حكاية الشهيد عمار مفلح

تقول حكاية الشهيد عمار مفلح إن لكل شيء مرة أولى. لأن عمار من قرية أوصرين الذي استشهد على أرض بلدة حوارة، قد اعتقل للمرة الأولى قبل أن يتم الثالثة عشرة من عمره. بعدها اعتقل أربع مرات متوالية وأصيب في أكثر من مواجهة، بالرصاص الحيّ مرة، وبالرصاص المطاطي مرات ومرات.
وتقول الحكاية، ولكل شهيد سرديته الخاصة، إن عمار كأسير سابق في سجون الاحتلال، أخذ حصته كاملة من التعذيب والضرب والشبح والركل والإذلال، وإن كبرياءه ما كان ليسمح له بالمزيد من العنصرية والظلم، فالجميع يقول ويشهد بأن الشهيد يتمتع بجبين مرتفع وأنفة أصيلة كفلسطيني أصيل لا تنحني هامته إلا في أوقات الصلاة، وبأنه واجه كل أشكال التعذيب دون أن يُسمع صوت وجعه، كان يقابل التعذيب بنظرة حادة تصيب من أمامها بالتضاؤل.
ويُقال أيضاً، إنه ذهب إلى حوارة مدفوعاً بموازين قوى ربّانية، فمضى إلى غايته محملاً بأشواقه الجارفة لأشياء غير محددة التفسير، على الأغلب الشوق إلى ردّ الصاع الذي تلقاه في السجن بصاعين من خارجه، ضمن موازين قوى أرضية ضمن معادلة فلسطينية مجربة بأن اليد يمكنها أن تناطح المخرز.. مضى إلى غايته ممتشقاً شجاعته وأحلامه التي ما زالت متروكة في المكان تنبض.
وتستكمل الحكاية نفسها، بأنه حمل معطفه وارتدى نظارته واحتضن أمه ومسح على جدران بيته وخرج مودِّعاً؛ لأن الفلسطيني لا يخرج دون وداع وتوصيات، فالاحتمالات كثيرة خلف الباب.
مضى كأنه أرق وأعذب من أي شيء وأعنف من كل شيء، وتقول الحكاية إن عمار  حاول عدم استعجال لحظته الأخيرة، بل حاول جاهداً تخليص نفسه من الجندي ذي القسمات الوحشية، الذي خرج في رحلة صيد شهوانية لممارسة القتل في العتمة.
وتقول الحكاية أيضاً: لم يكن عمار من عشاق الألم ولا يهوى تعذیب الذات، ولا يستدرج الكاميرات، فما كان لكبرياء وعنفوان عمار ليسمحا لهما بالظهور على الشاشات، لكن رائحة الدم هي من استدرجت العدسات واللواقط لتسجيل لقطة مؤسطرة، لا يمكن أن تبارح الذاكرة.
أكان عليه في هذه الحال أن يهرب من الاعتقال والألم.. أم یجب عليه أن يحتضن الألم الشريف ويخبئه في حنایا قلبه ووجدانه ويحكي للعالم صورة أنقى وأوضح لما هو الحال تحت الاحتلال الذي يُكتب عنه القانون الدولي بأناقة النصوص والحروف.
فما كان من عمار إلا أن يظهر خواء نصوص تتحدث عن العنف المفرط أو استخدام الاحتلال القوة المفرطة، بل أراد أن يظهر للعالم المتواطئ كيف تعمل قوانين تجيز القتل في حال الاشتباه بالتعرض للخطر، دون خطر..فكان له ما أراد حيث رأى العالم أي خطر تعرض فيه الجندي المعلَّب لجسارة قبضة حرة قامت بدفع القيود عنها.
ما لم تقله الحكاية، كل ما في الأمر أن الشهيد شعر بالنقصان وبالحاجة إلى ملء هذا النقصان لنفسه ولشعبه. وكان مستعداً لدفع الثمن الغالي المطلوب وتسدیده بعملة الموت، وقال فلیكن وأردفها بقوله كفى..
ونحن نقول: إن الموت لا يليق بعمار مفلح، الموت لا يليق بماكينة الحياة، فهو لم يحمل روحاً تساوم وبقي على كلمته حتى اللحظة الأخيرة، فمات مثل الفارس الذي زهد بالحياة لكنه قام بترك بيانه المستحيل بدمه.
لقد أصر ألا يغادر الذاكرة، سيبقى يقاتل حتى النفس الأخير.
 

disqus comments here