جنرال صهيوني.. "السلطة بالنسبة للاحتلال كنز استراتيجي"

إذا كان صحيحا أن الانتخابات في كيان الاحتلال قد أعادت بنيامين نتنياهو مجددا للمشهد السياسي، ولكن في نسخة فاشية مطورة، حتى أن هذه العودة بهذا الشكل، جعلت بعض المسؤولين الصهاينة يعتبرونها "كارثة"، فإن الأكثر صحة هو أن أجندة قوى اليمين الصهيوني المتطرف، هي التي ستحكم سلوك الحكومة في مواجهة الفلسطينيين، وعلى ضوء ذلك يمكن أن تُوصف حكومة نتنياهو الجديدة بأنها حكومة غلاة المستوطنين الفاشيين.
ومن شأن وجود بن غفير وسموتريتش أن يعمل كلاهما على تحقيق أهداف مختلفة تتعلق بتسريع التوسع الاستيطاني، وهدم المنازل الفلسطينية، واستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين العزل، وحتى ضم بعض أراضي الضفة الغربية رسميًا. وسيكون ذلك تغيرا جذريا في سلوك الاحتلال لا تستطيع السلطة معه، أن تبرر دورها الوظيفي في ظله، وربما يساهم ذلك في "إطفاء" السلطة الفلسطينية الهشة نهائيا في الضفة الغربية، لعجزها أولا، عن القيام بدورها الوظيفي السابق كجزء من المنظومة الأمنية الصهيونية، وفق الرئيس السابق للشعبة السياسية والعسكرية في وزارة الجيش الصهيوني الجنرال عاموس جلعاد، من جانب، وعدم قدرتها على مجاراة، حالة النهوض سواء الشعبي، أو عبر ظاهرة الكفاح المسلح ممثلا في القوى الحديدة كالكتائب أو مجوعات العرين من جانب آخر.
ولذلك فإن نتائج عجز السلطة عن القيام بدورها السابق لأسباب موضوعية وذاتية، بات يثير خوف الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية، لأن ذلك سيعني الفراغ، وهذا الفراغ ستملؤه قوى المقاومة الجديدة غير المرتبطة بالفصائل التقليديةـ التي جاء وجودها في المشهد الكفاحي بسبب ما يمكن تسميته بـ( زواج المتعة) بين السلطة الفلسطينية والاحتلال، عبر التنسيق الأمني.
ومن ثم فإن التنسيق الأمني بكل التداعيات السلبية الناتجة عنه وضع السلطة موضوعيا سواء رضيت بذلك أو لا، إلى جانب الاحتلال في مواجهة الكل الوطني، وقد وفر ترافق ذلك مع انسداد الأفق السياسي وتفاقم حالة العوز الاقتصادي، وقصور دور الفصائل في مواجهة عدوانية قطعان المستوطن وجيش الاحتلال، مناخا مهما، في فتح الباب أمام ظاهرة القوى التي ظهرت في كل المدن الفلسطينية تحت مسميات مختلفة لكن مع وحدة الفكرة، أي مواجهة الاحتلال دون بهرجة أو استعراض دعائي، بإعادة الاعتبار لمفهوم العمل الكفاحي ضمن الضوابط الأمنية الصارمةـ فكان أن حشدت هذه الصورة للمقاومين الجدد دعما والتفافا جماهيريا واسعا، كون هذه الظاهرة أكدت مجددا حيوية وقدرة الشعب الفلسطيني على التكيف الخلاق مع متطلبات اللحظة وتجاوز قيادته الرسمية.
وكان لحالة الالتفاف والدعم وتنامي هذه الظاهرة في ظل بطش وتوحش الاحتلال، أن أربكت العدو الصهيوني والأمريكي معا. اللذان يخشيان أن تملأ ظاهرة المقاومين الجدد الفراغ الذي قد ينشأ في حال انهيار السلطة. وبشكل أساسي التنسيق الأمني، بل وربما يفتح الانهيار الباب أمام مكنة إعادة تموضع منتسبي الأجهزة الأمنية بعيدا عن إرث دايتون وربما أوسلو، مما جعل البعض الصهيوني يحذر من ضياع ما سماه “الكنز الاستراتيجي” ، أي التنسيق الأمني الذي جعل من السلطة خط دفاع أول عن الكيان في مواجهة قوى المقاومة الجديدة غير المرتبطة بالفصائل.
ولهذا حذر رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار رئيس الوزراء المكلف بنيامين نتنياهو من أن الحكومة الفلسطينية قد تنهار، مما قد يتسبب في تدهور أمني. لأن انهيار السلطة حسب "رونين" سيخلق مطالب ثقيلة على إسرائيل، مما سيجبرها على تولي المسؤولية الأمنية والشؤون المدنية في المناطق التي تسيطر عليها حاليا. وقد اعترف مسؤولون أمنيون إسرائيليون أن الدور الذي كانت تقوم به السلطة، ساهم في تضييق الخناق على جماعة “عرين الأسود” في شمال الضفة الغربية.
ولذلك سارع الكيان الصهيوني إلى دعوة الولايات المتحدة بضرورة إنقاذ السلطة، لأن بقاء واستمرار دور السلطة الأمني يجنب الكيان إلى حد كبير أعباء الدور الذي كانت قد تكفلت به السلطة من أوسلو. لأن البديل كما قال وزير الجيش الإسرائيلي، بيني غانتس، سيكون أسوأ وأكثر راديكالية”.
فيما ذهبت إدارة الرئيس بايدن إلى تعيين هادي عمرو كمبعوث خاص للشأن الفلسطيني. جراء الشعور الأمريكي بقلق كبير من احتمال تدهور الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية المحتلة. وهذا الشعور ليس خوفا على الفلسطينيين وإنما لتطويق مكنة انهيار السلطة الفلسطينية وتوقفها القسري عن أداء وظيفتها في حماية جيش لاحتلال وقطعان مستوطنيه وفق عقيدة دايتون.
لأن تدهور الوضع الأمني كما قالت الإدارة الأمريكية في الضفة الغربية سيؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية، ولذلك طالبت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف الفلسطينيين والإسرائيليين “بالتعاون الأمني بشكل قوي ومستمر لمنع مزيد من التصعيد”. الذي سيكون نتيجته هي انهيار السلطة، وتوقفها عن القيام بدورها كحارس أمن للكيان الصهيوني.
لكن أبلغ توصيف لدور السلطة كان للرئيس السابق للشعبة السياسية والعسكرية في وزارة الجيش الإسرائيلي الجنرال عاموس جلعاد، الذي لخص أهمية السلطة بالنسبة للاحتلال بأن التعاون بين الطرفين على مدار السنوات الماضية هو كنز استراتيجي بالنسبة لإسرائيل يجب المحافظة عليه، مشددًا على أن “السلطة الفلسطينية جزء من المنظومة الأمنية الإسرائيلية”.
فيما تعتقد كسانية كسبتلوفة الباحثة في شؤون الشرق الأوسط بالجامعة العبرية وعضوة الكنيست السابقة أنه في حال انهيار السلطة الفلسطينية وغياب الأمن للفلسطينيين بالضفة الغربية، وفي اليوم التالي لرحيل الرئيس محمود عباس لن يكون لدى الإسرائيليين أمن وأمان أيضا، مما سيضع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أمام تحديات غير مسبوقة.
إن المفارقة المحزنة والمخجلة بالمعنى الوطني والسياسي والفكري، أنه في ظل هذه العدوانية المتواصلة لجيش الاحتلال وقطعان المستوطنين، توصَّف السلطة بأجهزة أمنها بأنها جزء من المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بكل ما يعنيه هذا المفهوم من دلالات، التي هي في المحصلة اصطفافا موضوعيا إلى جانب الاحتلال وفي مواجهة الشعب الفلسطيني.ونحن نعتقد أن هناك ما تزال فرصة للسلطة، أن تستعيد نفسها..
لكننا أيضا نرى، أنه من المعيب وطنيا أن يعتبر الكيان الصهيوني أجهزة السلطة الأمنية جزء من المنظومة الأمنية للاحتلال، دون يحدث زلزالا في الوعي والسلوك لدى السلطة الفلسطينية، يعصف بكل المسار من أوسلو حتى الآن ـ لأن ذلك هو أضعف الإيمان..

disqus comments here