من دروس قرار التقسيم

بمرور 75 عاماً على قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة في العام 1947 يوم 29 تشرين الثاني إقامة دولتين: يهودية وعربية فلسطينية على أراضي "بلاد إسرائيل"، يجدر فحص الفعل وآثاره. كان قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة من الأفعال البارزة للمنظمة على مدى فترة وجودها. فقد كان تدخل الأمم المتحدة في النزاع إشكاليا في كل حال، إذ إن قدرة إنفاذ قراراتها كانت متعلقة بالطبع ليس فقط بقدرتها على خلق "أغلبية" حقيقية في الجمعية العمومية، بل أيضا في التركيبة الدقيقة لـ "الأغلبية".
ليس مثلما في مجلس الأمن، فلم يكن حق "فيتو" لأي دولة في الهيئة العامة للمنظمة، وعليه فظاهرا كان ثمة شك في مدى قدرة المنظمة على تنفيذ القرارات.
وكان ثمة شك بخاصة حول تصويت الولايات المتحدة: لم يؤمن وزير الخارجية الأميركي، جورج مارشل، وهو من أبطال الحرب العالمية الثانية، بأن الحاضرة اليهودية في فلسطين يمكنها أن تبقى على قيد الحياة أمام هجمة منسقة لجيران الدولة الجديدة التي يفترض بها أن تقوم لتوها. وأيد تأجيل القرار فترة من الوقت، وربما إقامة حكم "وصاية دولية" لفترة انتقالية.
رفضت بريطانيا هذه الفكرة، التي أمسكت بالحكم على "بلاد إسرائيل" بقوة "انتداب" عصبة الأمم، التي سبقت منظمة الأمم المتحدة التي تأسست مع نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1946. بعد أن أوصت لجنة فحص الأمم المتحدة بإقامة دولتين، سارعت لندن للتخلص من عبء وجود الحكم البريطاني.
نشدد هنا على أن قرار الجمعية العمومية فاجأ الكثيرين من جوانب عديدة. كان امتناع بريطانيا مفهوماً. لكنّ تأييد روسيا السوفياتية، "الاتحاد السوفياتي" فاجأ جدا. فالستار الحديدي كان أسدل على شرق أوروبا، وقُطع يهود الاتحاد السوفياتي عن العالم الحر. شهد الجمهور ضغطا شديدا من جانب ستالين، وقُتل عدد كبير من علماء ومفكري الشعب اليهودي في هذه الفترة الظلامية.
أيدت روسيا قرار إقامة إسرائيل وليس هذا فقط، بل هرعت لمساعدتها بشكل مكثف في المعركة التي كانت ستذكر في المستقبل كـ "حرب استقلال الشعب اليهودي".
فقد زودتها بالسلاح الذي تضمن سلاحا خفيفا وذخيرة وفيرة، وعتادا أكثر بل طائرات قتالية، وإن كان بعدد غير كبير، لكن كمية حقيقية.
أصبحت تشيكوسلوفاكيا دولة وسيطة من جانب الاتحاد السوفياتي. وكان موقف الولايات المتحدة معاكسا، فقد فرضت حظر سلاح، و"إغلاقا كاملا" على تصدير السلاح الأميركي إلى إسرائيل. واعتقل بعض اليهود على نشاطهم وحكموا لفترات من السجن.
رغم هذه المعارضة من جانب الإدارة الأميركية، فإن رئيس الحكومة المؤسس، دافيد بن غوريون، تغيب عن إسرائيل يوم الاستقلال الثالث للدولة لأنه سافر إلى واشنطن إلى لقاءات مع الرئيس الأميركي، الجنرال دويت آيزنهاو، كي يعلن أمامه أنه في الصراع العالمي بين الكتلة السوفياتية والكتلة العربية برئاسة الولايات المتحدة تقف إسرائيل إلى جانب زعيمة الديمقراطية في العالم. في تلك المناسبة التقى بن غوريون مع رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية، الجنرال وولتر بيدل سميث، وأقام العلاقة التي ستصبح لاحقا ذات مغزى كبير لإسرائيل منذئذ وحتى هذا اليوم.
اتضحت هذه الانعطافة السياسية للزعيم الروسي ستالين، فغير سياسة بلاده تجاه إسرائيل، وعلى مدى ثلاثين سنة وحتى بضع سنين من حرب "يوم الغفران" في 1973 حاول الروس وفي بعض الحالات نجحوا أيضا في تجنيد أو إدخال عملاء في مناصب مهمة داخل إسرائيل. إضافة إلى ذلك قطعت روسيا علاقاتها مع إسرائيل في ذروة حرب "الأيام الستة" في 1967. ولم تستأنف هذه العلاقات إلا بعد 30 سنة.
في عودتنا إذاً إلى أيام 29 تشرين الثاني في حينه، وفي استطلاع بعض التقلبات التي أحصيتها، من المهم أن نتذكر أنه لا يوجد استقرار مضمون في عالم العلاقات الدولية وأن الأعداء والأصدقاء قد يتبدلون برمشة عين.
من كل المواضيع المتفجرة على جدول أعمالنا المليء حتى التعب يجب أن نتذكر أن قرار 29 تشرين الثاني حدد حدود تقسيم بين الدولتين: إسرائيل وتلك التي كان يفترض أن تقوم إلى جانبها. كما أنه حدد بأن تفصل القدس وبيت لحم إلى منطقة منفصلة بمكانة دولة مستقلة. حتى هذا اليوم تلتزم روسيا والولايات المتحدة على حد سواء بصيغة ما تعطي إسرائيل والفلسطينيين مكانة في القدس. لا الرئيس بايدن ولا الرئيس بوتين تراجعا عن ذلك حتى يومنا هذا. يجدر بالحكومة الجديدة التي ستقوم أن تأخذ هذا المعطى في اهتمامها.
 

disqus comments here