الكنيست الخامسة والعشرون: إسرائيل استعمارية، يهودية، متطرفة، وليبرالية

يمكن القول إن أفضل ما نبدأ به تحليلنا لنتائج الكنيست الخامسة والعشرين هي الرسالة التي وجهها (بن جفير) إلى ما يسمى باليسار الإسرائيلي في صحيفة (يسرءل هيوم) قائلاً: “أصدقائي في اليسار: نحن أخوة. نعم رغم الجدل، رغم الحملات الانتخابية الأربع التي أدت إلى استقطاب الخطاب وشحذ الاختلاف والانقسام. وبالرغم من الشيطنة والكراهية فنحن أخوة رغم كل هذا”.

نعم هم أخوة حقيقيون وفاعلون، ومصدر هذه الأخوة ليست علاقات النسب والعلاقات الاجتماعيّة الأخرى التي تتكون في المجتمعات وتكونها، بل بفعل علاقة الدم الوهميّة، “جمع يهوه النوعي/ شعب الله المختار”، التي تتجاوز صيرورة التاريخ والحدود الجغرافية والواقع الاجتماعي.

وقد أثبتت أحداث تاريخ الحركة النازية في الحرب العالمية الثانية مدى خطورة هذا الشكل من الأخوة وقدرتها التدميرية على من يتبناها والآخرين. وأخوة (بن جفير) هي وحدة حال اليهود، اليمين واليسار، على حدّ سواء. فوحدة الحال هذه كان جوهرها ولا يزال مواجهة العرب في “أرض الميعاد” وعليها. صحيح أن هناك فروقات في التوجه والمعاملة السياسية أثناء ‘السلم’، لكن أخوتهم الحقيقية تتجلى أثناء الحرب بضرورة سحق العرب والانتصار عليهم بأي ثمن. هذا ما خبره العرب على أرض الواقع خلال فترة استعمار اليهود لفلسطين.

 

يختلف الأخوة اليهود كما يختلف الأخوة العاديون، فهم يتلاسنون، يبهدل أحدهم الآخر، وأحياناً تلقي جماعة منهم زجاجات البيرة الفارغة على جماعة أخرى  دون أن تجرح أي أخ منها. هذا عمليّا ما فعله “فيلسوف الدم”، البروفيسور (آسا كشير)، حينما غضب من “شعبه”، أخوته وأقاربه، صرخ بوجههم “أنتم لستم شعبي [أخوتي]”(صفحته على الفيسبوك)، لأنهم انتخبوا قوائم اليمين اليهودي المتطرف الذي يجنح بعضه نحو النازية والفاشية. فـ(كَشير) الذي صاغ (الكود الأخلاقي للجيش) فوجئ من سلوك أخوته الذين لم ينهجوا النهج الذي اختطه لهم هو وأمثاله (التنكيل وقتل العرب وفق كود أخلاقي يهودي) فقام بالخروج إلى الشرفة وفي يده كتاب وتف في وجوههم وبهدلهم بصوت مرتفع قائلاً: “فضحتونا يا نَوَر، خَزيتونا بين الجيران والحارة- عيب عليكوا. انضبّوا! لأنهم أعلنوا عن فاشيتهم ونازيتهم أمام العالم (مشّ أكثر من هيك!) والذين سارعوا من العرب إلى ترجمة أقوال (كشير) وتعميمها في كل وسيلة إعلام ممكنة، معتقدين أنه سينتقل إلى يسار ساطع الحصري، وميشيل عفلق ووليد قزّيها، للتنظير للوحدة العربيّة- هؤلاء هم الواهمون. بالمناسبة: أخوة (كشير) هم ليسوا كـ(الأخوة الأعداء) عند (كزانتزاكيس) الذين حسموا خلافاتهم في معركة دموية استمرت سنين طويلة (روايته “الأخوة الأعداء” هامة جداً في وصف وفهم حرب الأخوة، أو الشعب الواحد).

في معرض ردّها وقبول التماس “التجمع الوطني الديموقراطي” إلى المحكمة الإسرائيلية العليا ضد شطبه من القوائم الانتخابية للكنيست دافعت (القاضية إستير حيوت رئيسة المحكمة) عن هذه الأخوّة قائلة: “هذا القانون الإشكالي للغاية [تقصد دولة كل مواطنيها] هو خروج عن القوة إلى تطبيق الشروط التي تقوض الأسس الأساسيّة الدنيا لوجودنا كدولة يهودية [إسرائيل كدولة الأخوة اليهود]”. ثم هددت كل من يجرؤ على الاقتراب منهم وتحديهم قائلة: “نظرت بصعوبة شديدة إلى اقتراح هذا القانون، فلو لم يتنافسوا والقوائم الأخرى التي منعتهم من الاستمرار في السير على هذا النهج [تقصد في القائمة المشتركة]، عندها يجب التفكير هل تجاوز [التجمع] الحدود، لأنه دائماً على الحدود […] ويمارس نشاطه على الحدود [من تجاوز القانون]” (ع. ب 22/ 6668 بتاريخ 6. 10. 2022). فـ(حيوت) التي تبشرنا بديموقراطيّة (شتراوس) الدمويّة، تنتمي إلى إحدى عشائر اليهود، ولا يهم أية مؤسسة تمثل، تأخذ دورها إلى جانب هؤلاء الأخوة للحفاظ على وحدتهم و’فرادتهم’ الموهومة، علماً أن القانون الذي تدعي تمثيله والحفاظ عليه يجب أن يكون عاماً يظلل الجميع بالتساوي. بهذا تكون المحكمة العليا – لنقل اليهودية- هو الجهاز القضائي الذي يمنع العرب من المطالبة “بالمساواة” وإلا ستعلن عن نشاطهم هذا بأنه غير قانوني، وعندها ستتكفل شرطة أخوها (أيتمار) بمطاردتهم، الذي قد يستعين بجيش أخيهم (يوآف) لقمعهم والسيطرة عليهم. هذا ليس مبالغة أو ضرب من الخيال فالجيش كثيراً ما ساند الشرطة وحرس الحدود في عمليات قمع العرب كان آخرها في شهر أيار 2021 خلال معركة سيف القدس.

انتهت انتخابات أخوة (بن جفير)، (كشير)… و(حيوت) بفوزهم كلهم. فمن مجموع 120 عضواً في الكنيست فازوا بـ110 (أبقوا لفلول الـ(جوييم) العرب (وشريكهم اليهودي عوفر كاسيف) 10 مقاعد فقط. توزع الأعضاء اليهود وفقاً لما هو متعارف عليه في الخارطة السياسية الإسرائيلية على، 32 لـ(ليكود)، 14 للصهيونية الدينية، 12 لجماعة (جانتس)، 11 لـ(شاس)، 7 لـ(يهدوات هتوراه) و6 أعضاء لجماعة (ليبرمان)، أي أن 82 عضواً يحسبون على اليمين الصرف، و24 لجماعة (يئير لبيد) المصنفين من اليمين الوسط، و4 لحزب العمل المصنف يساريً، وفقاً للفهم (الإسرائيلي). أي: يهود- يمينيون- متطرفون، مقابل يهود- يمينيون- ليبراليون. في الحالتين لا توجد فروقات كبيرة بينهما في حياة مجتمع المستوطنين، وهم موحدون بسياستهم تجاه العرب.

دفع هذا الفوز غالبية الكتاب في الصحافة اليومية لشرح وتحليل لماذا وكيف حصل الفوز الذي على ما يبدو- فقط على مايبدو- فاجأ جماعة لا بأس منهم. بعضهم قرأه في سياقه المحلي الذي توزع على ما هو تاريخي والعودة إلى ما كتبه (يشعياهو لايبوفيتش) تداعيات انتصار اليهود بعدوانهم سنة 1967 (…). والبعض الآخر قرأه في سياق السياسة العنصرية التي انتهجتها الكيان منذ عدوان سنة 1967. كما أن بعضهم تحدث عن التمييز الواقع على عرب 48. لكن المفاجأة كانت مفهومة عند الكاتبة (تمار كبلنسكي) في مقالها الموسوم (لا علاقة للعنصرية باليمين)، “لأنها جزءٌ لا يتجزأ من DNA هذا المكان”، haaretz.co.il, 7.11.2010). أما السياسي (أبراهام بورغ) الذي قال: “انا لا أفهم ذلك. استقيظتم الآن؟ عناوين كثيرة كانت على الجدران لفترة طويلة. من كريات أربع إلى مجمع الحكومات. من البئر في تل أبيب الذي تنطلق منه آلية القمع إلى حفرة القاع المظلم في نفوس “المتفوقين اليهود” التي تديم الظلم” ( (haaretz.co.il,11.11.2022. نعم، (بورغ) لا يفهم سبب المفاجأة لأنه واحد من سلالة الذين أنتجوا العناوين الكثيرة التي كانت على الجدران. فالمذكور كان من صُلْب نخبة تجمع (المعراخ) والكيان الذي اقترف كل الجرائم ضد عرب فلسطين. سؤال: لماذا لا يقوم فرسان النضال الشعبي والبرلماني برفع قضية جنائية سياسية ضد (بورغ) في موسكو على الجرائم التي أرتكبها أثناء تويله منصب رئيس الوكالة اليهودية (1996- 1999)، خاصة إذا علمنا أن طريق الوكالة في روسيا انتهت، وتعمل الوكالة هناك على ألّا يتم تجريمها لذا قررت إنهاء نشاطاتها هناك والانسحاب دون ضجّة معهودة لليهود؟

يحاول (حبيب رتيج جور) تفسير ظاهرة وواقعة صعود اليمين الفاشي في الكيان منطلقاً من مستوى الكل العالمي. يقول: “من الصعب عدم ربط صعود إيتمار بن جفير بالإقبال المذهل البالغ 41٪ لمارين لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية، أو بفوز الأحزاب السياسية الفاشية السابقة في إيطاليا في سبتمبر أو بسياسة اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والمجر وأماكن أخرى. يبدو أن عناصر اليمين المتطرف، الذين يعلنون الآن أنهم معتدلون، آخذون في الازدياد في كل مكان”. ويضيف: “تمت مناقشة أسباب ذلك على نطاق واسع في السنوات الأخيرة، بدءا من التحذيرات حول “تراجع الديمقراطية” إلى التشخيصات الأكثر تعاطفاً التي ترى التطرف كرد فعل لفشل المؤسسات الوطنية والعابرة للحدود الوطنية الضعيفة في الاستجابة لاحتياجات الجمهور ومخاوفهم” (zman.co.il, 8.11.2022). نعم هذا صحيح، لكنه ليس السبب، بل نتيجة لانهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في تسعينات القرن الماضي التي شكلّت أكبر قوّة وازنة في القرن العشرين (على علّاتها) ضد تغوّل الإمبريالية العالمية التي اعتقدت أن حقوق العاملين ودولة الرفاه الاجتماعي في الدول الأوروبيّة في فترة الصراع مع الاتحاد السوفياتي كانت مِنّة منها وليست حقوقاً ماهوية لهم. لذا ومع الانهيار المدمر والمريع سارعت إلى جدولة عملية سرقة هذه الحقوق وعملت على إضعاف وإفشال وتفكيك المؤسسات الوطنية ليحلّ محلها ليس شركات الإنتاج الفعلي العابرة للحدود الوطنيّة والقوميّة، بل شركات المعلوماتيّة التي بات همّها صياغة وعي الإنسانية، وتدجينها ومراكمة الأرباح لقبول الواقع كما ترتئيه هي. لذا تحولت بعض المؤسسات الوطنيّة كالدول المُفقرة إلى كيانات تحت رحمة المقرضين والمرابين الدوليين (أقرأوا ما كتبه سمير أمين عن هذا الدمار). وأصبح تأثير الملياردير (إيلون ماسك) أكثر من تأثير بعض ممثلي دول كثيرة (…). في هذا السياق استفاد الكيان كثيراً. فقام بتجديد مستعمريه بنحو مليون مهاجر ومُستجلب من الاتحاد السوفياتي السابق يتوزع ناخبوهم على الأحزاب اليمينية المختلفة، إضافة لحزب (يسرائيل بيتينو/ إسرائيل بيتنا) الذي لا يزال يرأسه منذ تأسيسه سنة 1999 (أفيجدور ليبيرمان) الذي منع إقامة حكومة برئاسة (نتنياهو) بمشاركة العرب مرتين في الكنيست الثانية والعشرين التي حصل العرب فيها على 13 ممثلاً والثالثة والعشرين حينما حصلوا على 15 ممثلاً. في هاتين الفترتين وضع (ليبيرمان) “فيتو” غير قابل للحلحلة على مشاركة العرب في الحكومة. كما تحوّلت كل دول الكتلة الاشتراكية السابقة إلى مؤيدة للكيان في المحافل الدوليّة والإقليمية.

ويضيف (جور): “في إسرائيل، كما في البلدان الأخرى، جاءت الأصوات الجديدة التي تتلقاها القوى السياسية المتطرفة من المتطرفين، من السكان المهمشين. في حالة بن جفير، جاء العديد من ناخبيه من الجنوب، من أماكن لا يعتبر فيها الخطاب الإعلامي حول موجات الجريمة وتصاعد التوترات بين اليهود والعرب أمراً مجرداً ينتهي به المطاف في عناوين الصحف، بل مصدر خوف ومعاناة يومية”. يمكن التعقيب على هذا التحليل بالقول: نعم جزئياً؛ صحيح أن جزءاً من أصوات اليمين جاء من هذه المناطق للأسباب المذكورة. وكي لا يأخذنا (جور) على حين غرّة وفي غفلة من أمرنا نؤكد على ما يلي: عملت إسرائيل الاستعمارية الأشكنازية في سنواتها الأولى على صناعة وتصنيع الفقر والعداء للعرب عندما أسكنت أبناء الطوائف الشرقية (اليهود العرب) في ضواحي الكيان. دعونا نسمع ما يقوله (كوخافي شيميش، 1944- 2019) من مؤسسي حركة “الفهود السود” ومنظري النضال الشرقي في الكيان، وأحد مرشحي الجبهة في أواخر سبعينيات القرن الماضي: “يشكل الشرقيون رافعة معادية للعرب. إذا كان الجزء الأكبر من ميزانية الدولة موجهاً إلى الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني والدول العربيّة، فمن الواضح أن الكثير من أبناء الشبيبة وسكان الضواحي [اليهود الشرقيين] سيحاولون الاندماج في المؤسسة الأمنيّة” (/www.haokets.org/2015/03/10/). بالفعل هذا ما حدث كما أضفت في مقالي (الصراع الإثني في إسرائيل، 2020) قائلا: “يخدم الكثير من الشرقيين في الجيش والشرطة كضبّاط أو في الخدمة الدائمة في الشرطة، وفي مصلحة السجون و’المؤسسات الأمنيّة'”. ونضيف: من يتابع هذا الملف يمكنه ملاحظة ما يلي: في الستينات كان اليهود الشرقيون في منطقة مستعمرات غور الأردن هدفاً لعمليات الفدائيين الذين تسللوا من الأردن، وفي الثمانينات- التسعينات هدف المقاومة من لبنان في الجليل الأعلى، وبعد الانسحاب من غزة سنة 2005 تحولوا إلى هدف صواريخ المقاومة من غزة. بدا هذا أكثر وضوحاً في المواجهة الأخيرة (10- 21 أيار 2021) عندما كثفت المقاومة قصف مستوطنات جنوب فلسطين بالصواريخ، الأمر الذي اعتبره المحللون الإسرائيليون أكثر النقاط ضعفاً في الجبهة الداخلية للكيان”. تحولت هذه الحالة في سياسة اليمين الفاشي إلى شعار “انعدام الأمن الشخصي”، ولتجاوزها يتوجب عليها تعيين الجنائي- الإرهابي، (بن جفير)، المدان ثماني مرات بمنصب وزير للأمن الداخلي. حسب معطيات (المركز الإسرائيلي للديموقراطية) كانت نسبة المصوتين الشرقيين في الكنيست السابقة، الـ24ـ 58% لليكود و75% لشاس (https://en.idi.org.il/articles/39409). وتحولت هذه الجماعات فيما بعد في سياق الصراع الهويّاتي- الطبقي إلى كتلة صلبة تنتخب اليمين من الليكود إلى الأحزاب الدينية الأخرى، إضافة لها تشكلت في الكيان ثلاث كتل يمينيّة أخرى:

الكتلة الأولى- وهي جماعات المستعمرين في الضفة وغزّة التي بدأت تنتشر في تلك المنطقتين مع إقامة مستعمرة (ألون موريه) سنة 1976 في منطقة نابلس. وتتكون هذه الكتلة من التيارات الدينية الصهيونية، والجماعات الدينية الأصولية الأشكنازية والشرقيّة، والمهاجرين من الولايات المتحدة وفرنسا ويبلغ عددهم اليوم نحو 800 ألف. بات هؤلاء المستعمرون جزءاً عزيزاً في نفوس وعيون المستعمرين القدامى الذين يعتبرونهم مكملي درب المستعمرين الأوائل من الحركة العمالية الصهيونية حتى أن أتباع حزب العمل باتوا يشعرون بالذنب تجاههم، الأمر الذي يشرح أسباب ضعف حزب العمل واقترابه من الزوال من الخارطة السياسية (أنظروا كتاب: المستوطنون في القلوب: الذين ينجرفون إلى “الخلاص الآن” والخطوات المستقبلية/ نعيمه برزل 2017).

الكتلة الثانية- وهي جماعات المهاجرين الروس والأوكران وكانت غالبيتهم تصوت لحزب العمل، واليمين التقليدي كـ(الليكود)، إلى أن أقام (ليبيرمان/ إسرائيل بيتنا) حزبه. وصارت أصواتهم اليوم تتوزع على كتلة حزب (إسرائيل بيتنا) اليمينية الصلبة وتتراوح قوتها ما بين 6-8 أعضاء كما في الكنيست الأخيرة، كذلك على الليكود وجماعتي (جانتس) و(لبيد). وتكتسب هذه الجماعة أهمية كبرى خاصة وأن زعيمها هو القائد الأوحد فيها كان قد رفض رفضاً قاطعاً إقامة حكومة برئاسة (نتنياهو) يكون فيها الأعضاء العرب من القائمة المشتركة، في كل من الكنيست الثانية والعشرين والثالثة والعشرين.

الكتلة الثالثة- كشفتها نتائج الانتخابات الأخيرة التي تؤكد أن 20% من الجنود انتخبوا قائمة (بن جفير)، وأكثر من نصفهم انتخبوا أحزاب اليمين. هنا علينا أن نتذكر أن الضباط المتدينين يشكلون أكثر من 60% من قيادات الوحدات القتالية في الجيش، أكثر بثلاثة أضعاف نسبتهم من المستعمرين. على ما يبدو هذا يُفسر ولو جزئياً مساندة ودعم الجيش للمستوطنين في اعتداءاته على العرب في الضفة الغربيّة والسيطرة على أراضيهم، لذا توصف عصابات المُستعمرين من قبل بعض الجمعيات الحقوقية بـ”جيش الظلال”.

تتقاطع هذه الكتل في أماكن التواجد الجغرافي والمكانة الاجتماعيّة المتوسطة والمتدنيّة والخلفية الإثنية وفقاً لمعطيات (المعهد الإسرائيلي للديموقراطية) الذي أشرنا إليه أعلاه، ويمكن القول إنهم يشكلون الرافعة الاستيطانية لليمين في الضفة الغربيّة. كيف؟ يعيش قطاع كبير من هذه الكتل في ضواحي البلاد، أو أحياء الفقر، كما كانت تسمى حتى ثمانينيات القرن الماضي. وتعاني غالبيّة أسرهم من ضائقة سكنيّة ولا يمكنها شراء شقق جديدة لارتفاع أثمانها. لذا تُصبح مستعمرات الضفة الغربيّة المدعومة من قبل الكيان وكل المؤسسات اليهودية والصهيونية في العالم أماكن جذب للسكن بأثمان معقولة، لا وبل رخيصة لدى أبناء الطبقة الوسطى الذين يبحثون عن السكن في مناطق ريفية كالضفة. لهذا الغرض أقام الكيان ويعمل على شبكة قطارات لتعبئة هذه المستعمرات ليكون بمتسع المستعمرين السكن فيها والعمل في المدن الكبيرة كالقدس وتل وأبيب وحيفا (أنظروا مقالي، شبكة قطارات لتوسيع وتعبئة مستعمرات الغور 2012). أي أن مواصلة استعمار الضفة الغربيّة بات ضرورة حيوية لقطاع كبير من العائلات الشابة الاستعمارية التي باتت قوى يمينية تدافع عن مصالحها. لذا كان تصويت هؤلاء المستعمرين جارفاً للأحزاب اليمينية التي تؤيد الاستيطان والتي حصلت في الانتخابات المذكورة على 64 عضوا لمعسكر (نتنياهو) و5 أعضاء آخرين لجماعة (ليبيرمان). علينا أن نؤكد أن بقية الأحزاب من اليمين الصرف ويمين الوسط- في التسميات الإسرائيلية- لا تعارض الاستيطان، بل تعطف عليه وتشجعه. لذا يمكن القول إن غلاء الأثمان العالية جداَ وغير المنطقية للعقارات هي سياسة تنتهجها الحكومة لدفع عديد من الناس إلى الاستيطان في الضفة الغربيّة (أنظروا: أنماط التصويت: 2022 مقابل 2021، عوفر كينج https://www.idi.org.il/articles/46440).

خسرت حركة (ميريتس) “اليسارية”، وفقاً للمفاهيم “الإسرائيلية”، أو الليبرالية فعلا، أعضاءها الستة في الكنيست السابقة، الـ24، ولم تتمكن من عبور نسبة الحسم في الكنيست الحاليّة، لأنها انتهجت سياسة يمينية عندما كانت جزءاُ من الحكومة السابقة. فممثلوها اليهود تخلصوا من عضو الكنيست العربية، غيداء ريناوي- زعبي، لأنها رفضت التصويت مع الحكومة لتمديد أنظمة الطوارئ لسنة 1946 الموروثة من الاستعمار البريطاني، كما تخلصوا من عيساوي فريج. ولا يزال يهود هذه الحركة يرفضون تحوّلها إلى حركة عربيّة يهودية. فقبيل انتخابات الكنيست السابقة أشار استطلاع للحركة إلى وجود (0.7%) فقط من قاعدتها اليهودية تؤيد تحوّلها إلى عربية– يهودية. بذلك تكون فكرة القائمة العربيّة- اليهودية قد اختفت، هذا لا يعني اختفاء المُصوتين العرب للأحزاب اليهودية وللفاشيّة منها (أيضاً). لكن على ما يبدو لا تزال فكرة إقامة جسم يهودي- عربي انتخابي تراود بعض العرب كما ورد في “نداء اللحظة الأخيرة الى رفاق الحزب والجبهة” (alcarmil.com, 14.11.2022).

كذلك خسر حزب العمل ثلاثة من ممثليه في الكنيست وبالكاد تجاوز نسبة الحسم مع أربعة أعضاء. وحال حزب العمل كحال (ميرتس) في الوقت الذي جنحا فيه باتجاه اليمين بانضمامهما إلى حكومة (لبيد) فهم كثيرون من ناخبيهم التقليديين بعدم وجود فروق بينهم وبين “أحزاب يمين الوسط” لذا فضلوا التصويت لها ‘على المضمون ‘للفوز وتشكيل الحكومة.

إن أسباب جنوح المستعمرين اليهود نحو اليمين بات حالة ثابتة في سياستهم تجاه العرب. لأن الأفكار اليمينية (التي هي رأسمالية) في مستوياتها المختلفة هي القادرة على تثبيت استعمارهم، كما تمنحهم الوهم بأنها القادرة على حلّ التناقض مع عرب فلسطين.

إضافة  للأسباب العالمية والمحليّة التي ساعدت وتساعد صعود اليمين في إسرائيل- كما شرحتها في هذا المقال- هناك عدة أسباب أخرى تخصّ العرب والمسلمين تمنح إسرائيل ومستعمريها القدرة على التمادي للتصعيد ضدهم. إنها مفارقة مذهلة! فمؤتمر مدريد سنة 1991 واتفاقية أوسلو سنة 1993 كاناً إعلانا رسميّا بهزيمة العرب وبقبولهم طائعين مغادرة فلسطين وإبقائها لليهود فقط. هذ ما أعلنته بصراحة ووضوح “إتفاقيات أبرهام/ إبراهيم” مع الخلايجة، التي انبثقت من الأسطورة الدينية اليهودية القائلة إن إبراهيم طرد زوجته وابنهما إسماعيل، جدّ العرب والمسلمين، إلى تيه الصحراء مبعداً إياهما من وطنهما ليستولي عليه فيما بعد، نسل ابنه “إسحق”، جدّ اليهود. أي قبول العرب باحتلال اليهود كامل فلسطين- ليس كما يدعي مؤيدو هذه الاتفاقية قائلين بأنهم يعودون إلى خيمة ‘جدهما’ الأول إبراهيم . في التاسع عشر من شهر أكتوبر الفائت أحيى ربَوات من المستعمرين اليهود ذكرى “حياة ساره” في مدينة الخليل، وبقدرة قادر لم ينفذوا مجزرة بأهلها (يمكن العودة إلى الفصل الثاني من كتابي الصراع على الهوية في اللاهوت اليهودي.. 2019). وإن عودة العلاقات الدافئة مع تركيا، أذربيجان وبعض الدول الإسلامية تندرج في هذا الباب. بذلك نصادق على ما يقوله مالك بن نبي عن قابلية العرب والمسلمين للاستعمار. النتيجة التي يمكن التوصل إليها بسهولة ووضوح هي: إن تشرذم العرب في فلسطين وبقية الأقطار العربية يُسهم بتصعيد المستعمرين اليهود ضدّهم ووصول اليمين ذي التوجهات الفاشية والنازية إلى الحكم بالكيان. وكأن هذه المخلوقات المكونة من العرب والمسلمين قرأوا معاً سِفْر شرعنة استعمار اليهود لقطعة عزيزة من بلادهم، وأصبح للأخوة اليهود خدام من الإخوان العرب والمسلمين!

بناءً على ما تقدم وما كتبته في مقالي السابق (العودة إلى المربع الأول: تصويت العرب معناه ضبط إيقاعهم والتجديد لشرعية الكيان)، نقول للذين يتحدثون عن التأثير من الداخل والخارج، من فوق ومن تحت: تواضعوا! كما نقول للمؤمنين بأن المؤامرة هي التي منعتهم من عبور نسبة الحسم: اعقلوا! إمسحوا وجوهكم بالرحمان وتعاولوا نحكي!

 

 

disqus comments here