معتقَلو «هبّة الكرامة»: الجرح المنسيّ

من أحد فنادق البلدة القديمة في عكا، ومقابل جامع الجزار، قُنص الفلسطيني مصطفى المصري برصاصة اخترقت بطنه وخرجت من ظهره، قبل أن تختطفه عصابات الاحتلال جريحاً وتسوقه إلى المستشفى. هناك، أُجريت له عملية جراحية، من دون علم والديه، وسُرقت كليته. رفيقه محمد عثمان الذي أطلق عليه جنود العدو النار فأصابوه في ساقيه، اختُطف من منزله هو الآخر، وكان لا يزال مصاباً يمشي على عكّازين. ضُرب ونُكّل به، ورمى عناصر المخابرات والشرطة عكّازيه، مجبرين إياه على الانقياد إلى سيارة الشرطة التي ساقته إلى المعتقل. أمّا محمد حلواني، فأُرغم، بعد اعتقاله من منزله في صباح 12 أيار من العام الماضي، على الاعتراف بالاتهامات الموجّهة إليه وبينها إطلاق النار، فيما حبيب أبو حبيب، الذي اعتُقل هو الآخر، يتوقّع أن ينال حكماً طويلاً جداً نظراً إلى الاتهامات القاسية التي يواجهها، وبينها محاولة قتل مستوطن...

قصص لا تعدّ ولا تحصى عن «الأيتام» أو «المنسيين» من معتَقلي «هبّة الكرامة»، الذين تُركوا يواجهون ظروف اعتقال خطيرة ومعاناة قاسية، وصنوفاً عديدة من التعذيب النفسي والجسدي، ما بين الحرمان من النوم والأكل، والشبح والضرب، والضغوط النفسية والترهيبية، كما التهديد باغتصاب قريباتهن، وفصل ذويهم من العمل، أو حتى إقناع المعتقَل بموت والدته لحثّه على الاعتراف، مقابل السماح له بالمشاركة في الجنازة المزعومة! هذا ما حدث مثلاً مع محمد أبو رومي (18 عاماً) الذي كذب عليه ضباط «الشاباك» بشأن والدته، قبل أن يخرج إلى قاعة المحكمة، ويجدها ماثلة أمامه، غير مصدّق أنها لا تزال على قيد الحياة.

قبل نحو أسبوع، قرّر قضاة المحكمة المركزية في مدينة حيفا المحتلة، الحُكم على أبو رومي ومحمد وبهاء أبو الهيجا بالسجن لمدّة سبعة أعوام، وعلى إبراهيم مريح بالسجن خمس سنوات، فيما نال أدهم بشير، ابن مدينة عكا، أقسى حكم إلى الآن؛ بالسجن عشر سنوات. وسبق هؤلاء إلى المعتقل عشرات آخرون، بينهم آدم حرب ويزن سكافي من حيفا، اللذان حكمتهما المحكمة بثماني وسبع سنوات تباعاً. أبو رومي الذي تقول والدته إنه كان يستعد لاستكمال دراسته في الاقتصاد، كان قد اعتقل بينما كان يتناول الطعام في أحد المطاعم برفقة أصدقائه، قبل عام ونصف عام، عندما اختطفه عشرات المستعربين، واقتادوه إلى جهة مجهولة، لم يتعرّف عليها والداه إلّا بعد حوالي أسبوع. الفتى الذي ظهر إلى جانب رفاقه في قاعة المحكمة مبتسماً عاضّاً على جراحه، بدا أنه شَبّ وتعلّم كيف يواجه تلك الجراح وحيداً بعيداً من والديه.

التعذيب في قلب المعتقلات، وازاه تعذيب لعائلات المعتقلين والمدافعين عنهم. عائلات كثيرة تُركت بلا معيل، أو فُصل أفرادها من العمل. والدة المعتقل محمد حلواني، أميرة، هي أرملة، وليس لها معيل سوى ابنها. كان الأخير صديق البحر وجاره، يحمل ما يصطاده منه يومياً، يبيع بعضه، ويأتي أمّه ببعض المال لتصرف منه. كان له أيضاً مركب يقلّ فيه السيّاح الآتين إلى عكا بجولة في البحر. حُكم هو الآخر بالسجن، فأجبرت والدته على العمل المتمثّل في رعاية أحد المسنّين، فضلاً عن الاعتماد على شركاء ابنها في «الشختورة»، والذين كانوا يعطونها حصّة محمد قبل أن تُصادر سلطات الاحتلال المركب. لم تتخيّل أميرة أن الطفل الذي كانت ترافقه إلى المدرسة ولا تتركه نظراً إلى الصعوبات الاجتماعية والتعلّمية التي عاناها، سيأتيها خبره ذات يوم معتقلاً.

في حديثها إلى «الأخبار» تقول: «لقد كان ابني محبوباً جداً. إنسان خدوم وعطوف، يحرم نفسه المال في بعض الأحيان لمساعدة الآخرين. لقد بكيته كثيراً إلى حدّ تضرّرت معه شبكية عيني، واضطررت إلى إجراء عملية جراحية فيها». وتضيف إنه «بسبب الحالة الخاصة التي يعانيها محمد، نال حكماً أقل من الآخرين، حيث من المنتظر الإفراج عنه في العام المقبل.

ولكن إلى ذلك الحين، "أعاني مثل أمهات المعتقلين الآخرين بسبب سجن ابني في معتقل ريمون في النقب، حيث يستغرق الوصول إلى هناك ساعات طويلة جداً من السفر".

بعد عام ونصف عام، يشعر المعتقلون وذووهم بالخذلان. صحيح أنهم لا ينكرون «فزعة» المحامين في بداية الاعتقالات، حيث تطوعوا للدفاع عن المعتقلين، «إلا أن رد الفعل الشعبي والجماهيري لا يرقى إلى المستوى المطلوب»، فضلاً عن «أن القيادات المحلية، وفي مقدّمتها نواب الكنيست العرب، لا يؤمل منهم شيء»، وفق ما يقول عضو «اللجنة الشبابية للدفاع عن معتقلي عكا»، حسن ندّاف، في حديث إلى «الأخبار».

ويشير ندّاف إلى أنه كانت هناك محاولات حثيثة لإفشال اللجنة والقضاء عليها، مستدركاً: «لقد نظّمنا فعاليات عديدة، بينها تظاهرات ومسيرات، وخيمة اعتصام. إن أهمّ ما قمنا به هو أن الأهالي أدركوا أن ما فعله أبناؤهم هو ليس زعرنات، وإنما دفاع عن النفس والوجود والحق في الحياة، وهي أمور تدعو إلى الفخر لا إلى الشعور بالعار».

ويلفت إلى أن عمل اللجنة جُمّد بسبب «التهديدات التي تعرّضنا لها»، موضحاً أن «عناصر («اليسام») هدّدوه وجاهياً بالقتل؛ إذ قالوا له ستموت بطلقة في رأسك»، مضيفاً أن أعضاء اللجنة الآخرين تعرّضوا لضغوط كثيرة مماثلة، وبينها الفصل من العمل. أمّا بالنسبة إلى دور القيادات المحلية، فيقول: «عندما كنّا ننظّم فعالية، كانوا يلبّون الدعوة ويحضرون. ولكنهم لم يقوموا بأكثر من ذلك»، متابعاً: «أنا كشابٍّ من عكا لا أشعر بأن هذه القيادات تمثّلنا أو تعبّر عنا، فهي (وأحزابها) ضيّقة، ولا تفهم لغة العامة... لقد صرفوا الكثير من الأموال على حملاتهم الانتخابية، فلماذا لم يصرفوها على المعتقلين وذويهم؟».

ويصف ندّاف الأحكام التي صدرت بحق المعتقلين بأنها «قاسية وظالمة ومجحفة، ولا سيما أن معظمهم لا علاقة له أساساً بالسياسة وخرج ليدافع عن وجوده في وجه الظلم وهجمة المستوطنين. وخلال التحقيقات، استغلّ ضباط الشاباك عدم معرفة هؤلاء بالقوانين والحقوق، أو تجربة الاعتقال الأمني، فمارسوا ضغوطاً كثيرة أفضت في النهاية إلى اعترافات".

عائلات المعتقلين تطلق صرختها

عقدت مجموعة من عائلات معتقلي هبّة أيار 2021، من مدن عكا وطمرة وحيفا واللد المحتلة، مؤتمراً صحافياً مساء أمس في منزل المعتقل محمد سمير عثمان (20 عاماً) في مدينة عكا، أعربت فيه عن "غضبها واستيائها العارم" من الأحكام القضائية "الظالمة والمجحفة" التي أصدرتها سلطات الاحتلال "الاسرائيلي" بحق أبنائها، والتي ستصدر مثيلاتها لاحقاً بحق بقيّة المعتقلين. وأجمعت العائلات على أن أداء القيادات المحلية، وفي مقدّمتهم أعضاء "الكنيست" العرب، "لم يكن بالمستوى المطلوب والمرجو تجاه ملفات أبنائها المعتقلين"، متسائلة عن شكل المستقبل الذي ينتظر المحكومين بعد قضاء أحكامهم العالية التي تراوحت من أشهر إلى عشر سنوات.

وتحدثت العائلات عن المعاناة والظروف التي قاساها أولادها في السجون، وعن زجّهم في معتقلات بعيدة جداً عن أماكن سكناهم، يحتاج الوصول إليها لساعات سفر طويلة (أحياناً يوماً كاملاً للذهاب والإياب)، خصوصاً أولئك الذين زُج بهم في سجن "ريمون" في صحراء النقب المحتلة. ورأت العائلات أن ذلك الإجراء "سياسي يهدف إلى الحدّ من زياراتها أبناءها"؛ إذ أشار والد أحد المعتقلين إلى أنه لم يزر ابنه منذ نصف سنة بسبب بعد السجن، فضلاً عن التكاليف الباهظة التي تحمّلها الأهالي وحدهم على المستويَين المادي والمعنوي، وخسارة بعضهم لأرزاقهم كتدفيع ثمن لدفاع أولادهم عن بلداتهم وقراهم ومدنهم بوجه هجمة المستوطنين.

إلى ذلك، لفتت العائلات إلى أن مؤتمرها يأتي بعد فرض أعلى حكم إلى الآن على المعتقل أدهم بشير، واحتجاجاً على الأحكام العالية التي صدرت سابقاً، والمتوقع صدور مثيلاتها تباعاً، آملةً أن تتمكن من تسليط الضوء على قضيتهم، وتلفت أنظار المسؤولين الفلسطينيين، وفي مقدمتهم نواب "الكنيست" العرب، وأعضاء "لجنة المتابعة" ورئيسها، فضلاً عن الحراكات الشبابية والشعبية الوطنية، إلى القضية.

 

disqus comments here