المجلس التشريعي الفلسطيني- الدور المفقود

قراءة في كتاب «في النظام السياسي الفلسطيني»، الكتاب يحمل الرقم «12» في إطار سلسلة «الطريق إلى الاستقلال»، التي يصدرها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات «ملف».

دارت كثير من الحوارات والنقاشات لتقييم مسار المجلس التشريعي الفلسطيني ودوره، ومتطلبات وضرورات الإصلاح الوطني والتغيير الديمقراطي، كما أن المواقف والضغوطات الخارجية والتدخلات المعادية تلقي بظلالها وبانعكاساتها على بعض مظاهر هذا الحوار ومجرياته، وبمعزل عن إمكانيات وآفاق مرئية لانتخابات تشريعية أو عن أي تقييم موضوعي وشامل لأداء المجلس التشريعي ودوره في الماضي وفي المستقبل، وأهمية استرجاع دوره المفقود، هناك أكثر من اعتبار وطني وديمقراطي داخلي يدعو إلى استمرار تفحص الثغرات التي ينطوي عليها النظام الانتخابي الحالي، وما يترتب على ذلك من ضرورات تكثيف الحوار والسعي الجاد لتعديل هذا النظام وتطويره، فعن طريق هذه الانتخابات تتشكل المجالس التمثيلية (الوطني والتشريعي ومختلف المؤسسات والاتحادات والنقابات ومجالس الهيئات المحلية).

 

المجلس الوطني الفلسطيني يمثل الهيئة البرلمانية العليا لدولة فلسطين، يحتل الموقع المحوري في النظام السياسي الفلسطيني باعتباره جامعاً للكل الفلسطيني، أما المجلس التشريعي فهو هيئة برلمانية لسلطة الحكم الذاتي لشعبنا تحت الاحتلال، يكتسب أهميته من التأسيس لبناء دولة مستقلة، رغم أن فكرة إنشاء المجلس التشريعي الفلسطيني تعود إلى وثيقة إعلان المبادئ التي وقعت في أوسلو في 19 آب/ أغسطس 1993، وبموجب نقل الصلاحيات والمسؤوليات من الحكومة العسكرية الإسرائيلية وإدارتها المدنية إلى المجلس، كما هو محدد في الاتفاقية الفلسطينية- الإسرائيلية للمرحلة الانتقالية 1995، ثم عدلت بعض أحكام الاتفاقية، نص القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية في المادة 47 منه على أن المجلس التشريعي الفلسطيني هو السلطة التشريعية المنتخبة، وأنه يتولى مهامه التشريعية والرقابية على الوجه المبين في نظامه الداخلي، وتحدد المادة نفسها مدة المجلس التشريعي بأربع سنوات من تاريخ انتخابه بحيث تجري الانتخابات مرة كل أربع سنوات بصورة دورية، بينما امتدت المدة النيابية الأولى في المجلس التشريعي الفلسطيني الأول على مدى عشر سنوات 1996-2006، حيث يفترض بقاء المجلس طوال المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق إعلان المبادئ بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، المفترض أنها انتهت في العام 1999، جرى التعديل الدستوري وصدر قانون الانتخابات رقم 13 لسنة 2005، الذي أنهى مدة ولاية المجلس التشريعي القائم عند أداء أعضاء المجلس الجديد المنتخب اليمين الدستورية، وتم ذلك في 18 شباط/ فبراير 2006، بعد نحو شهر من الانتخابات التشريعية في 25 كانون ثاني/يناير 2006 ، والتي جرت على أساس قانون الانتخابات الجديد، القائم على أساس النظام الانتخابي المختلط مناصفة لعدد مقاعد المجلس التشريعي بين نظام الأغلبية «دوائر انتخابية متعددة» والنظام النسبي أو «نظام القوائم» في دائرة انتخابية واحدة(غزة والضفة الغربية والقدس)، لعب قانون الانتخابات المختلط بالمناصفة ( قائمة وطنية ودوائر) دوراً في رسم خارطة توزيع القوى في المجلس التشريعي، وبالذات فيما يتصل بالكتلتين الأكبر فتح وحماس، انتقلت حماس بفوزها بأكثرية في المجلس التشريعي إلى موقع جديد داخل النظام السياسي الفلسطيني الرسمي، فكانت انتخابات العام 2006 منعطفاً حقيقياً في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مسار بناء نظامها السياسي، بتشكيل حماس لحكومتها، وشهدت هذه المرحلة تجاذب وتنازع على الصلاحيات بين الرئاسة (تمثل حركة فتح) من جهة، ومن الجهة الثانية الحكومة ومعها المجلس التشريعي الجديد الذي استحوذت حماس على رئاسته، وقد اتخذ المجلس الجديد بأغلبية حماس في جلسته الأولى قراراً بإلغاء قرارات المجلس القديم في جلسته الأخيرة المتنازع على دستوريتها لأنها (حسب حماس) تستهدف تعطيل عمل المجلس الحالي.

 

وفي 23 كانون أول/ ديسمبر 2018، اتخذت المحكمة الدستورية قراراً استشارياً بناء على طلب وزير العدل، بحل المجلس التشريعي وإجراء الانتخابات التشريعية، وافقت السلطة التنفيذية على العمل به، وصدر مرسوم رئاسي بتنفيذه، وحدد موعد للانتخابات القادمة لكن تم تأجيلها إلى إشعار آخر، في تجاهل ولا مبالاة بأهمية الانتخابات التشريعية باعتبارها واحدة من القضايا الأساسية في إطار العملية الانتخابية الشاملة التي ما زالت تتصدر الأولويات الوطنية والتي تزداد راهنيتها منذ اندلاع الانتفاضة كمدخل فعلي للإصلاح والتغيير الديمقراطي الحقيقي وحاجة ملحة لإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية، من أجل مواجهة العدوان والاحتلال الإسرائيلي، وتحصين الموقع الوطني سياسياً، ورفع الفعالية الكفاحية وتحسين الأداء الفلسطيني وتعزيز المكانة الإقليمية والدولية للمؤسسة الفلسطينية.

إن إصلاح النظام السياسي- المجلس التشريعي أحد مكوناته الأساسية-  ذو صلة وثيقة بإصلاح النظام الانتخابي فالشرعية الشعبية لنظام الحكم من أبرز الأسس التي سيقوم عليها النظام الديمقراطي لدولة فلسطين، إضافة لاعتماد صيغة دستورية تضمن نظاماً ديمقراطياً برلمانياً تعددياً يسمح بتداول السلطة، وإجراء الانتخابات الدورية والحرة والنزيهة التي يعبر من خلالها الناخبون عن إرادتهم في اختيار ممثليهم وفي تحديد مواقفهم من القضايا الهامة.

ويجب هنا الإشارة إلى التمايز بين مطالب الإصلاح الداخلي والخارجي، ويجب ألا يخفى التمايز الجوهري في المضمون والأهداف بين هذين الموقعين، ونفترض أن الفارق واضح بين جدل وتجاذب في الصف الوطني من جهة، ومن جهة أخرى الضغوطات والإملاءات الخارجية بدعاوى الديمقراطية والشفافية لغرض انتقال القرار السياسي إلى أيدي نخبة حاكمة جديدة أكثر استعداداً للتساوق مع الإملاءات الخارجية.

ولكن هل شروط الانتخابات التشريعية متوفرة في ظل العدوان والاحتلال الإسرائيلي؟. هل يمكن للانتخابات أن تكون حرة وديمقراطية في ظل تدخلات سلطات الاحتلال وفرض الشروط الاسرائيلية؟.

في 7/12 /1995 صدر عن السلطة الفلسطينية قانون الانتخابات المؤقت وبموجبه انتخب رئيس السلطة ومجلسها التشريعي في 20/1/1996. هذا القانون يأتي في السياق السياسي لاتفاق أوسلو، ووليد الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني الموقع في واشنطن يوم 28/9/1995 إذ انعكس انقلاباً سياسياً اختلت فيه العلاقة لصالح السلطة التنفيذية وعانت فيه السلطة التشريعية حالة من الشلل والعجز عن أداء دورها، فاستبدل النظام البرلماني الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في إعلان الاستقلال في 15/11/1988 بنظام رئاسي ذي وظيفة محددة، تخدم المنحى السياسي للتسوية مع الجانب الإسرائيلي آنذاك.

 

ولقد أفرزت اتفاقية أوسلو لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية صلاحيات واسعة وفرت له الفرصة للادعاء بأن سياسة التسلط والاستئثار، إنما تأتي في سياق تطبيق قوانين السلطة الفلسطينية، تضافر هذا مع نزوع القيادة المتنفذة إلى تعميق سياسة الاستئثار بالقرار السياسي الفلسطيني وتهميش دور القوى الأخرى وتأثيرها. وتثير علاقة المجلس التشريعي بالسلطة التنفيذية الكثير من الجدل والنقاش، ففي ضوء القيود التي ترسمها الاتفاقات والتي تغطي مختلف الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تشير الوقائع إلى أننا لسنا أمام تجربة برلمانية تقوم على الفصل الفعلي والملموس بين السلطات، وفي ظل دستور وحياة دستورية صحيحة، فالاتفاقيات الانتقالية المرحلية حددت تكوين المجلس وصلاحياته وعلاقته بالسلطة التنفيذية، فالبند الرابع من المادة (18) ينص على أنه لا يجوز للمجلس التشريعي الفلسطيني إصدار تشريعات تلغي قوانين سارية المفعول أو أوامر عسكرية تفوق ولايته أو تكون مخالفة لأحكام إعلان المبادئ أو الاتفاقية الانتقالية أو أي اتفاقية أخرى يمكن التوصل إليها خلال هذه المرحلة، كما نصت تلك المادة بأنه على رئيس السلطة التنفيذية أن لا يصدر تشريعات يتبناها المجلس وبعدم المصادقة على إصدار القوانين والتشريعات التي تنطوي على مخالفة للبند الرابع من المادة (18)، وفي الفقرة السادسة من نفس المادة (18) تعطي للجانب الاسرائيلي في اللجنة القانونية المشتركة صلاحية الاعتراض على القوانين والتشريعات المخالفة للبند الرابع إياه، ومع الاعتراف بعدم وجود مثل هذه اللجنة القانونية، إلا أن ذلك لا يلغي القيد الوارد وانعكاساته.

هذه القيود التي تفرضها الاتفاقيات على دور المجلس التشريعي وصلاحياته لم تمنعه من الاضطلاع بدور حيوي في تنظيم العديد من شؤون المجتمع الفلسطيني، مثل سن عدد من القوانين المالية والاقتصادية والاجتماعي ، وإثارة قضايا تهم المجتمع الفلسطيني، وإقرار القانون الأساسي (2/10/1997)، ووثيقة الإصلاح (16/5/2002)، والقانون المعدل للقانون الأساسي (18/3/2003) الذي استحدث منصب رئيس الحكومة وتحديد صلاحياته وصلاحيات مجلس الوزراء ومسؤوليتهم مسؤولية فردية وتضامنية أمام المجلس التشريعي، بينما كان في النص السابق للمادة(68) تتحدث عن مسؤولية الوزراء أمام رئيس السلطة، ومسؤولية تضامنية فقط أمام المجلس التشريعي، ومنها أن مجلس الوزراء هو الأداة التنفيذية بدلاً من السلطة، وكان من المفترض _نظرياً- أن يخفف هذا التعديل بعض الشيء من الطابع الرئاسي الفاقع للنظام السياسي الفلسطيني، لكن الصيغة الجديدة المجلس وترجمتها تقع في مركز دائرة التجاذب بين القوى الداخلية والخارجية، في ملعب يغطيه الاحتلال وتراقبه الرباعية الدولية، افتقد خلالها المجلس لدور فعال.

الأمر مختلف في العلاقة مع السلطة التنفيذية، على صعيد دور المجلس التشريعي بشأن تنظيم بعض جوانب الحياة في المجتمع، فلا يمكن وضع جميع أعضاء المجلس في سلة واحدة، وليس بأمر موضوعي إطلاق أحكام قاطعة وواحدة على دور المجلس وأدائه في كافة المراحل، وعلى امتداد سنوات عمره، ومع هذا فلا خلاف بأن عقبات غير قليلة وضعت أمام عمل المجلس ليس فقط من قبل الاحتلال، بل وأيضاً من قبل السلطة التنفيذية، وذلك بسبب من صراعات النفوذ المعلنة أو غير المعلنة، وبسبب المركزة والتداخل الشديدين بين مختلف السلطات في النظام السياسي الفلسطيني، وإضافة لهذا وذاك فإنه لا يمكن إنكار التأثير السلبي لغياب التعددية الحقيقية في نطاق المجلس، والذي يترافق مع الإجراءات التنظيمية الخاصة بكتلة حركة فتح داخله، الأمر الذي يمس دور المجلس ككل، بل ويؤثر على مسار الديمقراطية في أعماله. 

 

ثمة مسافة أمكن المجلس التشريعي التحرك في إطارها بين الصلاحيات الممنوحة، وحدود المسؤوليات التي لم تقرر الاتفاقيات بشكل صريح مسؤولية سلطات الاحتلال عنها، بما في ذلك تلك التي تنطوي على رموز ومظاهر سيادية، فإضافة لما تتضمنه الاتفاقية من انتهاء الفترة الزمنية المقررة نظرياً للمرحلة الانتقالية في أيار/ مايو 1999 هناك ما يدعم ويبرر الاشتباك السياسي والقانوني المتواصل على قاعدة أن الاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي لا تتفوق على القانون الدولي ولا تتقدم على قرارات الشرعية الدولية بما فيها قرارات مجلس الأمن الدولي، كما أن الاتفاقيات لا تلغي انطباق أحكام اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان حزيران/يونيو 1967 الأمر الذي يتيح المجال لمظاهر من الاشتباك السياسي الذي يستند لقرارات الشرعية الدولية وللمواثيق والأعراف الدولية، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وذلك في مواجهة الأنشطة والأوامر الاستيطانية وغيرها من إجراءات ومخططات الاحتلال.

المجلس التشريعي هو جسم تمثيلي رئيسي لشعبنا في الوطن في إطار المجلس الوطني، لإنجاز مرحلة التحرر الوطني والاستقلال الناجز كمحور أساسي للمهام الوطنية، وللمجلس التشريعي في هذه المرحلة أيضاً دور هام في عملية بناء الدولة الفلسطينية، وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الفلسطيني وإصدار القوانين التي تنظم حياته، مما يتطلب تجديد دوره على أسس مشاركة الجميع بالتأكيد على الوحدة الوطنية المبنية على أساس التعددية والديمقراطية وتدعيم الأوضاع الداخلية والمؤسسات الفلسطينية،  وإعادة الحياة للمؤسسة التشريعية عبر انتخابات ديمقراطية تعتمد نظام النسبية الكاملة.

إن استمرار الوجود المباشر للاحتلال الذي يفرض أولوية مواجهته، إنما يضع سقفاً للإصلاح وعملية التغيير الديمقراطي ويقيد حرية الحركة والتنقل والنشاط السياسي، وهي من أبرز العناصر اللازمة لإجراء الانتخابات بشكل حر وديمقراطي، وإلى هذه العقبة فإن مراكز القرار من موقع تمسكها بالسلطة ومنع المساس بتوازناتها، تضيف عقبة أخرى من خلال إبطاء وتيرة استكمال التحضير للانتخابات التي يشكل إقرار قانون انتخابي جديد أهم محطاتها، خلافاً لقانون العام1995 الذي صدر نتيجة اتفاق موقع مع الطرف الإسرائيلي (اتفاق طابا)، ولم يتم إقراره من قبل أية هيئة تشريعية فلسطينية، فإن القانون الانتخابي الجديد يجب أن يستند إلى المرجعيات الفلسطينية المقررة، بدءاً من وثيقة إعلان الاستقلال للعام 1988 وانتهاءً بالقانون الأساسي، وأن يستفيد من الإقرار الدولي الوارد في وثيقة «خارطة الطريق» كما اعتمدت من اللجنة الرباعية الدولية بشأن مراجعة وتعديل قانون الانتخابات الفلسطيني.

إن التحضيرات الضرورية والقرار الحازم بإجراء انتخابات شاملة هي معركة سياسية من الطراز الأول، يتوجب خوضها في مواجهة الضغوط الأمريكية ومحاولات الاحتلال إعاقتها والتشويش عليها، بحيث تتحدى القوى السياسية والشعب الفلسطيني عموماً قوات الاحتلال في ميدان جديد من ميادين المواجهة وهي تمثل الرد على مشاريع التغيير الخارجية التي تحاول اسرائيل والإدارة الامريكية فرضها على عموم المنطقة بما في ذلك مشروع الدولة الفلسطينية، إن خوض الانتخابات هي فرصة لإحراج دعوات الإصلاح من الخارج ولتحويل وجهة الضغط الدولي نحو إزالة العقبات الإسرائيلية، فضلاً عن كونها استجابة لإرادة الشعب الفلسطيني باعتبارها عملية إصلاحية من الدرجة الأولى، تكرس مبدأ الاختيار الحر والمساءلة الشعبية لأصحاب القرار ولمختلف مستويات المسؤولية.

وبمعزل عن جملة العوامل المتصلة باستمرار العدوان غير المسبوق وتصعيده ضد شعبنا الفلسطيني ومؤسساته الوطنية، فالأمر المطروح هو: أين موقع النظام الانتخابي الفلسطيني من الديمقراطية؟.

مع عودة مسألة الانتخابات العامة ومن ضمنها الانتخابات التشريعية إلى الواجهة في الفترة الأخيرة، نتيجة تزايد الشعور لدى قطاعات مؤثرة من الرأي العام والتيارات السياسية والاجتماعية الفاعلة، بضرورة إصلاح ومأسسة البنى السياسية والإدارية في الوطن، تظهر الأهمية والحاجة الفلسطينية لإيجاد صيغ متطورة لنظام انتخابي ديمقراطي عصري جديد متحرر من قيود اتفاقات أوسلو، يعبر عنه بقانون محدد يصون وحدة الشعب الفلسطيني ويعكس بشكل أفضل تيارات الشعب الفلسطيني وتشكيلاته الاجتماعية المختلفة، وينهي أسباب المقاطعة السابقة، إذ كانت القوى الفلسطينية التي حملت راية المعارضة جراء موقفها من اتفاقية أوسلو، قد قاطعت الانتخابات عام 1996 لأسباب عدة، ليس أقلها قانون الانتخابات الذي التزم بهذه الاتفاقيات واستند إليها، وبمعزل عن حركة الجدل التي دارت في حينها والمواقف التي طرحت في السياق، فإن مسألة الانتخابات الشاملة ظلت مطلباً ملحاً للمعارضة ولتيارات فاعلة في الساحة الفلسطينية، تنطلق من موقع الاجماع الوطني والشعبي على ضرورة إجرائها في أسرع وقت ممكن.

إن النظام الانتخابي الجديد ينبغي أن يتجاوب مع حالة التحدي السياسي الذي يواجهه شعبنا، وخاصة في إعطاء النموذج القادر على بناء دولة ديمقراطية عصرية، بالانسجام مع سمة الشعب الفلسطيني المتجانسة قومياً وثقافياً

فضلاً عن هرمه العمري الفتي، نظام انتخابي يتأسس على مفهوم مشاركة المواطن في اختيار ممثليه وحكامه ومحاسبتهم وعدم تهميش نصف المجتمع من النساء، وشرائحه الشابة الواسعة، وتقليص تأثير الولاءات العائلية والمحلية والجهوية على تكوين المؤسسة التشريعية، فأثناء تلك الانتخابات نمت ظاهرة فتح الدواويين على أساس العائلة والقرية والمدينة، وانبعاث عصبيات أخرى لدعم مرشحين يعودون في أصولهم إليها، كما أن العزل الجغرافي بين الضفة وغزة أثر على الدور التوحيدي للمجلس التشريعي، والمفترض العمل على تعزيز الترابط بين الضفة والقدس وقطاع غزة، نقيضاً للفصل الجغرافي القسري الذي تفرضه قوات الاحتلال، وذلك انسجاماً مع تراث الحركة الوطنية وتقاليد التعددية في «م.ت.ف.» وأثرها الإيجابي في توحيد صفوف الشعب الفلسطيني وصون وتطوير هويته الوطنية والثقافية، رغم ما اعترى تجربة «م.ت.ف.» من سلبيات نتيجة غياب الإصلاح الديمقراطي. 

disqus comments here