المشاركة السياسية والتنظيمات الفلسطينية في العقد الذي أعقب النكبة

يبرز دور المنظمة السياسية في إفساح المجال أمام الأفراد، للمشاركة في القضايا الحيوية لأمتهم، مشاركة فعالة وجماعية ومنظمة، لذلك فإن أي غياب لتلك التنظيمات عن ساحة العمل السياسي والوطني والاجتماعي، يؤدي إلى الحد من دور الأفراد في المشاركة الفعالة في القضايا الحيوية الهامة، وتأتي المشاركات فردية وفوضوية وغير منظمة، ولا يمكن أن تُحسِن تحقيق أهدافها أو امتلاك الوسائل الأكثر ملاءمة للأوضاع والظروف المتغيرة، ولا سيما الظروف الصعبة والقضايا المعقدة، فالتنظيم السياسي ينظم المشاركات ويوجهها وفق رؤية استراتيجية وتكتيكية جماعية، يبدعها المجموع المنضوي تحت لواء هذا الحزب أو ذاك، وفي المراحل التاريخية الصعبة للمجتمع تزداد أهمية التنظيميات السياسية، التي تسعى لتحقيق تطلعات الجماهير، بل تصبح ضرورة لا بد منها بعد انتشار مفاهيم الحرية والديمقراطية والتعددية، بل إن مفهوم الديمقراطية الشعبية يؤكد على أهمية المشاركة الجماهيرية الواسعة في عملية البناء الحضاري، التي تتم عبر مؤسسات واتحادات ونقابات، تمثل طموحات وإرادة ومصالح كل الفئات الاجتماعية المختلفة.

وفي ظروف المجتمع الواقع تحت الاحتلال، لا يمكن للجماهير والقوى الوطنية بلا استراتيجية نضالية، وبلا قيادة يومية، أن تقدم مشاركة فعالة مهما امتلكت من عقيدة واستعداد للتضحية، مع أن قضية إزالة الاحتلال تقتضي وبشكل طبيعي نشأة تنظيمات سياسية أو مسلحة، تناضل وتطالب بالاستقلال.

وفي فلسطين التي عانى شعبها من احتلالات متواصلة، دون أن يتمتع ولو بفترة قصيرة من الاستقلال، ومنذ السيطرة العثمانية على المنطقة العربية، نشأت جمعيات سياسية وطنية، طالبت بالاستقلال أو الحكم الذاتي للمناطق العربية، رغم أنها لم تكن كالأحزاب الحديثة، وأنها ليست أحزاباً بالمعنى العلمي للكلمة، بافتقادها إلى البعد الجماهيري الملتف حولها، واقتصارها على النخب والعمل في الأروقة والمنابر المتعالية على الانخراط في صفوف الكادحين وأصحاب المصلحة الحقيقية في تحقيق الأهداف الوطنية، لذلك ذابت وتبخرت عند التحولات التاريخية الكبرى التي مر بها المجتمع الفلسطيني، كأنها لم تكن، ولم تستطع أن تتكيف مع الظروف المستجدة لتستمر في ظل احتلال من لون آخر، وخلال الانتداب البريطاني، تشكلت أحزاب وطنية فلسطينية جديدة، نشطت محددةً أهدافها في الاستقلال، وإنهاء الانتداب البريطاني، والتصدي للهجرة اليهودية وموجات المهاجرين، والنضال ضد وعد بلفور الداعي لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وهكذا بعد احتلال العصابات الصهيونية لجزء هام من فلسطين، وتشريد شعبها في نكبة عام 1948، وجدت الأقلية العربية التي بقيت تحت الاحتلال نفسها دون قيادة سياسية، وفي حالة تبديد وطني شامل، دون أي إطار سياسي يعبر عن كيانها وأهدافها، خلال الفترة الزمنية من 1948-1958، قامت محاولات عديدة لإنشاء تنظيم سياسي جديد، فشلت جميعها بسبب محاربة سلطات الاحتلال لها، والتي لم تكن تسمح بتشكيل تنظيم فلسطيني يعبر عن الهوية والأهداف الخاصة بهم كقومية، يسعى الاحتلال إلى طمسها وأسرلتها، حتى ولا في أحزاب معتدلة، لأنها لا تنسجم مع مخططات الاحتلال، وعلى حد تعبير أحد قادة الحركة الصهيونية (لأن التجارب تدل بأن يد العناصر القومية هي العليا في حزب عربي قومي، ويكنسون المعتدلين، ويصمونهم بالخيانة)، وقبل أن يشتد نضال جماهير الـ 1948، ويطالبون بحقوقهم في تأسيس أحزاب قومية عربية، وينتزعون من الاحتلال هذا الحق الديمقراطي، لم تسمح سلطات الاحتلال بممارسة النشاط السياسي بين الفلسطينيين، إلا لانتخاب قوائم مرتبطة مع الأحزاب الإسرائيلية، ويشترط بالمرشحين موالاتهم لإسرائيل وممن خدموها سابقاً، والنواب العرب المفترض أنهم يمثلون الأقلية العربية، يخوضون المعارك الانتخابية تحت يافطة الوعود، بتحسين الأحوال المعيشية، وحل مشكلات الفلسطينيين من خلال التوسط لهم لدى سلطات الاحتلال، التي تحل وتربط، قاطعت الجماهير العربية هذه القوائم، وفشلت معظمها، فيما عدا بعض النواب الذين نجحوا بالوصول إلى الكنيست بفضل العلاقات العائلية أو الطائفية.

ونظراً لطبيعة الظروف التي يعيشها المواطنون الفلسطينيون تحت القوانين الإسرائيلية، حظي الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) بشعبية أكبر في الأوساط العربية، ذلك بسبب أن الحزب كان يدافع عن حقوق الأقلية العربية، التي كانت سلطات الاحتلال تنتهكها باستمرار، بالإضافة إلى مواقف راكاح السياسية من القضية الفلسطينية، المختلفة عن باقي الأحزاب الصهيونية، إذ اعترف الحزب ببعض حقوق الشعب الفلسطيني، ومن بينها حق تقرير المصير، وإقامة دولة على جزء من فلسطين إلى جانب إسرائيل، ففي غياب حزب عربي يدافع عن حقوق الأقلية الفلسطينية، ظهر الحزب الشيوعي الإسرائيلي على أنه المدافع عن القضايا العربية، فضم الحزب في صفوفه، أعضاءً يهوداً وعرباً، ولم تمانع سلطة الاحتلال، لقناعتها أنه يمكن أن يمتص النقمة عند العرب نتيجة لمنع إقامة تنظيم فلسطيني مستقل.

وكان لبرنامج التثقيف في حزب راكاح دور هام في حصر النضال في الجانب البرلماني المطلبي المعيشي، وإبعاد الفلسطينيين عن المشاركة في النضال الوطني للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، وبرزت أولوية السعي وراء القضايا المطلبية والحياتية على حساب الجانب القومي، رغم الرابط بين الجانبين في السبب والنتيجة، وعمل الحزب على ترسيخ القناعات العقائدية المجردة في الإنسان الفلسطيني من خلال فكر اشتراكي عام لا يتجسد واقعياً على أرض ومجتمع له خصوصيته، ودأب راكاح على شجب عمليات المقاومة التي يقوم بها الفدائيون، على أهداف في الأرض الفلسطينية، وفي أحسن الأحوال كانوا ينتقدون المعتدي( اسرائيل) والمعتدى عليهم (الفلسطينيين)، في الوقت ذاته، ورغم هذا الطابع البرلماني والسلمي، إلا أن الشخصيات الفلسطينية البارزة التي تعاونت مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي، كانت تتعرض لعراقيل كثيرة، وهي تنظم المؤتمرات والتظاهرات والاجتماعات، التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين ضد الاضطهاد الصهيوني، وتطالب بإلغاء الحكم العسكري وإلغاء قانون الجنسية، وإرجاع الأراضي المصادرة.

في عام 1958 تشكلت الجبهة العربية في إسرائيل، أو الجبهة الشعبية الديمقراطية، والتي أعلنت أهدافها بالمطالبة بحقوق العرب المشروعة ومنها:

• إعادة القرويين إلى قراهم التي أبعدوا عنها، ضمن مخطط تجميعهم في مكان واحد، للسيطرة على أراضيهم التي كانوا يعيشون ويعملون بها.

• إلغاء التمييز العنصري بين الفلسطينيين العرب، واليهود الإسرائيليين، وتأمين المساواة في جميع نواحي الحياة.

• وقف سلب الأراضي الفلسطينية وإعادتها إلى أصحابها.

• استعمال اللغة العربية في جميع الدوائر الرسمية.

حددت الجبهة العربية سبيلها لتحقيق أهدافها بالنضال البرلماني والجماهيري، ودعت إلى الالتفاف حول الجبهة، وتأييد مساعيها، ودعت إلى توحيد صفوف الشعب الفلسطيني، فأقامت عدداً من الفروع في مختلف القرى والمدن العربية، واعتمدت الجبهة على كادر الحزب الشيوعي ومطابعه وصحيفة في نشر دعايتها، حظيت الجبهة بتأييد جماهيري، إلا أنها لم تستطع إعداد وتثقيف الجماهير تمهيداً لمشاركتها وتحمل مسؤولياتها نتيجة لأسلوب العمل العلني الذي اتبعته مما مكّن السلطات الإسرائيلية من عرقلة عملها باتخاذ بعض الإجراءات القمعية، ولم يتطرق أي تنظيم للعمل السري، وهو يتطلب درجة عالية من الخبرة والتنظيم وإعداد كادر نوعي بحس أمني عال، فاقتصر العمل المسلح على مجموعات قليلة منعزلة أو أعمال فردية، والمجموعات التي قامت بعمليات مسلحة ضد العدو في المناطق المحتلة عام 1948، تابعة لتنظيمات عربية خارج فلسطين ضمت في صفوفها فلسطينيين، ولم تسعَ للامتداد الجماهيري إلى الداخل.

كانت الرؤية الانتظارية لتغيير يأتي من الخارج العربي هي الرؤية التي تحد من التشاؤم بما يتعلق بالمصير الوطني، ويخفف من الإحباط القومي، والشعور بالضعف والدونية الناجم عما يدور حولهم في الوسط الاسرائيلي من غرور وتعالي بما أنجزوه من تدمير المجتمع الفلسطيني وهزيمة جيوش العرب في حرب 1948.

في هذه الظروف طرحت التنظيمات السياسية الفلسطينية في داخل الخط الأخضر ومنها الجبهة العربية وحركة الأرض أهدافها: غرس قيم الارتباط بالأرض، الدعوة للمساواة والتعايش بين مختلف الديانات ورفض التمييز العنصري والديني، والتصدي للإجراءات القمعية بالاحتجاج السلمي.

 

إن السؤال الذي يطرح نفسه في ظروف ما بعد النكبة، لماذا لم تستمر التجارب الحزبية أو التنظيمية الفلسطينية التي وجدت قبل 1948 بإيجابياتها وسلبياتها؟ إلا إذا اعتبرنا حكومة عموم فلسطين التي ترأسها أحمد حلمي عبد الباقي، ودعا لها الحاج أمين الحسيني، هي امتداد للهيئة العربية العليا لفلسطين التي كان يرأسها الحاج أمين الحسيني نفسه قبل النكبة، والتي استسلمت للرفض العربي لتمثيلها للشعب الفلسطيني.

يستثنى من ذلك الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تابع نشاطه في الضفة الغربية رغم الحظر والملاحقة لأعضائه من قبل السلطة، فكان للنظام السري الشديد الذي حكم نشاطاته تأثير سلبي على اتساع دائرة اتصاله، فحد ذلك من إقامة علاقة تنظيمية مع أوسع إطار جماهيري ممكن، واقتصر الاتصال الشخصي على الأصدقاء والمعارف الموثوقين، خشية الوقوع في أيدي السلطة، وقد قامت الجهود التثقيفية لدى الحزب على نشر المطبوعات وخاصة الصحيفة الرسمية (المقاومة الشعبية) التي أسهمت في عملية التنوير والإرشاد من خلال مواد تطرح قضايا ايديولوجية، ونظرت قيادة الحزب إلى توزيع المنشورات على أنه مهمة تساهم في ربط التثقيف بالنضال العملي حيث تظهر هذه المهمة الحزبية ولاء أعضاء الحزب وإخلاصهم وحماستهم وإبداعهم.

أهم موضوعات الفكر التي حاول الحزب نشرها هي الآراء الشيوعية، ومعاداة الامبريالية التي هي مصدر كافة مشاكل المنطقة العربية، وخاصة بريطانيا، ودعا الحزب إلى النضال ضد سياسة الأحلاف في المنطقة، والنظر إلى إسرائيل كصديقة للإمبريالية، وأنها دولة لا شرعية، والنظر إلى الاتحاد السوفيتي كصديق للشعوب ومنها الشعب العربي، ومهاجمة الرجعية العربية ممثلة بطبقة الاقطاع والبرجوازية الكبيرة، ونقد الوضع الاقتصادي في البلدان العربية وإظهار معاناة المزارعين وعمال المدن.

في مجرى العمل والبناء الحزبي وجد الحزب في عمله بين المدرسين أكثر الطرق سلامة لاختراق المدارس وجلب تأثير الحزب على الطلاب ليشاركوا في المسؤولية، كان لدى الحزب هدفان هامان في العمل بين الطلاب، ففي المدى القصير لعب الطلاب دوراً أساسياً في توزيع نشرات الحزب وكراساته، وفي المدى الطويل فإن الطلاب كشباب سريعو التأثر، حساسون ومنفتحون للأفكار الجديدة، كانوا نبعاً مثالياً لمجندي المستقبل.

 

أما في قطاع غزة فبرزت مجموعات يسارية فلسطينية تطالب بالعودة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتحمل مسؤولية أحوال الفلسطينيين للغرب الاستعماري، وقد لاقت هذه المجموعات معارضة من الأنظمة العربية في محاولتها لإبراز الكيانية الفلسطينية للتعبير عن الشخصية الوطنية المستقلة، لاقت فكرة تعبئة الفلسطينيين في جيش موحد التي طرحها الاتحاد القومي العربي معارضة، من قبل القيادة المصرية، وكانت مثل هذه الدعوات تجابه تحت شعار أن استعادة الحقوق ليست مسؤولية الفلسطينيين إنها مسؤولية كل العرب، ومهما يكن من حديث حول مصاعب تشكيل حزب طليعي فلسطيني يعبر عن الخصوصية والهوية الوطنية المستقلة، فإن المعوقات لا تنحصر بتلك التي تضعها الأنظمة العربية، بمقدار ما ترجع إلى الطبيعية التي تكوّن وفقها الوعي القومي الفلسطيني، من جهة، وفي طبيعة البنى الاجتماعية والثقافية المتخلفة التي لم تكن قادرة على إفراز حزب من طراز جديد من جهة أخرى.

بكل الأحوال ليس هناك مجتمع إنساني بلا مؤسسات مهما تدنت درجة تطوره الحضاري، فكل مجتمع يقوم على أسس تنظيمية محددة، لكن النكبة كانت كارثة كبرى تعرض لها كيان الشعب الفلسطيني، وحطمت مؤسساته الوطنية تحطيماً بالغاً في القسوة، يضاف إلى ذلك التركيب السياسي الذي قاد الصراع عام1948 وما قبله، المتمثل بالهيئة العربية العليا وعلاقتها مع القيادة التقليدية للمجتمع الفلسطيني المؤلفة من وجهاء العائلات كانت غير فاعلة سياسياً ومتخلفة إلى أبعد الحدود وغير مؤهلة لخوض الصراع أمام هذه الهجمة الصهيونية الشرسة، فالصراع يأخذ أشكاله بين مؤسسات وطنية ومقابلاتها الاستعمارية في محددات ترتبط بمستوى التطور التاريخي لأشكال التنظيم، وكلما كان المستوى التنظيمي أرقى وعصري، كانت المؤسسات الوطنية قادرة على رد التحدي، لذلك فإن المنظمات السياسية تحدد صورة وخط النضال ومسار تطوره أو انحساره، فالمنظمة هي التي تقود النضال وتفعل دور الجماهير، وتطرح المهام الملائمة لتحقيق الأهداف الوطنية وفق خطة عمل مبنية على العلم وتحليل الواقع بما يخدم مصالح الجماهير، وقد وجدت في فلسطين تجارب حزبية في مرحلة الثلاثنيات 1934-1935 لكنها لم ترتقِ إلى مستوى الصراع المحتدم كونها انتشرت في الأوساط الإقطاعية والبرجوازية.

كذلك كانت النقابات والعمل النقابي المتأثر بالمستوى الحضاري لتطور القوى المنتجة في مجتمع لم تحقق برجوازيته الثورة الصناعية، وبقي مجتمعاً فلاحياً يخضع لهيمنة الإقطاع.

 

إلا أن العمل النقابي بعد النكبة وخلال النضال المطلبي لأجل أهداف خاصة تتعلق بالقطاعات الشعبية الفلسطينية هو من بلور الوعي بأهمية ابراز الهوية المستقلة كإجراء لابد منه على الصعيد العملي، كما حدث بالنسبة لازدياد أعداد الطلبة الجامعيين، والمساعدات التي قدمت لهم، وضرورة تنظيم هذه المساعدات، والدفاع عن حقوق الطلاب الفلسطينيين، وعزز هذا الشكل من التنظيم النقابي كتجمع فلسطيني من الشعور بالوطنية وضرورة إبراز الهوية الفلسطينية على الصعيد السياسي، وأدى نشاط الطلاب إلى إنشاء الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي عقد مؤتمره التأسيسي في تشرين الثاني/ نوفمبر 1959، وكان لتشكيله دور كبير في ظهور كوادر لعبت دوراً بارزاً في الثورة الفلسطينية، وكان في المؤتمر التأسيسي حضور للقوميين العرب(الفلسطينيين) ونواة حركة فتح، والشيوعيين، والبعثيين .

يمكن تحديد ثلاثة اتجاهات مختلفة، على الأقل، لدى فلسطيني مخيمات اللجوء إزاء الحركات السياسية التي عملت في الخمسينيات، أولاً: غالبية الجيل القديم، جيل فلسطين ظلت على ولاءاتها السابقة لسنة 1948، سواء كانت هذه الولاءات لقادة وطنيين أم لقادة محليين، وأعربت عن عدم ثقتها بالأحزاب السياسية الجديدة، بوصفها أداة تفرقة أو على أساس أنها معادية للدين.

ثانياً: التحق عدد من شباب جيل النكبة بحركات المعارضة، على أساس المبدأ الذي عبر عنه معلم شاب عندما قال: (كان من الممكن أن نلتحق بحزب الشيطان إذا ما وضع فلسطين بين أهدافه).

ثالثاً: أقلية ضئيلة جداً تفحصت مواقف كافة الأحزاب القائمة، وتوصلت أن أياً منها لم يكن قادراً على إعطاء تحليل صحيح للمشكلة الفلسطينية، وبالتالي على إعطاء برنامج صحيح من أجل العمل لحلها، وهكذا أخذت هذه المجموعة على عاتقها تشكيل حركة سياسية، تجسدت في النهاية في حركة القوميين العرب.

تشكلت حركة القوميين العرب في بداية الخمسينيات في بيروت، من مجموعة من الطلاب الفلسطينيين والسوريين والمصريين، بدأوا بعمليات عنيفة تحت شعار الثأر، كرد فعل على النكبة، وكانت طموحاتها أن تنتقل من حركة طليعية إلى حركة جماهيرية، لتعمل على إسقاط الأنظمة الرجعية في العالم العربي، لتهيئة الأرض لوحدة كل البلدان العربية، وهذا يتطلب من القوميين أن يعطوا انتباهاً واسعاً لعملهم التنظيمي، وكانت الحركة قد شددت في مطبوعاتها على أهمية سلاح التنظيم والوعي القومي، وهذا يؤكد أن كلا الطموحين كانا مترابطين.

وقد عملت الحركة على خلق الوعي القومي، من خلال مطبوعات تستهدف أعضاءها أولاً وأساساً، بهدف صناعة إيديولوجيا الحركة، وتقوية معتقدات أعضائها، وهناك منشورات اتجهت نحو الرأي العام لطرح أهداف القوميين، بهدف جذب الجماهير إلى الحركة، وبذر بذور المشاعر القومية، وكأن أهم شرط لقبول العضو الجديد أن يكون المرشح مقتنعاً بحاجة العرب إلى الوحدة العربية وبالخطوات الضرورية لتحقيق هذا الهدف، وكان الوعي الثوري هو أساس العمل التنظيمي للقوميين، فدعوا إلى خلق إطار منظم لتثقيف الجماهير وصهرهم في وحدة متلاحمة، قادرة على عمل موحد، بمعنى خلق حركة شعبية إيديولوجية منظمة، تجعل الجماهير قادرة على تحمل وظيفتها التاريخية.

 

وظهرت لدى القوميين نزعة روحانية، فدعوا إلى ثورة روحية، يجب أن يعيشها الأفراد والأمة، وتهدف إلى تأسيس الطليعة الثورية في الوطن العربي، قالت الحركة: إن كل فرد منا يجب أن يلتزم بهذه الروح الثورية، من أجل أن تصنع منه مواطناً صالحاً في الوطن العربي، نحن مطالبون في ذكرى الخامس عشر من أيار أن نتبنى موقفاً ثورياً ناشطاً ينعكس على كل مواطن ويجعل منه مسؤولاً مؤتمناً وفرداً فاعلاً، ورسم القوميون دوراً لهم في إبطال العواطف الفردية المتبلدة، التي تتجنب المسؤوليات حول مصيرها، وتضع أملها على المعجزات، هذا الرجل الجديد الذي يدعو له القوميون سيتوازن ويعي ويصبح قادراً على مواجهة الواقع والعمل من أجل تغييره، ويجب أن تتم تهيئته لتحمل المسؤولية، ويضع بناء الوطن القومي قبل مستقبله الشخصي.

ثم طورت الحركة من مفهومها عن المواطن الصالح إلى مفهوم الطليعي الثوري، وقد حدد القوميون أربع خصائص للإنسان الطليعي.

الارتباط بآلام الشعب، وعي ضرورة التغيير، والرغبة والإرادة في التضحية الذاتية، من أجل إتمام عملية التغيير هذه، القدرة على العمل بتصميم وبروح مبادرة.

وعضو الحركة المثالي هو الذي يربط القول بالعمل، فيصبح الطليعي الثوري نموذجاً لنمط التغيير، الذي يجب أن يلتزم به كل فرد عربي، فالعضو الطلائعي هو عنصر في مجموعة طلائعية وظيفتها الوحيدة ترجمة مثل الحركة إلى عمل، من أجل أن تروى هذه المثل للجماهير العربية بكامل أبعادها.

إن جذور العديد من المنظمات الفلسطينية الحالية، تمتد إلى حركة القوميين العرب، مما يؤكد أن دوراً قد أنجزته في إعداد كوادر حزبية أسهمت في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية، في صفوفها اكتسب الكادر خبرة، وازداد نضجاً ووعياً وحيوية، وازداد صلابة في مجرى النضال والممارسة العملية الملتزمة، تطور الكادر مع تطور الحركة، ومع تطور جماهيرها من حولها، أثرت وتأثرت بطبيعة مرحلة ارتفع فيها منسوب الوعي السياسي، ووعي مفهوم الوطن والمواطنة، وبدأت ملامح الانتماء الطبقي والاجتماعي بالوضوح أكثر، ويمهّد لفكر أيديولوجي جديد.

المراجع:

-       حرب فلسطين عام 1948

-       العرب في ظل الاحتلال الإسرائيلي

-       التنشئة الاجتماعية والسياسية

-       الأحزاب السياسية في الضفة الغربية

-       الفلاحون الفلسطينيون

disqus comments here