لبنان أضاع «فرصة الترسيم»؟

 

لم يمض أسبوعان على توقيع اتفاق الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل حتى عادت الولايات المتحدة إلى مسلسل تضييق الحصار على اللبنانيين، وكانت أولى بوادره عرقلة استجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر ووضع الهبة الإيرانية في خانة قانون العقوبات. وعليه، ذهبت كل الأحلام والوعود بتغيير الوضع القائم ومباهج احتفال السفارة الأميركية وقصر بعبدا أدراج الرياح.

رغم كل التطمينات التي أتحفنا بها وزير الطاقة وليد فياض والسفارة الأميركية في بيروت، في الأيام الأخيرة التي سبقت توقيع اتفاق الترسيم، لناحية قرب وصول ملف الغاز المصري والكهرباء الأردنية إلى خواتيمه السعيدة، لا يبدو أنه سيبصر النور طالما استراتيجية الحصار لدى الولايات المتحدة على لبنان ما زالت قائمة، خصوصاً بعد أن تولّت إعادة تظهير الاستراتيجية بنسختها الأخيرة مساعدةُ وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، التي رجّحت جلاء كفة احتمال انزياح لبنان إلى قبضة الفوضى والفلتان كمعبر إلزامي لـ«تحريره» من هيمنة حزب الله.


وملف الهبة الإيرانية ليس بأفضل حال، والذي من المفترض أن يكون خارج إطار قانون العقوبات الأميركية، لكن ضعف مسؤولينا كافٍ ليجعله من ضمن العقوبات مجرد أن تُومئ لهم الإدارة الأميركية بذلك، حتى لو أتت الإيماءة من أصغر موظف في السفارة الأميركية في بيروت. وقد أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي بهذا الصدد، أن هناك صعوبة جديّة، حيث يبدو أن الولايات المتحدة تعتبر كل النفط الإيراني خاضعاً للعقوبات، وقد لا يسع لبنان قبول الهبة من دون الحصول على استثناء من وزارة الخزانة الأميركية على غرار ما يحصل مع العراق.
هذا الواقع يحدونا إلى سؤال: ألم يكن بوسع لبنان أن يُضمِّن اتفاق الترسيم البحري شرطاً يقضي بتسهيل الملفين المذكورين؟ ألم يُضيع لبنان عليه هذه الفرصة الثمينة؟ قَبِلَ الفريق اللبناني المفاوض بالخط 23 بدل الخط 29 تسييراً لعملية التفاوض بذريعة عدم إمكانية قبول إسرائيل بأكثر من ذلك، أمر فيه وجهة نظر، لكن أن نعيش على أحلام النفط والغاز الذي لن تؤتى ثماره قبل خمس سنوات على الأقل، من دون التفكير في كيفية تسيير عجلة الدولة لحين حلول الغاز الموعود، أمر فيه قصر نظر وقلة إدراك.


لقد أضاع لبنان فرصة استغلال حراجة الموقف الأميركي قبل اتفاق الترسيم، التي لن تتكرر مرة ثانية، وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على ضعف السلطة القائمة التي كان جلّ ما تصبو إليه توقيع الاتفاق قبل نهاية العهد، فيما إسرائيل لم تترك شاردة وواردة إلا ودققت فيها قبل توقيع الاتفاق الذي وافقت عليه مرغمة.
وهذا لا يعفي حزب الله من المسؤولية، وهو الذي يعرف عن كثب هشاشة الدولة اللبنانية، وهو من يملك القوة والقدرة ليس لوضع الشروط وحسب، إنما لفرضها أيضاً، وإن لم يكن «جزءاً من المفاوضات» وبالتالي «لا دخل له بوضع شروط أو غيرها ووقوفه خلف الدولة»، كان يمكن الإيعاز لمن يلزم لتمرير هذا الشرط أو ذاك من خلف الستار. كان عليه أن لا يسلّم أمراً على هذا المستوى من الأهمية إلى سلطة ما زالت تؤمن بمقولة «قوة لبنان في ضعفه»، ولم تستوعب بعد، أو تؤمن، بأن خلفها قوة مقتدرة يمكن الاستثمار فيها والإفادة منها حتى «الدقيقة تسعين». خصوصاً أن رأس حزب الله هو المطلوب من كل ما تقوم به الإدارة الأميركية تجاه لبنان بمباركة غربية وإقليمية على السواء.
ها وقد وُقِعَ الاتفاق، وإسرائيل باشرت بالاستخراج من حقل كاريش، ولبنان ينتظر شركة «توتال» لتباشر أُولى عمليات التنقيب عن الغاز في حقل قانا إن وجد، في شهري شباط أو آذار المقبلين. فلننتظر ونرَ إذا ما بقي الحصار الأميركي قائماً، لن يتوقف الأمر على منع استجرار الغاز والكهرباء إلى لبنان وحسب، إنما أكثر من ذلك. فمن يضمن «العم سام»، الذي تعهد بتسهيل عمل شركات التنقيب في الحقول اللبنانية طبقاً لاتفاق الترسيم، أن لا يعرقل عمليه تصريف ما ينتجه لبنان من نفط وغاز لاحقاً! فمن يمنع عليك «الهبة» توقّع منه كل الشرور.

disqus comments here