغرق الجميع بعد هذا التحديد في تساؤلات مثل كيف ومتى وعلى أي أساس؟ أو في العودة لجدل الأرقام التي سبق أن أرهقت الرأي العام وكشفت عن ضعف في مصداقية أرقام حكومات سابقة.
رئيس الوزراء الدكتور بشر الخصاونة ولأسباب مرتبطة على الأرجح بسعي حكومته لإظهار التزامها الشديد بمضمون ومنطوق ما ورد في وثيقة التمكين الاقتصادي وفي الإطار الهيكلي، قدمت صنفاً من الالتزام والوعد وبصورة علنية باسم الحكومة مؤخراً بعنوان خطة موضوعة على أساس التحفيز الاستثماري.

«العمل من أجل»

مضمون تلك الخطة وفكرتها العمل من أجل- لاحظوا عبارة العمل من أجل- تحصيل جذب استثمارات بقيمة 40 ملياراً من الدولارات خلال السنوات العشر المقبلة وعلى أساس أن 25 % من هذه المليارات مرتبطة بجذب المزيد من الاستثمارات الوطنية وتثبيت الاستثمارات الموجودة.
وهنا يصر البرلماني والخبير الاقتصادي الدكتور خير أبو صعليك، وكما سمعته مرات عدة “القدس العربي”، على التذكير بأن الهدف الأساسي في مسألة الاستثمار الوطني ينبغي أن يكون دائماً تثبيت أركان المستثمرين المحليين والعمل على جذبهم وتوطين الاستثمارات الاستراتيجية.
في المقابل، يعيد وزير المالية الدكتور محمد العسعس تذكير الرأي العام والمواطنين عبر نقاش ببعض تفاصيل الميزانية المالية الجديدة مع “القدس العربي” بأن هدف الحكومة الأبعد والأعمق ليس الاستثمارات الطارئة والسريعة أو التي تريد بناء مجدها على أساس التسهيلات والكرم الضريبي أو حتى التهرب من دفع الاستحقاق الضريبي القانوني، بل الهدف هو استثمارات حقيقية وجذرية وعميقة واستراتيجية وطويلة الأمد، الأمر الذي يقترح الوزير العسعس أنه يمكن إنجازه فقط عبر الاحتكام في المسائل المرتبطة بكلفة الاستثمارات للقانون وبمسطرة واحدة على الجميع.
ذلك ممكن عبر تقليص من آلام وأوجاع الضرائب الاستهلاكية التي تخص الفقراء والطبقات المسحوقة والأقل حظاً على حساب تعزيز سقف عوائد الضرائب من بقية الأعمال.
الطموح هنا يبدو كبيراً، خصوصاً عندما تحدث الرئيس الخصاونة عن رغبة حكومته أو سعيها لمحاولة جذب استثمارات بقيمة 40 ملياراً، لكن السؤال الذي يصر عليه خبراء أساسيون ومن بينهم وزراء سابقون تحدثت معهم “القدس العربي” عدة مرات هو: كيف ومتى يمكن جذب هذه الاستثمارات فيما المناخ الإداري والبيروقراطي على مستوى أجهزة الحكومة ومؤسسات الدولة لا يزال خارج نطاق تحديد هويته؟
سؤال مهم لا يمكن طرحه إلا من قبل الخبراء، والمقصود بهذا السؤال هو التأشير على أن الحكومة ينبغي أن تحدد هويتها الاقتصادية والإدارية والمالية والاستثمارية قبل التحدث عن جذب استثماري من هنا أو من هناك.

إشكالية الهوية الاستثمارية

لكن تلك إشارة إلى أن الدولة الأردنية عملياً حتى هذه اللحظة لم تحسم مسألة هويتها في المجال الاقتصادي على الأقل، مع الأخذ بالاعتبار أن تجنب ترسيم الهوية السياسية العامة صعب ومعقد بحكم اعتبارات القضية الفلسطينية وتعقيدات الإقليم.
يلمح البرلماني والوزير السابق والسياسي المخضرم الدكتور ممدوح العبادي، دوماً إلى تلك الإشكالية في مسألة تحديد الهوية الاستثمارية وهو يسأل عما إذا كان المخطط لجذب الاستثمارات يفهم مسبقاً لغة الاقتصاديين الاستثماريين.
ويرى أن المستثمر، أي مستثمر، وفي أي مكان وفي أي وقت، يريد أن يربح بصفة خاصة، ومن يريد جذب الاستثمارات إلى الأردن لإنعاش الحالة الاقتصادية والدورة الاقتصادية فعليه أن يسأل نفسه عما هي المكاسب التي سيجنيها مستثمر ما إذا ما تم جذبه أصلاً، وعلى أي أساس، وما هي التسهيلات التي سيحظى بها؟
طوال الوقت يقترح العبادي الهوية السياحية والانفتاح على مختلف أصناف السياحة، بما في ذلك السياحة الدينية، بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية والأمنية، باعتبار الأساس في المسألة أن تتحول وزارة السياحة إلى وزارة سيادية.
وبمعنى أن الهوية الاقتصادية ينبغي أن تكون دولة خدمات سياحية بالمقام الأول دون إسقاط بقية الأولويات والقطاعات.
لكن التحول عملياً إلى دولة خدمات سياحية بهوية أساسية يتطلب على الأرجح رؤية أمنية عميقة أكثر لمتطلبات الانفتاح، وليس المقصود هنا الانفتاح الحزبي أو السياسي أو الإعلامي، بقدر ما هو مقصود أيضاً حتى الانفتاح الأمني. طوال الوقت في الحديث عن السياحة الدينية للشيعة تحديداً العراقيين، ثمة تعقيدات لا أحد يفهمها. وطوال الوقت ثمة تعقيدات اجتماعية وسلوكية ومحافظة لها علاقة بأي توجه للحديث عن إقامة كازينوهات في الأردن.
بالتزامن، يعرض الشيعة العراقيون مؤخراً إقامة مطار خاص بالحجاج الشيعة أو الزوار لمقام جعفر بن أبي طالب وصحبه في مدينة الكرك الجنوبية، مقابل كل الضمانات الأمنية، فيما القرار الأمني العميق في اعتباراته يسبق حتى الاستثمار.
وهذا ما ثبت أصلاً في الملف المرتبط بالاستشفاء والاستثمار الطبي لجنسيات الدول التي قيدت مؤخراً، مثل ليبيا واليمن والعراق والسودان.
ورغم ذلك، يرى كثيرون أن جذب الاستثمارات بهذا الحجم وبمعدل واحد ونصف مليار دولار سنوياً وذلك بموجب الالتزام أصلاً بخطة التمكين الاقتصادي، صعب ومعقد إذا لم تحسم مسألة هوية الدولة الاقتصادية والإدارية. وأحد هؤلاء الخبراء يلفت النظر إلى ما يجري في مسألة تسعير المحروقات والدفاع المستميت في جميع أجهزة القرار والدولة عن اللوبي الذي يحتكر مسألة تسعير المحروقات واستيراد المشتقات النفطية، وحتى مشروع مصفاة البترول، حيث إن الدولة لم تحسم خيارها هنا؛ فهي تتصرف أحياناً على أساس أن القطاع العام خارج القطاع الخاص.

ازدواجية لا بد من تأملها

وفي كثير من المفاصل، تتصرف الدولة على أساس أن القطاع العام يريد البقاء في القطاع الخاص، وتلك ازدواجية، برأي العبادي وآخرين، لا بد من تأملها والتوقف عندها حتى يصبح الحديث عن جذب الاستثمارات أكثر مصداقية إلى حد بعيد.
وحتى في مجال الاشتباك النقاشي في ملف الاستثمار، يسأل أحد خبراء القطاع الخاص في الأردن أمام “القدس العربي” سؤالاً في غاية البساطة، لكنه يلفت النظر مجدداً إلى تلك الازدواجية في طريقة تفكير عقل الحكومة.
في ملف الضرائب مثلاً، تم التصرف على أساس ارتداء قميص “الشيوعي”، ثم التصرف على أساس الرأسمالية في مسألة العدالة الضريبية، وزيادة كفاءة التحصيل، وهذه مسائل أساسية وينبغي أن يتم التصرف معها وبها اعتماداً على مسطرة قانونية موحدة، لأن تلك المسألة الإجرائية التي يراها القوم بسيطة هي أول ما يهتم به ويسأل عنه بالتأكيد أي مستثمر أجنبي أو خارجي أو حتى محلي.

disqus comments here