عدد العمليات الفلسطينية في العام 2022 الأعلى في العقد الأخير: شبه انتفاضة

في ظل الاضطرابات السياسية التي أحاطت بتشكيل الائتلاف اختار الجيش الإسرائيلي، أول من أمس، أن يرسل رسالة للحكومة القادمة. تقدير الموقف المقتبس في هذه الأثناء بتوسع في وسائل الإعلام يقول إن الوضع في الضفة الغربية يحتدم. فعلى الأرض ضعفت سيطرة السلطة الفلسطينية، ويتم الشعور بميل ثابت من التصاعد في حجم العمليات "الإرهابية"، منذ بدأت الموجة الحالية في آذار الماضي.
القيادة العليا غير متفائلة، وهناك خوف من تصعيد آخر. الرسالة بناء على ذلك هي: يجب الحذر، فالوضع حساس. وما قيل بالإشارة في وسائل الإعلام، بالتأكيد سيقال بشكل واضح أكثر في غرف الاجتماعات بعد أداء الحكومة لليمين.
هذه الصورة معروفة جيدا أيضا لرئيس الأركان، أفيف كوخافي، ولوريثه، هرتسي هليفي، الذي سيتولى منصبه بعد شهر ونصف الشهر تقريبا.
حجم العمليات هو الأعلى منذ موجة عمليات الطعن والدهس في شتاء 2015 – 2016. عدد القتلى في هذه السنة، لا سيما في الطرف الفلسطيني، يحطم رقما قياسيا منذ نحو عقد. وتجد السلطة الفلسطينية صعوبة في السيطرة، لا سيما في شمال الضفة، وتعد قيادتها نفسها للمعركة على وراثة محمود عباس. ما زال التنسيق الأمني مع إسرائيل يعمل بشكل جيد، لا سيما في الأماكن التي توجد فيها للسلطة مصلحة في المس بنشاطات أعدائها من الداخل، "حماس" و"الجهاد الإسلامي".
في المقابل، يتم الشعور بزيادة أعمال "الإرهاب" والعنف لليهود في الضفة. لا يدور الحديث فقط عن عمليات "تدفيع الثمن"، فيها تم إحراق وتخريب ممتلكات فلسطينية بعد عملية دموية، بل أيضا من داخل حدود الخط الأخضر يخرج سكان من مستوطنات قديمة من أجل رشق الحجارة على السيارات الفلسطينية في شوارع الضفة.
كل ذلك يخلق واقعا حساسا، يندمج مع الخطوات السياسية التي ترفع إلى الحكم في إسرائيل حكومة فيها ستعطى للمرة الأولى مكانة قوية لأحزاب اليمين المتطرف.
رغم عملية العبوة الصعبة في القدس، الأسبوع الماضي، التي قتل فيها إسرائيليان، فإن الخوف الفوري في الجيش ليس من العمليات "الانتحارية"، بل إن ما حدث في السابق بمساعدة الحجارة أو موجة السكاكين في 2015 ينتقل الآن إلى استخدام كثيف للسلاح الناري.
السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك الجيش، غفت طوال سنوات إزاء موجة تهريب السلاح الذي وصل جزء كبير منه من الأردن. والسهولة غير المحتملة في الحصول على البنادق والمسدسات تملي نتائج قاتلة، في الضفة وحتى في القرى العربية في إسرائيل أيضا.
شبه الانتفاضة الحالية، التي حتى الآن لا أحد يسميها باسمها، تظهر وكأنها موجودة هنا لتبقى. يجب ألا تتطور إلى حجم موجة العمليات "الانتحارية"، بل يكفي أن "الإرهاب" سيستمر بالوتيرة الحالية من أجل أن يبقى في الضفة وفي خط التماس جزء كبير من القوات النظامية للجيش الإسرائيلي، والمس بشكل شديد بالتدريبات والاستعدادات للحرب. هذا حدث في وقت سابق في هذه السنة، إضافة إلى استدعاء غير مخطط له لعشرات كتائب الاحتياط للخدمة.
في السنة القادمة يتوقع أن تنتقل معظم كتائب الاحتياط في التشكيلة القتالية إلى الضفة الغربية، خلافا للنوايا المعلنة لهيئة الأركان تخفيف العبء الأمني المستمر على رجال الاحتياط، وهذا واقع ستكون له آثار معنوية واجتماعية واقتصادية.
مواجهة مستمرة تستنزف وتسلب الاهتمام والموارد من الجيش كما حدث في الانتفاضة الأولى. وستبرز إلى السطح الخلافات السياسية والأيديولوجية. كل هذه الأمور، إلى جانب خطر تفكك السلطة الفلسطينية وتطور الفوضى في الضفة، تحتاج إلى إدارة حساسة ودقيقة وحذرة في استخدام القوة، وهذا ما كان يريده الجيش. من المشكوك فيه أن يكون هذا هو ما سيحصل عليه إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من أصدقائهما.


فضيحة
ثمة إشارات أولية إلى ما سيأتي بعد أحداث نهاية الأسبوع الماضي في الخليل. جندي من جفعاتي تم توثيقه وهو يضرب بشكل مبرح ناشطا من اليسار. صديقه يشرح للكاميرا بأن هذا سيكون الواقع الجديد الآن عندما سيكون بن غفير في الحكم. "أنا الذي أقرر القانون هنا"، قال. رد الجيش بتوقيف الجنديين، وهذه عقوبة ضبابية بدرجة معينة لمن لا يشغلون وظائف قيادية. أرسل رئيس الأركان، أفيف كوخافي، رسالة مفصلة للجنود، وقال فيها كل الأمور الصحيحة التي يجب أن تقال في مثل هذه الظروف. للأسف أنها لم تنشر قبل فترة طويلة، بعد أحداث مشابهة، تم فيها ضرب نشطاء من اليسار وفلسطينيين.
بخصوص رئيس الأركان فإنه من المثير إذا كان الآن يندم على أنه ادخل رأسه في هذا المرجل الساخن.
بنيامين نتنياهو، الذي بعد فترة قصيرة ستعود هذه الفضيحة إلى إدارته، تجنب بشكل غير مفاجئ أي تطرق للأفلام من الخليل. نجله العزيز في المقابل عاد وهاجم كوخافي للمرة الثانية خلال بضعة أيام. بطريقته المعروفة، التي سبق وكلفته دعاوى تشهير رفعت ضده، فان يائير نتنياهو غرد مجدداً تغريدة دعا فيها كوخافي إلى أن يدس "الرسالة المخزية والقيم الرسمية المحطمة عميقاً في مؤخرته".
وزير الدفاع المكلف، يوآف غالنت، الذي بتجمع مدهش للظروف وتحول فجأة إلى الأمل الكبير لمن يدعون إلى الاستقرار في الجيش، يحافظ على الصمت. هذا ليس الوقت المناسب للتعثر بتصريح رسمي زائد وتعريض تعيينه المأمول للخطر.
تدعو هيئة الأركان العامة، كما قلنا، إلى الحذر. الجنود، الذين صوت تقريبا ثلثهم في الانتخابات الأخيرة لأحزاب اليمين المتطرفة و"شاس" الأصولي، أصبحوا الآن يحللون هم أنفسهم الواقع الجديد على الأرض.
إحساسهم، وكما يبدو أحاسيس جزء كبير من الجمهور، مع جنود جفعاتي المتورطين، بالضبط مثلما مع اليئور أزاريا في 2016، أو مع الذي اشتهر بأنه "دافيد من الناحل"، قبله بسنتين (حدثت جميع هذه الأحداث في مساحة بضعة كيلومترات في قلب الخليل).
ما الذي يفهمه من كل ذلك القادة في المستويات المتوسطة في الضفة الذين يوجدون في رتب بين قائد فصيل وقائد فرقة؟ حاول كوخافي، بصورة جديرة بالتقدير، إغلاق أبواب الإسطبل في نهاية الأسبوع. الآن يجب عليه أن يعيد العد من أجل التأكد من عدد الخيول التي بقيت في الإسطبل. إدارة التوتر اليومي في "المناطق" سترافق نهاية ولايته، وبصورة أشد بداية ولاية وريثه، هرتسي هليفي.

اليسار سيصوت بالأرجل
ستكون للواقع السياسي الذي يلوح في الأفق تداعيات أيضا على طبيعة التجند في الجيش الإسرائيلي، وبالتأكيد إذا نجحت النية الحريدية في أن تلغي وبشكل نهائي خططاً للتجنيد الجزئي لطلاب المدارس الدينية، وإذا ظهرت في الكابينت الجديد مجموعة كبيرة من الوزراء الذين لم يخدموا في الجيش أبدا، أو اكتفوا بخدمة مريحة وقصيرة، لهم ولأبناء عائلاتهم. على الفور بعد نتائج الانتخابات انتشرت في المعسكر المناوئ لنتنياهو ردود تدعو إلى الهجرة من البلاد.
هذا رد متطرف يحتاج إلى تغيير كامل في الحياة، وهذا بالنسبة للأغلبية الساحقة من الأشخاص هو أمر غير قابل للتطبيق.
في المقابل، تشجيع الابن الجندي في هذه السنة على أن يختار مسارا عسكريا قليل الخطر، بالأساس إذا استمر التوتر في "المناطق"، يظهر كسيناريو واقعي أكثر بكثير. توقفتُ كليا عن إحصاء عدد الأشخاص الذين سمعت منهم مثل هذه الأقوال منذ الانتخابات. في معظمهم كانوا من خريجي الخدمة القتالية الكاملة، واحيانا كانت لهم خدمة ممتازة.
هذه ليست ظواهر جديدة بالطبع. فاليسار بدأ يصوت بالأرجل ويقلص خدمته الفعلية القتالية العادية منذ الثمانينيات، حول الخلافات على حرب لبنان الأولى والانتفاضة الأولى. اشتدت هذه التوجهات في نهاية الانتفاضة الثانية، في منتصف العقد الأول لسنوات الألفين. جزء كبير منها كان مرتبطا باعتبارات اجتماعية – اقتصادية (مثل الأفضليات التي سيحصل عليها من الخدمة في الوحدة 8200 في الحياة المدنية) وليس في السياسة.
الآن يمكن أن تعود هذه التوجهات بشكل أقوى وستلتقي مع قيادة عملياتية على مستوى قادة الكتائب والألوية، الذين جاء عدد كبير منهم (الثلث على الأقل) من الصهيونية الدينية.
ما زالت توجد عوامل جذب تعمل أيضا بالاتجاه المعاكس، تشجع على الخدمة القتالية، مثل المدارس التمهيدية قبل الخدمة العسكرية وسنة الخدمة لخريجي حركات الشبيبة، والحماس الطبيعي لأبناء 18 للوحدات التي يوجد للخدمة فيها بعد من النشاطات والمخاطرة وحتى المغامرة. ولكن على المدى البعيد فإن اتجاه الأمور واضح. يجدر أن تكون قيادة الجيش على علم بذلك.
في الوقت نفسه يتوقع حدوث عملية أخرى، من الاحتكاك المتزايد بين قوائم الائتلاف الجديدة وبين القيادة الأمنية في الجيش وفي الشرطة وفي "الشاباك" بصورة تذكر بما يمكن أن يحدث كما يبدو حتى قبل ذلك في المحاكم وفي النيابة العامة.
هذا يمكن أن يحدث أسرع مما هو متوقع: موظفون أو ضباط أو شخصيات رفيعة ستضطر إلى أن تسأل نفسها ما هي حدود الامتثال لتعليمات الحكومة المنتخبة بصورة قانونية والى أي درجة يوافقون على الامتثال لها.
في هذه العملية، مثلما في أي دولة أخرى مرت بذلك، سيكون هناك أشخاص سيصدمون ويمتثلون، وسيكون هناك من سيعيدون اكتشاف عمودهم الفقري. جميعهم لن يبقوا في مناصبهم سنتين أخريين.

 

disqus comments here